Thursday, April 17, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

رومان بولانسكي والحلم الأميركي

نيويورك ـ تُرى ما الغرض الذي تخدمه سويسرا بزج مخرج الأفلام الفرنسي البولندي الشهير رومان بولانسكي في السجن استناداً إلى إذن اعتقال يرجع إلى ثلاثين عاماً مضت؟ كان بولانسكي قد اعتقل في عام 1977 لاتهامه باغتصاب فتاة يبلغ عمرها ثلاثة عشر عاماً في لوس انجليس، ثم أقر بولانسكي بالذنب بارتكاب الجريمة الأقل خطورة، وهي ممارسة علاقة جنسية غير مشروعة مع قاصر. وانطلاقاً من اعتقاده بأن قاضيه، الراحل لورانس جيه. ريتينباند ، قد يتراجع عن وعده بإطلاق سراحه بعد احتجازه بأحد سجون كاليفورنيا لمدة 42 يوماً، قرر المخرج الفرار من الولايات المتحدة في عام 1978 قبل الإعلان عن الحكم النهائي في قضيته.

ومنذ ذلك الحين، صرحت ضحية بولانسكي سامانثا جايمر علناً بأنها قد عفت عنه، وأعربت عن رغبتها في إسقاط الاتهامات الموجهة إليه. لذا فإن الأسباب التي قد تدعو إلى متابعة هذه القضية الآن من المستبعد تماماً أن تكون متعلقة بحقوق أو مشاعر الضحية. وليس من المحتمل أن يعود بولانسكي ، وقد أصبح الآن زوجاً ووالداً لطفلين فضلاً عن خلو سجله من أي جريمة أخرى، إلى ارتكاب مثل هذه الجريمة.

هذا يعني أن إجباره على العودة إلى لوس انجليس لاستئناف محاكمته لن يخدم صالح المجتمع. والحس السليم لن يترك لنا أي استنتاج آخر غير أن إلقاء القبض عليه ـ في بلد ملتزم بمعاهدة لتسليم المتهمين الفارين من العدالة في الولايات المتحدة ـ لن يخدم أي غرض على الإطلاق.

ولكن ردود الأفعال إزاء محنته المحزنة، وخاصة في فرنسا، كانت حادة إلى درجة غريبة. فقد اعتبر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير اعتقال بولانسكي "تصرفاً شريرا". وتحدث فريدريك ميتران وزير الثقافة الفرنسي عن "أميركا المخيفة التي أظهرت وجهها الحقيقي للتو". وقال وزير الثقافة السابق جاك لانج إن نظام العدالة الأميركي اعتراه الفساد. وأضاف واصفاً ذلك النظام بأنه "آلة جهنمية عمياء".

سواء كانت جهنمية أو لم تكن فقد يجادل المرء بأن العدالة من المفترض أن تكون عمياء، بمعنى أن لا أحد ـ ولا حتى أعظم المخرجين ـ فوق القانون أو يحق له الإفلات منه. ولكن هذا هو على وجه التحديد ما يزعمه العديد من الناس، بما في ذلك بعض زملائه في عالم السينما ـ على سبيل المثال بيدرو المودوفار ، و فيم فيندرس ، و إيتوري سكولا . فهم يعتقدون أنه من غير المقبول أن يعتقل فنان له مكانة بولانسكي بسبب ما ارتكبه.

بولانسكي مواطن فرنسي، وقد تكون فرنسا أكثر تسامحاً مع فنانيها العظماء مقارنة بالولايات المتحدة. في عام 1943، وبعد حياة من الجرائم الثانوية، واجه الكاتب جين جينيت حكماً آخر بالسجن بتهمة السرقة. وآنذاك أعلن جين كوكتو أن جينيت كان عبقرية أدبية. ووجدت المحكمة الفرنسية صعوبة في إصدار حكم قاسٍ على أحد سادة الأدب فخففت الحكم الصادر ضده.

إن السماح لمشاهير الفنانين بالإفلات من العقاب رغم سلوكهم الذي قد لا يكون محل تسامح إذا ما ارتكبه غيرهم من الناس الأقل منهم شهرة وحظاً هو بمثابة جزية تدفعها فرنسا للمواهب المتفوقة. (لابد أنكم تتذكرون أوسكار وايلد ، الذي وجد ملاذاً في باريس، مثل بولانسكي ).

ربما يدل هذا على أن فرنسا أكثر تحضراً من الولايات المتحدة. ولكن الأميركيين، والبريطانيين إلى درجة ما، يدفعون جزية من نوع مختلف لمشاهير الفنانين. فإذا ما ضبطوا وهم يسيئون السلوك، فإنهم كثيراً ما يلقوا معاملة قاسية بصورة خاصة من قِـبَل المحاكم ووسائل الإعلام الشعبية. وهذا يُـعَد شكلاً من أشكال الشعوبية: فهو يبين لنا أنه حتى أكثر الناس شهرة ليسوا أفضل منا ـ وهذا يزيد من أرقام توزيع الصحف بطبيعة الحال (أو في أيامنا هذه، يزيد من حركة المرور على شبكة الإنترنت).

من بين الأمثلة البغيضة بشكل خاص كانت حالة فاتي أرباكل ، وكان ممثلاً هزلياً عظيماً في عصر السينما الصامتة في هوليود. وحين ادعت فتاة أنه اغتصبها أثناء حفل أقامه في عام 1921، ثم توفيت بعد بضعة أيام، أدانت الصحافة أرباكل ، وحكم عليه بالسجن بتهمة الاغتصاب والقتل مرتين. ولم يثبت إلا بعد محاكمته الثالثة أنه كان بريئاً. كانت الفتاة مشهورة بالابتزاز، ولقد ماتت لأسباب لا تتعلق بحياتها الجنسية. ولكن مستقبل أرباكل المهني حكم عليه بالخراب، وراح ضحية لمدعٍ عام طموح وصحافة شعبية تصنع المال من الفضائح.

لم يكن بولانسكي بريئاً، ولكن هو أيضاً ربما وقع ضحية لنفس التركيبة التي تتألف من قاضٍ راغب في إسقاط رجل شهير ووسائل إعلام محرومة من المشاعر. وقد لا تكون الولايات المتحدة متحضرة بقدر تحضر فرنسا، ولكنها أكثر ديمقراطية. وفي حين أن المساواة في المعاملة في ظل القانون تشكل بوضوح واحدة من سمات الديمقراطية الجديرة بالثناء ، إلا أن حماس المسؤولين المنتخبين، ووسائل الإعلام الشعبية التي تعمل على استرضاء الرأي العام الشعبي في معاملتها للفنانين الموهوبين، لمن الأوجه القبيحة للديمقراطية.

لقد نجح المراقب الفرنسي العظيم للديمقراطية الأميركية، أليكسيس دو توكفيل ، في رصد هذا الوجه من أوجه الديمقراطية الأميركية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر حين قال: "ليس الأمر أن الأميركيين مفتونون بالمساواة إلى الحد الذي قد يجعلهم يفضلون المساواة في العبودية على التفرقة في المعاملة في ظل الحرية. بل إن الديمقراطية على النمط الأميركي عبارة عن قدرة فنية متواضعة إلى جانب امتثال عام".

هذا أيضاً كان من قبيل المبالغة، ولكن توكفيل كان مصيباً بعض الشيء. فإذا كان الاهتمام المبالغ فيه بالفنانين العظماء يشكل علامة لمجتمع لم يتمكن من الإفلات تماماً من جذوره الأرستقراطية، فإن المبالغة في عدم الاهتمام بهم تشكل علامة على التشبث الضيق الأفق بالمادية.

ماذا يتعين على بولانسكي أن يفعل إذن؟ في عالم مثالي كان ليوافق على العودة إلى لوس أنجليس ومواجهة القضاة، والتمسك بالأمل في إسقاط التهم. وهذه ليست بالنتيجة المستبعدة. فالأميركيون من الممكن أن يتحلوا بالكرم والسخاء. وآنذاك فقد يحصل على حريته ويذهب إلى أي مكان يشاء في السنوات المتبقية من حياته.

ولكن من المؤسف أن العالم ليس مثالياً، وقد يجد بولانسكي أن خطر الاعتقال في أحد السجون بالولايات المتحدة ضخم للغاية. وإذا قرر مقاومة مثوله أمام المحكمة، مثله في ذلك كمثل أي مذنب فإن ذلك سوف يكون مفهوماً. إما إذا كان ذلك مدعاة للإعجاب فهي مسألة أخرى.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured