Saturday, October 25, 2014
0

الوفرة شبه العقلانية

في عام 1996 نظر روبرت شيللر، الخبير الاقتصادي من جامعة ييل، إلى الأحوال المحيطة به، ثم استعرض السجل التاريخي، فاستنتج أن قيمة سوق الأوراق المالية الأميركية مبالغ في تقديرها. في الماضي كلما كانت المكاسب المالية الناتجة عن الأسعار ترتفع، كانت العائدات الآجلة للسندات طويلة الآجل تسجل انخفاضاً. لكن الأسعار الآن وفقاً للمؤشر العريض لسندات الـ (S&P) الخمسمائة بلغت 29 ضعف المتوسط الذي سجلته مكاسب العقد الماضي.

واستناداً إلى تحليل قياس التراجع الاقتصادي الذي قام به شيللر وزميله جون كامبل من جامعة هارفارد، توقع شيللر في عام 1996 أن تشكل سندات الـ (S&P) الخمسمائة استثماراً سيئاً طيلة العقد التالي. ولقد زعم أن القيمة الحقيقية لسندات الـ (S&P) الخمسمائة سوف تتدهور خلال العقد الذي ينتهي بحلول شهر يناير 2006. وحتى بإضافة أرباح السندات، فإن تقديره للعائدات المرجحة المعدلة وفقاً للتضخم، والتي سيحصلها المستثمرون من حملة سندات الـ (S&P) الخمسمائة، كان صفراً ـ وهذا التقدير بالطبع أقل كثيراً من نسبة الـ 6% سنوياً تقريباً التي كنا نتوقعها للعائد السنوي الحقيقي، باعتبارها النسبة المثالية لسوق الأوراق المالية الأميركية.

كانت حجج شيللر قوية إلى الحد الذي دفع ألان جرينسبان إلى إلقاء خطبته الشهيرة حول "الوفرة الطائشة" في المعهد الأميركي للتجارة في شهر ديسمبر عام 1996. ولا أستطيع أن أنكر أن حججه قد أنقعتني أنا أيضاً.

لكن شيللر لم يكن مصيباً. وما لم تنهار سوق الأوراق المالية الأميركية قبل نهاية شهر يناير فهذا يعني أنها استمرت طيلة العقد الماضي في تقديم عائدات أعلى قليلاً من المتوسطات التاريخية ـ وبالطبع كانت تلك العائدات أعلى كثيراً من الصفر. بل لقد نجح أولئك الذين استثمروا أموالهم ثم أعادوا استثمارها في سوق الأوراق المالية الأميركية طيلة العقد الماضي في مضاعفة أموالهم تقريباً، حتى إذا ما وضعنا عامل التضخم في الحسبان.

ولكن ما السبب وراء الخطأ الذي وقع فيه شيللر؟ نستطيع أن نشير إلى ثلاثة عوامل، وننسب إلى كل منها ثلث الفضل في العائد السنوي الحقيقي الذي بلغ 6% بدلاً من صفر طيلة العقد الماضي:

§ التطورات التقنية الحديثة التي يرجع إليها الفضل في "الاقتصاد الجديد" الحقيقي، والذي أدى إلى التعجيل بنمو إنتاجية الشركات الأميركية.

§ التحولات التي طرأت على توزيع الدخل فأبعدته عن العمالة وقربته إلى رأس المال، الأمر الذي أدى إلى تعزيز أرباح الشركات كنصيب في الإنتاج.

§ اتساع حيز المجازفة من جانب المستثمرين في سوق الأوراق المالية، وهو ما أدى فيما يبدو إلى رفع معدلات مكاسب السعر على الأمد البعيد بنحو 20%.

لم يكن أي من هذه العوامل واضحاً في عام 1996 (على الرغم من وجود بعض المؤشرات الدالة على العامل الأول، وبعض الإلماحات إلى العامل الثالث، والتي أدركها الأذكياء أو المحظوظين آنذاك). في عام 1996 كان الرهان على تحليل التراجع الذي قدمه شيللر سلوكاً معقولاً، بل وربما كان تصرفاً ذكياً آنذاك. لكنه كان أيضاً تصرفاً في غاية المجازفة، كما أدرك كل من تبنى استراتيجية مجموعة السندات التي تضمنها تحليل شيللر.

كل ذلك لا يقلل من أهمية السؤال الذي طرحه شيللر. ما الذي يجعل أسواق البورصة في كل أنحاء العالم عرضة للإصابة بنوبات من "الوفرة الطائشة" و"التشاؤم المفرط"؟ لماذا يحجم المستثمرون المتعقلين المطلعين عن اتخاذ المزيد من الخطوات للمراهنة على القواعد الأساسية وضد حماسة الجمهور غير المطلع؟

نستطيع أن نستخلص سببين من تجربة العقد الماضي. يتلخص الأول ـ إذا ما سلمنا بأن تحليل التراجع الذي قدمه لنا شيللر منذ عقد من الزمان قد نجح في تحديد القواعد الأساسية بعيدة الأمد ـ في أن الرهان على القواعد الأساسية البعيدة الأمد أمر يحمل في طياته مجازفة خطيرة. فخلال عقد من الزمان قد يطرأ من الأحداث الطيبة ما يكفي لإفلاس المضاربين على الهبوط، حتى ولو كانوا مدعومين بعض الشيء، حين تبدو أسعار السندات في ارتفاع؛ وقد يطرأ من الأحداث السيئة ما يكفي لإفلاس المضاربين على الصعود، حتى ولو كانوا مدعومين بعض الشيء، حين تبدو أسعار السندات في انخفاض.

وعلى هذا، فحتى في ظل الأوضاع المتطرفة ـ مثل الارتفاع الحاد لفقاعة شركات النقل في أواخر عام 1999 وأوائل عام 2000 ـ يكون من الصعب للغاية حتى بالنسبة لأولئك الذين يظنون أنهم يعرفون ما هي القيم الأساسية أن يجازفوا بمبالغ ضخمة على الأمد البعيد. بل إن الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدركون هذا، والذين يرغبون في الدخول في مجازفات مناقضة للتوقعات السائدة على الأمد البعيد، بهدف إقناع الآخرين بائتمانهم على أموالهم.

لو كان من السهل أن نخترق حجب الزمن والجهل، فبات بوسعنا أن نحكم على القيم الأساسية بعيدة الأمد بقدر كبير من الثقة، لكان من السهل والآمن أن ندخل في مجازفات ضخمة مناقضة للتوقعات السائدة على الأمد البعيد، استناداً إلى القواعد الأساسية، ولكان من شأن الأموال الذكية في هذه الحالة أن تهدئ من حماسة واندفاع الجمهور غير المطلع ـ سواء كان ذلك الحماس إيجابياً أو سلبياً.

ولكن بطبيعة الحال ليس بوسعنا أن نتغلب على عقبة المجهول على الأمد البعيد. وكما أجاب جيه. بي. مورجان حين طُـلِب منه أن يتكهن بأسعار الأسهم فقال: "سوف تكون متذبذبة".

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured