Wednesday, November 26, 2014
0

روسيا وشرعيتها الخارجة على القانون

موسكو ـ الكولونيل يوري بودانوف مجرم مدان بتهمتي الاغتصاب والقتل. وبعد أن أمضى نصف مدة عقوبته في السجن لاغتصاب وقتل الفتاة الشيشانية إلسا كونجاييفا ، التي لم تتجاوز من العمر ثمانية عشر ربيعاً، أفرِج عنه في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.

سفيتلانا باخمينا كانت محامية تعمل لدى شركة يوكوس للنفط التي كان يديرها سابقاً ميخائيل خودوركوفسكي . وفي عام 2004 اعتقلت، ثم صدر الحكم ضدها في عام 2006 بالسجن لمدة ستة أعوام ونصف العام بعد إدانتها بتهمة الاختلاس والاحتيال الضريبي. ومثلها كمثل بودانوف ، تقدمت سفيتلانا في عام 2008 بطلب للإفراج المبكر عنها. ولكن طلبها رُفِض، كما رُفِض الالتماس السابق الذي تقدمت به في عام 2006 لوقف تنفيذ عقوبتها إلى أن يبلغ ولداها الصغيران أربعة عشر عاماً ـ وهو الطلب الذي كان من حقها أن تتقدم به طبقاً للقانون الروسي.

فاسيلي أليكسانيان كان نائب الرئيس التنفيذي لشركة يوكوس، وبصفته كمحام فقد دافع عن خودوركوفسكي وشريكه بلاتون ليبيديف بعد اعتقالهما في عام 2003. وفي وقت لاحق شُـطِب أليكسانيان من جدول المحامين ثم اعتقل في إبريل/نيسان 2006. وفي ذلك الوقت كان أليكسانيان في حالة صحية حرجة نتيجة لإصابته بمرض نقص المناعة البشرية المكتسبة (الايدز)، ولكنه حُرِم من الحصول على العلاج اللازم. وفي ديسمبر/كانون الثاني 2008 وافقت محكمة مدينة موسكو على الإفراج عنه بكفالة قدرها 50 مليون روبل (حوالي مليون وسبعمائة وخمسة وسبعين ألف دولار في ذلك الوقت).

وأخيراً فلنتأمل حالة خودوركوفسكي و ليبيديف . كان الرجلان قد اعتقلا في عام 2003، ثم صدر الحكم ضدهما في عام 2005 بالسجن لمدة ثمانية أعوام بتهمة الاحتيال الضريبي. وهما الآن يمضيان مدة عقوبتها في سجن تشيتا على الحدود مع الصين، وذلك رغم أن القانون الروسي ينص فيما يتصل بالجرائم التي اتهما بها على حقهما في قضاء مدة العقوبة في سجن قريب من محل إقامتهما، أي في موسكو.

وحين انتُخِب ميدفيديف رئيساً لروسيا قبل ما يزيد على العام قليلاً، فقد وعد بالتخلص من "العدمية القانونية" في روسيا. ورغم أنه كان من الأصدقاء المقربين من فلاديمير بوتن وربما لم يتمكن من تولي منصب الرئاسة إلا لهذا السبب، فقد بلغت جرأة الأمل بالبعض حداً جعلهم يتصورون أنه سوف يعمل على وضع حدٍ للعملية الانتقامية التي دبرت ضد خودوركوفسكي وكل المقربين منه.

بيد أن خيبة الأمل بلغت ذروتها بعد عام واحد فقط من انتخاب ميدفيديف ، حين أقيمت دعوى قضائية جديدة ضد خودوركوفسكي و ليبيديف ، بتهمة اختلاس الملايين وغسل الأموال هذه المرة.

في الجلسة التمهيدية للمحاكمة علق أحد المراقبين الساخرين قائلاً إن السلطات الروسية لم تستقر على رأي: فإما أن يكون رؤساء يوكوس السابقون قد احتالوا وتهربوا من تسديد الضرائب وإما أن يكونوا قد اختلسوا الأموال. ولكن منذ متى يدفع أي شخص ضرائب على أموال اختلسها؟!

إن قاعة المحكمة التي تدور داخلها أحداث محاكمة خودوركوفسكي و ليبيديف الجديدة أوسع قليلاً من حجرة دراسة رحبة في مدرسة، وهي تعج بالحراس المسلحين. ورغم ذلك فقد أرغِم المتهمان على الجلوس داخل قفص ضيق لا يوجد بواجهته الزجاجية غير فتحتين صغيرتين يتواصل معهما محاموهما عبرهما. وفي كل يوم يتم إحضارهما إلى قاعة المحكمة وقد كُبِلا بالأصفاد وكأنهما مجرمان خطيران. ولا يملك المرء حين يرى هذا المشهد إلا أن يقارنه بمشهد بودانوف ، المغتصب والقاتل الذي أصبح الآن حراً طليقاً يتنقل في أرجاء روسيا كيفما شاء.

لقد رفض القاضي دون إبداء أي تعليق الطلبات التي تقدم بها الدفاع لإزالة القفص واستبدال أحد ممثلي الادعاء، الذي كان مستشاراً للادعاء أثناء المحاكمة الأولى. وعلى هذا فإن الهدف الذي تسعى السلطات إلى تحقيقه من هذا يبدو واضحاً جلياً: إبعاد خودوركوفسكي و ليبيديف عن الساحة لأطول وقت ممكن ـ أكثر من عشرين عاماً إذا أدينا بالاتهامات الجديدة. ويبدو أن هذه النتيجة تكاد تكون مؤكدة.

بيد أن هذه المحاكمة الجديدة تشكل أيضاً اختباراً جديداً لرئاسة ميدفيديف . فحتى الآن لم يحرك ساكناً لمكافحة العدمية القانونية التي تحدث عنها سابقاً. ولكنه ربما يحول الأقوال إلى أفعال أثناء سير هذه المحاكمة التي باتت أشبه بثأر شخصي.

لا شك أن خودوركوفسكي ليس قديساً. فمثله كمثل العديد من أهل روسيا الذين يُـسمَح لهم اليوم بالاستمتاع بثرواتهم في سلام (أو ربما يندبون حظهم الآن بعد خسارة ثرواتهم بفعل الأزمة المالية)، كوَّن خودوركوفسكي ثروته بطرق غامضة أثناء الأعوام الأولى لعصر ما بعد الاتحاد السوفييتي. ولكنه بدلاً من شراء القصور واليخوت أو نوادي كرة القدم في الخارج، قرر استثمار ثروته في روسيا.

وبطبيعة الحال، كان خودوركوفسكي يسعى في الأساس إلى تعبئه جيوبه ـ ولا شك أن نشاطاته الاجتماعية والسياسية لم تكن مكرسة بالكامل لعمل الخير. ولكن ما جعل منه عدو الشعب الأول في نظر بوتن هو أنه كان راغباً في تحريك روسيا نحو مسار سياسي كان يعتبره إيجابياً ومرغوباً. إن طموحه إلى تطبيق إصلاحات اجتماعية وسياسية بعيدة الأثر في البلاد كان هو السبب الحقيقي وراء سقوطه ثم هذه المحاكمة الجديدة الآن والتي يبدو أن المقصود منها إسكاته إلى الأبد.

سوف يكون الحكم على رئاسة ميدفيديف مستنداً إلى تحركه فيما يتصل بهذه القضية. فهل يتسامح مع مشاعر المق�� والثأر الشخصية لدى رئيس وزرائه بوتن ، أم أنه سوف يكون على استعداد لوضع حد لهذا المشهد المشين الجاري للعملية القضائية التي استُـغِلَّت وانتهكت من بدايتها إلى نهايتها؟ الحقيقة أن قِلة من الناس يتوقعون السيناريو الأخير، ولكن روسيا كانت دوماً بلداً حيث الأمل هو آخر الموتى.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured