Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

المملكة العربية السعودية في مواجهة الشيعة

بيروت ـ في الرابع والعشرين من فبراير/شباط وقعت مواجهات عنيفة بين حجاج من الشيعة وقوات الشرطة الدينية السعودية عند مدخل المسجد النبوي في المدينة المنورة. والحقيقة أن توقيت وموقع الاشتباكات يشيران إلى عواقب خطيرة قد تهدد الأمن الداخلي، إن لم تهدد النظام السعودي ذاته.

كان ما يقرب من الألفين من الحجاج الشيعة قد اجتمعوا بالقرب من المسجد الذي يضم قبر النبي محمد للاحتفال بذكرى وفاته، وهي الممارسة التي تعتبرها الطائفة الوهابية الحاكمة في السعودية هرطقة ووثنية. وعلى هذا فقد حاول المطوعين (موظفي الشرطة الدينية التابعة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) المسلحين بالعصي، وبمساندة أفراد من الشرطة الذين أطلقوا الأعيرة النارية في الهواء، تفريق الحجاج. وقاوم الحجاج هذه المحاولة. وأسفر التدافع الذي تلا ذلك عن مقتل ثلاثة من الحجاج وإصابة المئات منهم بجراح. وما زال عدد كبير من الحجاج محتجزين، ومن بينهم خمسة عشر صبياً مراهقاً.

بعد فترة وجيزة، سعى ممثلون عن الطائفة الشيعية في المملكة العربية السعودية إلى لقاء الملك عبد الله في محاولة للإفراج عن المحتجزين. ويبدو أنهم تصوروا أن الحوار يشكل استراتيجية واعدة: فقبل عشرة أيام فقط، كان الملك عبد الله قد أعلن عن أجندة إصلاحية واعدة للبلاد. ولكن الملك رفض مقابلة وفد الشيعة.

لقد أدت أعمال العنف التي وقعت خارج الحرم المدني إلى مظاهرات احتجاج لم يسبق لها مثيل أمام السفارات السعودية في لندن، وبرلين، ولاهاي، حيث طالب المتظاهرون بالاستقلال عن الدولة السعودية.

إن مثل هذه المظاهرات غير قانونية في المملكة العربية السعودية بطبيعة الحال. ولكن القمع الداخلي لم يفلح إلا في تصدير المشكلة واتساع نطاقها. والآن أصبحت سياسات القمع والتمييز والعداء التي ينتهجها النظام في التعامل مع الشيعة وغيرهم من الجماعات السياسية المهمشة تهدد على نحو متزايد بتفكك الدولة السعودية.

إن الشيعة حالة خاصة، فهم يشكلون 75% من سكان المنطقة الشرقية، وهي المنطقة الرئيسية المنتجة للنفط في المملكة، وهم أكثر ارتباطاً وتعاطفاً مع الشيعة عبر الحدود في العراق من ارتباطهم بالدولة السعودية. والحقيقة أن تمكين الشيعة الذين طال قمعهم في العراق كان سبباً في ارتفاع الآمال بين الشيعة في المملكة العربية السعودية في أن يتمكنوا هم أيضاً ذات يوم من اكتساب وضع المواطنين من الدرجة الأولى.

ولكن من وجهة نظر النظام السعودي فإن إيران الشيعية تشكل الآن التهديد الأمني الأعظم خطورة على الإطلاق. وعلى هذا فقد نظرت السلطات السعودية إلى المظاهرات الشيعية باعتبارها تأكيداً للسياسات الإيرانية، وذلك لأنها تزامنت مع احتفال إيران بالذكرى السنوية الثلاثين لقيام جمهوريتها الإسلامية. وهذا يعني أن قمع الشيعة يشكل جزءاً من الاستراتيجية التي تتبناها المملكة في التصدي لمساعي إيران الرامية إلى فرض هيمنتها الإقليمية على المنطقة.

بيد أن هذا التفكير يعاني من قِـصَر النظر الشديد. فلن يتسنى للمملكة أن تتحول إلى نموذج جاذب لأقلياتها إلا بتحويل الهوية الوطنية السعودية/الوهابية الجامدة إلى هوية وطنية أكثر شمولاً. فاليوم يضطر المنبوذون من الشيعة إلى البحث عن الصلات السياسية والدعم من الحركات السياسية الشيعية الأكبر في المنطقة للتعويض عن التمييز الذي يلاقونه في وطنهم.

ومن هنا فقد بات الاختيار أمام الحكام السعوديين واضحاً تمام الوضوح: إما تمكين الشيعة في إطار النظام، أو مشاهدتهم وهم يكتسبون المزيد من السلطة والنفوذ من خلال التحالفات الخارجية. والتهديد الذي قد يترتب على هذا ليس مجرد تجريد نظري، ذلك أن حدود المملكة مليئة بالثغرات.

حتى الآن لم يُـظهر الملك عبد الله أي علامة تدل على اختياره لسياسة الإدماج ـ وليس حتى مجرد لفتة رمزية، كتعيين وزير شيعي على سبيل المثال. فضلاً عن ذلك فإن عبد الله عاجز حتى عن منع القنوات الفضائية التلفزيونية من التنديد بالشيعة "الزنادقة"، أو المئات من المواقع الوهابية على شبكة الإنترنت والتي تنادي بالقضاء المبرم على الشيعة.

ولكن السعوديين من غير الوهابيين، وبخاصة الشيعة، مستمرون في مقاومة عقيدة الدولة السعودية. وحتى مطلع هذا العام لم يتمكنوا من تشكيل حركات معارضة كبيرة أو علنية، وذلك بسبب خوفهم المتأصل تاريخياً من القمع. يرجع تاريخ الاضطرابات الشيعية إلى بداية تأسيس المملكة في عام 1932، ولقد بدأت المواجهات العنيفة مع الدولة السعودية مع قيام ثورة الشيعة في إيران المجاورة.

أدت الثورة الإيرانية إلى اندلاع الانتفاضة الشيعية في المنطقة الشرقية من المملكة في نوفمبر/تشرين الثاني 1979. حيث نَـظَّم أهل الطائفة الشيعة المهمشون اقتصادياً وسياسياً انتفاضة غير مسبوقة في مدن القطيف وسيهات والصفوة وأوامية. وطالَب عشرات الآلاف من الرجال والنساء بوقف سياسية التمييز ضد الشيعة.

ورغم نجاح قوات الأمن السعودية، وقوات الحرس الوطني، وقوات مشاة البحرية في سحق التمرد، إلا أن التوترات الداخلية التي أدت إليه ظلت قائمة. ولقد تحدى آية الله الخميني احتكار آل سعود الإيديولوجي للحرمين المكي والمدني وفرضهم لسيطرتهم عليه. كما تحدى الخميني مفهوم الملكية في الإسلام حين أعلن أن "أصحاب السلطة ليسوا الملوك بل علماء الدين".

كانت المؤسسة الدينية السعودية منذ أمد بعيد على أهبة الاستعداد للتصدي لهذا الكيان المنافس الذي يهددها. ولقد حَـذَّر سفر الحوالي ، وهو رجل دين وهابي سعودي بارز، من المخاطر التي يفرضها "القوس الشيعي"، وذلك في أعقاب انتفاضة الشيعة في العراق في عام 1991. ولكن منذ اندلاع الحرب في العراق في عام 2003، وتمكين الشيعة في مختلف أنحاء المنطقة، أصبح النظام السعودي في مواجهة طائفة شيعية ضخمة ومتوترة وطموحة سياسياً في بلدان الخليج المجاورة، وخاصة في الكويت والبحرين، وأيضاً في لبنان.

إن المظاهرات التي شهدتها المدينة المنورة تؤكد أن الشيعة السعوديين أيضاً اكتسبوا قدراً كبيراً من الجرأة. بل لقد أقدموا على تشكيل حركة معارضة أطلقوا عليها اسم "الخلاص"، وتسعى إلى تعبئة الجيل الجديد من الشيعة في المنطقة الشرقية من المملكة. وعلى ضوء الانشقاقات الإقليمية والسياسية المتسعة، فإن الموجهات كهذه التي وقعت في الحرم النبوي الشريف قد تتزايد في الحجم والوتيرة والعنف.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured