Friday, August 1, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

روسيا تَلزَم دارها

مدريد ــ قبل ثلاثة أيام فقط من عودته إلى الكرملين رئيساً لروسيا، التقى فلاديمير بوتن وراء الأبواب المغلقة في مقر إقامته في نوفو أوجاريوفو، مع مستشار الأمن القومي الأميركي توم دونيلون، الذي كان هناك ليؤكد على عزم الرئيس باراك أوباما المتجدد على تعزيز أواصر التعاون مع روسيا. ولكن دونيلون عاد إلى الديار خالي الوفاض: فبوتن لن يحضر قمة مجموعة الثماني في 18-19 مايو/أيار في كامب ديفيد، ولا قمة منظمة حلف شمال الأطلسي في شيكاغو في 20-21 مايو/أيار، على الرغم من الجهود التي بذلها أوباما لاسترضاء روسيا بنقل مؤتمر قمة مجموعة الثماني من شيكاغو.

ونتيجة لهذا فإن ما كان ليصبح أول لقاء بين أوباما وبوتن بعد عودته إلى الرئاسة في روسيا تأجل إلى موعد انعقاد قمة مجموعة العشرين في لوس كابوس بالمكسيك في 18-19 يونيو/حزيران. ولقد أثار هذا التأخير الكثير من التكهنات.

فيعزو بعض المراقبين غياب بوتن إلى التوترات الأخيرة بين روسيا والولايات المتحدة نتيجة لاستجابة بوتن المتزايدة القسوة للاحتجاجات من قِبَل معارضيه في الداخل. ويرى آخرون أن انطواء بوتن راجع إلى الاقتتال داخل الكرملين.

ولكن أياً كان ما يقود سلوك بوتن، فإن قمتي هذا الشهر سوف تؤثران على العلاقات بين البلدين بشكل كبير، نظراً للقضايا الأمنية العالمية التي سوف تناقش في إطار قمة مجموعة الثماني والحاجة إلى وضع الترتيبات اللازمة لمشاركة روسيا في درع حلف شمال الأطلسي المضادة للصواريخ.

وهناك مسألتان ــ إلى جانب الاقتصاد العالمي المتعثر ــ تشكلان أهمية خاصة بالنسبة لقمة مجموعة الثماني. الأولى أن برنامج إيران النووي أصبح الآن في صدارة الجهود الدبلوماسية. فبعد أكثر من عام من الجمود استؤنفت في إبريل/نيسان. وروسيا باعتبارها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تشارك في هذه المحادثات، وتعاونها ضروري لحل واحدة من أكثر المشاكل الدولية إرباكاً اليوم.

وبوسعنا أن نقول نفس الشيء عن دور روسيا في حل الأزمة في سوريا، نظراً للعلاقات الاستراتيجية التي حافظ عليها البلدان منذ الحرب الباردة. والواقع أنه في ظل الاحتمالات المتنامية بفشل خطة السلام التي اقترحها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان لحل أزمة سوريا، واندلاع حرب أهلية هناك، فإن روسيا قد تكون المحاور الوحيد الفعّال المتبقي لدى المجتمع الدولي.

ومن الضروري فضلاً عن هذا التوفيق بين مواقف روسيا والغرب فيما يتصل بنظام الدرع المضادة للصواريخ الذي يعكف حلف شمال الأطلسي على تطويره الآن، والذي سيكون موضوعاً للمناقشة في شيكاغو. ويتلخص الهدف الرئيسي من هذا النظام في حماية أوروبا والولايات المتحدة من هجمات محتملة بواسطة صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى من إيران وكوريا الشمالية. ولكن قادة روسيا يتشككون في الأهداف الحقيقية لهذا النظام الدفاعي، ويعتقدون أنه من شأنه أن يهدد أمن روسيا بالحد من القدرة الانتقامية (وبالتالي من قوة الردع) لصواريخها النووية.

في عام 2009، بدا الأمر وكأن "نهج التكيف المرحلي" الذي أطلقه أوباما كفيل بتخفيف التوترات الثنائية وتمهيد الطريق أمام معاهدة ستارت الجديدة للحد من التسلح في عام 2010، والتي كانت بمثابة قفزة استراتيجية من قِبَل روسيا والولايات المتحدة في اتجاه خفض عدد منصات إطلاق الصواريخ النووية إلى النصف. وفي أعقاب هذا التقدم في نهاية عام 2010، وافق الروس على دراسة احتمالات التعاون مع حلف شمال الأطلسي فيما يتصل بالنظام الدفاعي المضاد للصواريخ.

ولكن الولايات المتحدة كانت غير قادرة على تقديم ضمانات قانونية ــ وليس سياسية فقط ــ بأن النظام المضاد للصواريخ في أوروبا لن يعيق قدرة روسيا الاستراتيجية. ونتيجة لهذا، فإن روسيا تشعر الآن بانعدام الثقة إلى الحد الذي جعل رئيس أركانها العسكرية الجنرال نيكولاي ماكاروف يعلن مؤخراً أن بلاده لا تستبعد شن هجمات استباقية لتدمير أي جزء من الدرع المضادة للصواريخ ترى فيه تهديداً لأمنها.

من بين الحجج الرئيسية وراء هذا الموقف عدم يقين روسيا حول ما إذا كانت الخطوات اللاحقة في "نهج التكيف المرحلي" قد تشكل تهديداً لصواريخها الباليستية الاستراتيجية. وتعارض روسيا فضلاً عن ذلك نشر منشآت عسكرية في البلدان التي انضمت إلى حلف شمال الأطلسي بعد عام 1999 ــ مثل رومانيا ــ وهي النقطة التي أثيرت مؤخراً من قِبَل السفير الأميركي السابق إلى أوكرانيا ستيفن بيفر من مؤسسة بروكينجز.

وفي ضوء خطورة التساؤلات المطروحة في إطار القمتين، فإن حضور بوتن كان ليساعد كثيرا. وبالإضافة إلى القيمة المتمثلة في تحسين الكيمياء الشخصية بين الزعماء، فإن تخفيف التوترات في العلاقات بين روسيا والغرب أصبح أمراً لا غنى عنه، خاصة وأن المفاوضات بشأن الدرع الصاروخية وإيران وسوريا، وغير ذلك من القضايا من المحتم أن تكون طويلة ــ وأن الحلول مرتبطة بها.

الواقع أن الحلول المقبولة اليوم كفيلة بفتح الطريق للتوصل إلى اتفاق غير مسبوق بشأن التسلح النووي في عام 2013. وهذا مسألة بالغة الأهمية، وتتطلب بالضرورة قدراً كبيراً من التفاهم بين روسيا والولايات المتحدة.

يتعين علينا أن نبذل كل ما بوسعنا لتنفيذ الاقتراح الذي طرحه دونيلون على بوتن، لإعادة ضبط العلاقات، وردم الهوة بين البلدين فيما يتصل بالتخلص من ترساناتهما النووية في المستقبل. وبالنسبة لأوباما فإن النجاح كفيل بتبرير جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها في عام 2009. ومن المؤكد أن روسيا أيضاً سوف تستفيد.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured