Monday, October 20, 2014
0

ثقافة الازدراء في روسيا

مرة أخرى يتمنى الجميع لو يعرفون إلى أين تتجه روسيا. فقد كانت محاكمة ميخائيل خودوركوفسكي واحتمال إفلاس شركته " يوكوز "، أكبر شركات روسيا، من أسباب التحريض على إطلاق الصرخات التحذيرية التي تقول إن الرئيس بوتن يعيد الدولة إلى أيام الدكتاتورية الكريهة. ولكن حين نتصدى لتقييم الاتجاه الذي تسلكه روسيا، فلن يفيدنا التحليل السياسي ولا التحليل الاقتصادي كثيراً. فإن الثقافة الاجتماعية لروسيا هي التي على ضوئها يتحدد مصير البلاد.

إن النظام السياسي في روسيا ليس هو في الحقيقة ما يمنع البلاد من التقدم نحو الأمام، ولم يكن سبباً في هذا من قبل قط. فسواء كانت روسيا تعيش في ظل حكومة ملكية، أو شيوعية، أو حكومة تطبق اقتصاد سوق رعاة البقر كحكومة يلتسين ، أو حكومة تطبق دكتاتورية القانون المزعومة كحكومة بوتن ، فلسوف تظل النتيجة واحدة في كل الأحوال ـ فالنظام يحتقر المواطنين، ويقابل هذا الاحتقار رد فعل معاكس ومساو له في المقدار، ألا وهو الاستهزاء وانعدام الثقة من جانب الشعب.

والرأسمالية الروسية تكره المستهلك بقدر ما كانت الشيوعية الروسية تكرهه. ولسوف نجد أن أفراد الشعب الروسي، سواء منهم الذين يخدمون أو من ينتظرون تلقي الخدمة، على اقتناع بأنهم سيتعرضون للنهب والمعاملة الفظة، وعلى هذا فإنهم يسلحون أنفسهم بدرع من عدم المبالاة.

لا نستطيع أن نوجه اللوم سواء للنظام أو للشعب عن الحالة التي أصبحت عليها العلاقة بين الطرفين. فقد نشأ هذا الوضع جزئياً من كون الثقافة الروسية ثقافة محاكاة. فقد كان أول حكام روسيا أمراء من الشمال وجِهَت إليهم الدعوة في عام 860 ميلادية لإقرار النظام في البلاد ـ حتى آنذاك، أو هكذا يبدو، كان أهل روسيا لا يأتمنون أنفسهم على حكم أنفسهم بكفاءة.

في بعض الأحيان كانت المحاكاة الروسية تنتج أعمالاً تتميز بالعبقرية. فعلى سبيل المثال، نشأ بوشكين و جوجول في الأساس عن نماذج ألمانية وفرنسية، على الرغم من أن إبداعاتهما كانت بعيدة تماماً عن المحاكاة. لكن روسيا ببساطة ليست بارعة في محاكاة الأمور العملية مثل القوانين والنماذج الاقتصادية كبراعتها في تحويل الاتجاهات الثقافية إلى أعمال فنية تَغْلب عليها الروح الروسية. أما محاولات روسيا للاقتباس في المجالات العملية فإنها تولد ميتة لا محالة، والسبب الأعظم وراء هذا هو ثقافة الازدراء المتأصلة في الدولة.

ولنتأمل مدينة موسكو، وهي من أكثر المدن براعة في فن التقليد (مع أننا لن نجد في نطاق سانت بطرسبرج، تلك المدينة ذات الطابع الباروكي الإيطالي والواقعة على نهر نيفا ، مثل هذه المحاكاة الحضرية). تتزين مدينة موسكو في هذه الأيام بكل الـحُلي والزخارف ذات الطابع الرأسمالي: محلات " برادا " و" فوشون "، وسيارات الرولز رويس . ومقهى الفنانين هناك لا يقل روعة عن أفضل الحانات الفرنسية. ولكن شيئاً ما مفقود في الأسلوب الروسي المعتاد ـ ألا وهو الأدوات اللائقة. فلو سألت النادل أن يحضر لك سكيناً لتقطيع شرائح اللحم، فسترى على وجه تعبيراً ينم عن الذهول، وكأنك طلبت منه سيفاً.

وفي بعض المطاعم سنجد حارساً يرحب بزبائنها فيسألهم بطريقة فظة جافة عما يريدون، وكأنهم أتوا لشراء طوابع بريدية، وليس لتناول العشاء. بطبيعة الحال، يدرك الحراس أن مهمتهم تتلخص في توفير الأمن والراحة للجميع، لكن الفكرة العامة حول ما هو مطلوب من الحارس، والمستقاة من معسكرات العمل السوفييتية القديمة، قد عفا عليها الدهر ولابد من التخلص منها. فقد كانت مهمتهم تتلخص في الوقوف " ضد " شيء ما، وهذه المرة فإن هؤلاء الـ" ضد " هم الزبائن.

إن مجرد تواجد أشخاص آخرين يؤدي إلى تَوَلد الشك في عقول الحرس الروسيين، ومن يستطيع أن يجزم بأنهم على خطأ تام في هذا؟ فمن المعروف أن تنفيذ عقود القتل وإطلاق النار العشوائي من الأمور الشائعة في المطاعم، وترجع فكرة الإفراط في الحماية من الجميع إلى أيام الحكم السوفييتي، حين كان الاحتقار الاجتماعي يتخفى تحت عباءة السلامة العامة.

لا ينبغي أن نندهش كثيراً إذاً حين نعلم أن الروسيين يتخطون دوماً النواصي ويقفزون من فوق الأسوار، ولا يتبعون أبداً المسالك المخصصة للمشاة ـ فإن هذه المسالك لم تُـنْشأ لتيسير الحياة على الناس، ولكن للسيطرة عليهم. وفي الحقيقة، فإن الأسوار والحواجز في روسيا عادة ما تُـبْنى حيث ينبغي أن يكون هناك ممر مشاة.

ولكن ربما كان هناك ما يبرر رغبة السلطات في إبقائنا في صفوف منتظمة. وكل من سافر إلى روسيا بالطائرة فلسوف يتذكر هذا المشهد: فبمجرد أن يطلب قائد الطائرة من الركاب أن يظلوا في مقاعدهم إلى أن تتوقف الطائرة تماماً، ينهض كل الركاب الروس مباشرة ليحتشدوا في الممرات وكأنها الفرصة الأخيرة للخروج. فهم يدركون في أعماقهم أن النظام يتربص بهم، حتى لو كان ذلك النظام متمثلاً في طائرة تجارية من دولة أجنبية.

إن أبسط الأمور قد تصبح معقدة، وقد تصل إلى مرحلة الدمار بسبب ثقافة الريبة والازدراء. ذات يوم خرجت لتناول الغداء في مطعم على النمط السويدي في موسكو. ولقد كان اختيار الأطعمة رائعاً، يشبه الكاشا الروسية: السوشي، والسلطة، وحساء الشمندر، واللحم، والكرنب. لكن الزبائن لم يتلقوا سوى أطباق صغيرة من هذه الوليمة، فقد تجاهل المسئولون عن المطعم مبدأ المائدة المفتوحة ـ كل ما تستطيع أن تتناول من طعام فهو لك. فكان من حق العميل إن يستخدم المائدة مرة واحدة فقط.

وفي مثل هذه الظروف يحاول الزبائن الذين يعرفون ما هي المائدة المفتوحة أن يضعوا على الصحن الصغير أكبر قدر ممكن من الطعام. وإذا تجرأ أحدهم فطلب صحناً أكبر أو مساعدة إضافية، فإنه يتلقى تلك النظرة السوفييتية المهلكة من النادلة، والتي تعني أنه يطالب بأكثر مما ينبغي. لقد افترضت الاشتراكية السوفييتية أن مواطنيها لا يستحقون أي شكل من أشكال الخدمة؛ والرأسمالية الروسية الآن تتشكك في قدرة المواطن على التحكم في شهيته، فتبادر إلى التحكم فيها نيابة عنه. وفي النهاية، فالفرق بين الحالتين ضئيل.

وهكذا تستمر روسيا على نفس المسار، فتتعهد بإحداث تغييرات ثورية لكنها لا تتغير على الإطلاق. لقد أصبح التشكك العُضال، والخوف المتبادل، والازدراء المتفشي، من المظاهر الاجتماعية غير القابلة للتغيير في مجتمعنا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured