Thursday, November 27, 2014
12

عكس مسار إعادة التأميم في أوروبا

برلين ــ بدلاً من التراجع، اتخذت أزمة اليورو منعطفاً نحو الأسوأ في الأشهر الأخيرة. فقد نجح البنك المركزي الأوروبي في تخفيف أزمة الائتمان الناشئة من خلال عملية إعادة الشراء الطويلة الأجل، والتي قدمت أكثر من تريليون يورو لبنوك منطقة اليورو بفائدة 1%. وكان هذا سبباً في جلب قدر كبير من الارتياح إلى الأسواق المالية، وعمل الحشد الناتج عن هذا على حجب التدهور الكامن؛ ولكن من غير المرجح أن يدوم هذا لفترة أطول.

ولم تُحَل المشاكل الجوهرية؛ بل إن الفجوة بين الدول الدائنة والدول المدينة تستمر في الاتساع. فقد دخلت الأزمة ما قد يكون مرحلة أقل تقلباً ولكنها مرحلة أشد فتكا.

ففي بداية الأزمة، كان تفكك منطقة اليورو أمراً لا يمكن تصوره: ذلك أن الأصول والالتزامات المقيمة بالعملة المشتركة متداخلة إلى الحد الذي يجعل من التفكك سبباً في انهيار لا يمكن السيطرة عليه. ولكن الأزمة تفاقمت، فقد أعيد توجيه النظام المالي في منطقة اليورو تدريجياً وفقاً للخطوط الوطنية.

ولقد اكتسب هذا الاتجاه زخماً قوياً في الأشهر الأخيرة. فقد تمكنت البنوك الأسبانية والإيطالية بفضل عملية إعادة الشراء الطويلة الأجل من المشاركة في عمليات مراجحة مربحة للغاية ومنخفضة المخاطر في سندات بلدانها. ومن شأن المعاملة التفضيلية التي تلقاها البنك المركزي الأوروبي فيما يتصل بسنداته اليونانية أن تثني مستثمرين آخرين عن الاحتفاظ بديون سيادية. وإذا استمر هذا لبضع سنوات أخرى، فإن تفكك منطقة اليورو سوف يصبح ممكناً من دون انهيار، ولكنه يترك البنوك المركزية التابعة للدول الدائنة وهي تحمل كميات ضخمة من المطالبات التي يصعب فرضها ضد البنوك المركزية التابعة للدول المدينة.

وقد انتبه البنك المركزي الألماني إلى هذا الخطر. وهو الآن يشارك في حملة ضد التوسع غير المحدود للمعروض من المال، كما بدأ في اتخاذ التدابير اللازمة للحد من الخسائر التي قد يتكبدها في حالة التفكك. وهذا في حد ذاته يشكل نبوءة ذاتية التحقق: فبمجرد أن يبدأ البنك المركزي الألماني في التحوط ضد تفكك منطقة اليورو، يصبح لزاماً على الجميع أن يحذوا حذوه. ولقد بدأت الأسواق في إظهار هذا الاتجاه.

كما يعمل البنك المركزي الألماني على تشديد القيود على الائتمان في الداخل. وقد تكون هذه سياسة سليمة إذا كانت ألمانيا دولة قائمة بذاتها، ولكن الدول الأعضاء المثقلة بالديون في منطقة اليورو تحتاج شدة إلى زيادة الطلب من ألمانيا لتجنب الركود. وفي غياب هذا فإن "الاتفاق المالي" الذي أقرته منطقة اليورو في ديسمبر/كانون الأول الماضي، من غير الممكن أن ينجح. ذلك أن الدول المثقلة بالديون إما أن تفشل في تنفيذ التدابير الضرورية، وإما أن تفشل في تلبية الأهداف المطلوبة حتى بعد تنفيذ التدابير الضرورية، مع دفع النمو المنهار عائدات الموازنة إلى الانخفاض. وفي كل الأحوال سوف ترتفع نسب الديون، وسوف تتسع الفجوة في القدرة التنافسية مع ألمانيا.

وسواء تمكن اليورو من البقاء أو لم يتمكن، فإن أوروبا تواجه فترة طويلة من الركود الاقتصادي أو ما هو أسوأ. ولقد مرت دول أخرى بتجارب مماثلة. فقد عانت دول أميركا اللاتينية عقداً ضائعاً بعد عام 1982، كما عانت اليابان من الركود طيلة ربع قرن من الزمان؛ ولكن في كل الأحوال تمكنت هذه الدول من البقاء. ولكن الاتحاد الأوروبي ليس دولة، ومن غير المرجح أن يتمكن من البقاء. كما يهدد فخ الديون الانكماشية بتدمير اتحاد سياسي غير مكتمل.

إن الوسيلة الوحيدة للإفلات من هذا الفخ تتلخص في إدراك حقيقة مفادها أن السياسات الحالية هدّامة ثم تحويل المسار. ولا أستطيع أن أقترح خطة جاهزة، ولكن تبرز هنا ثلاث ملاحظات. الأولى أن القواعد الحاكمة لمنطقة اليورو فشلت وتحتاج إلى مراجعة جذرية. والدفاع عن الوضع الراهن المختل لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأمور سوءا. والثانية أن الموقف الحالي شاذ إلى حد كبير، والأمر يحتاج إلى تدابير استثنائية لاستعادة الحالة الطبيعية. وأخيرا، لابد أن تسمح القواعد الجديدة للأسواق المالية بالعمل وفقاً لطبيعتها المتقلبة المتأصلة.

ولكي نكون واقعيين، فإن الاتفاق المالي الحالي الذي يحكم منطقة اليورو لابد أن يؤخذ كنقطة انطلاق. لا شك أن بعض العيوب الظاهرة بالفعل سوف تحتاج إلى التعديل. وبشكل خاص، ينبغي للاتفاق أن يأخذ في الاعتبار الديون التجارية فضلاً عن المالية، ويتعين على الموازنات الحكومية أن تميز بين الاستثمارات ذات العوائد وبين الإنفاق الحالي. ولكي نتجنب الغش فإن ما يصلح كاستثمار لابد أن يحصل على الموافقة من قِبَل السلطات الأوروبية. وهنا يصبح بوسع بنك الاستثمار الأوروبي الموسع المشاركة في تمويل الاستثمارات.

الأمر الأكثر أهمية هنا هو ضرورة ابتكار بعض التدابير الاستثنائية لإعادة الظروف إلى حالتها الطبيعية. ويلزم الميثاق المالي للاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء سنوياً بخفض ديونها العامة بمقدار واحد على عشرين من المبلغ الذي تتجاوز به 60% من الناتج المحلي الإجمالي. وأنا أقترح أن تعمل الدول الأعضاء مجتمعة على مكافأة السلوك الطيب بقبول هذا الالتزام.

وقد نقلت الدول الأعضاء حقوق الصك إلى البنك المركزي الأوروبي، الذي يكسب حالياً نحو 25 مليار يورو (32,7 مليار دولار) سنويا. ولقد تم تقدير حقوق الصك بواسطة ويليام بيوتر من سيتي بانك وهيو بل من جولدمان ساكس، وكل منهما يعمل مستقلا، بنحو 2 إلى 3 تريليون يورو، لأنها سوف تعود بما هو أكثر من هذا مع نمو الاقتصاد وعودة أسعار الفائدة إلى طبيعتها. وبوسع أداة ذات غرض خاص تملك حقوق الصك أن تستخدم البنك المركزي الأوروبي لتمويل تكاليف الحصول على السندات من دون مخالفة المادة 123 من معاهدة لشبونة.

إذا خالفت أي دولة الاتفاق المالي، فإنها بهذا تفقد كلياً أو جزئياً مكافأتها وتُلزَم بسداد الفوائد على الديون المستحقة للأداة ذات الغرض الخاص. وهذا من شأنه أن يفرض ضوابط مالية صارمة حقا.

بمكافأة السلوك الطيب، فإن الاتفاق المالي لن يشكل بعد ذلك فخاً للديون الانكماشية، وسوف تتحسن التوقعات بشكل جذري. فضلاً عن ذلك، ولتضييق فجوة القدرة التنافسية فإن كافة الدول الأعضاء لابد وأن تكون قادرة على إعادة تمويل ديونها القائمة بنفس سعر الفائدة. ولكن هذا يتطلب قدراً أعظم من التكامل المالي، لذا فلابد من تطبيقه على مراحل.

لن يقبل البنك المركزي الألماني هذه المقترحات أبدا، ولكن السلطات الأوروبية لابد وأن تفكر فيها بجدية. إن مستقبل أوروبا قضية سياسية في الأساس، وبالتالي فإن اتخاذ القرار يقع خارج اختصاص البنك المركزي الألماني.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (12)

    Please login or register to post a comment

    1. CommentedFrank O'Callaghan

      Soros has to be given credit for this. He has vast experience with an acute intelligence. But his most valuable characteristic is his resistance to 'group think'.
      The Euro area problem can be interpreted as dog-wagging-tail or as tail-wagging-dog. A currency union with insufficient political and social integration or a loose federation with an inflexible currency union. Something has to give and opportunists will bet on this. They have.
      I do not question Soros' integrity, his ability, his intellect, his originality, his good intentions or his character. He has interests that cannot be obscured. Does this colour his views? In fact I doubt that he is doing anything other than expressing his views. But I do not know if hedge fund management is closer to chess or poker.
      What is the way out of the Euro mess? A looser currency union with two or three or more 'Euro' s? Or a closer political union?
      Take your time to think about this. But do not forget we are dealing with Germany. And France. And Italy. And Spain. Each one of these has tried for not just European domination at least once but the world.
      We are heading for 'integration'.
      It used to be termed "Empire".

    2. CommentedH Gerken

      "In order to avoid cheating, what qualifies as investment should be subject to approval by a European authority." -- Ha ha, you have no idea how the EU process works. Greece won't get carrot without stick.

    3. CommentedH Gerken

      Why take a nation serious where the electorate votes trash parties, where their government fakes their balance sheets with Goldman Sachs. Greece has a reputation crisis and austerity is the only way out. They are the victims of their own political leadership and have to suffer the consequences. You can't blame any other creditor nation. Agreed rules have to apply or the deal is bust. Now the EU treaty is already broken. this means we are in the state of exeption.

    4. Commentedpeter fairley

      Many market participants feel threatened by Greeks voting for a suicidal party who would leave the Euro this day of 5/28/12?
      Other market participants may feel like me: More mildly threatened by Europe very busy in complexity & democracy but essentially trying to play the same dysfunctional games, leading to continued weakness, recessions and alarm for increasing EU loan extensions to poor credit countries headed for bankruptcy, such that eventually a STRONG COUNTRY LEAVES THE EURO. The stronger countries can leave the euro with a sense of damage, but hopeful that they are cutting losses; certainly they will not feel suicidal or 'playing chicken'. One of the smaller strong countries without as much Club Med bank exposure as France would be a likely candidate.
      The size of the first strong country leaving is an issue, and the rate of political contagion it inspires for other strong countries to leave the euro is an issue.

    5. CommentedMarco Saba

      "A Special Purpose Vehicle (SPV) owning the rights could use the ECB to finance the cost of acquiring the bonds without violating Article 123 of the Lisbon Treaty." I suggested a similar operation in my 2010 article here: http://leconomistamascherato.blogspot.it/2010/06/salvare-leuro-e-la-bce-zeitnot-o.html
      But seigniorage rights have to be credited directly to the sovereign (the state or the citizenry as a basic income) as a compensation for the forfeited rights on all banking monetary rents arising from creating money out of thin air and interests. This was suggested to me by Gennaro Di Stasi, an old time companion in monetary fights. Obviously Mr Soros stand by the rentiers worldwide hoping that the sovereign issue on money rent never surfaces up.

    6. Commentedcaptainjohann Samuhanand

      The crux of the matter is " Germans must work and save and sacrifice" while the rest of Europe will spend,splash and enjoy.Now with Germans themselves opposing this, I feel break of EURO will show to the rest Germans are not NAZIs as some Spanish,Italian news papers have shown but are "hard workers". Germany must call the bluff of laggards.

    7. CommentedJohn Doe

      I think it important to ask, why Mr. Soros "cannot propose a cut-and-dried plan?"

      It is because it is very hard to admit that somethings, like currency unions (and currency pegs) cannot be done. The United States learned that lesson with Prohibition, albeit we are too stupid to remember it.

      It is time to make lemonade out of a lemon. End the Euro and accept the pain. Use the pain to create a political union.

      The United States did this after the Revolution. We had the Articles of Incorporation and the separate states, huge debt, and a severe Depression.

      Hamilton, Franklin, and Washington formed the United States and paid the debt.

      Europe's problems are political, not economic. Until that reality is accepted, there will be no solution

        CommentedOliver R

        I would argue that if the Eurozone was to take lessons from the USA after its civil war between 1861 and 1865, it would be that greater integration is the answer to problems between the northern and southern members of the currency union. The reason the USA was able to achieve rapid economic growth in what became known as the "gilded age" and transform itself into the worlds leading economic power was through greater cooperation and sharing the pain of reconstruction, rather than the wealthy northern US states hanging the sinful southerners out to dry, which seems to be what we are seeing in Europe today.

        If only Germany could see the error of its ways in trying to enforce budgetary discipline with such an iron fist, and instead promoted greater investment in countries such as Greece and Spain, then Europe may not be careering towards the messy breakup which Mr Soros predicts.

    8. CommentedProcyon Mukherjee

      The reversal in some ways is asking the lender to force the borrower into a profligacy of fiscal austerity, something that would further demean the legitimacy of the compact that the EU is drawn into as aggregate demand has moved to a grinding halt and supply is high-cost. The suggestions make the lender win at the cost of the borrower, something like the cure at the cost of the patient’s life.
      U.S. has been able to deal with the same problems without it being front page news, while the minuscule Greek debt problem makes the headlines. If one accounts for the debt situation of the state of California, the combined debt of Greece and Portugal would be put to shame. This is also part of the problem that bond markets force nations to comprehend; it only shows the power of the bond market intermediaries.

      Procyon Mukherjee

    9. CommentedStephen Pain

      It seems the idea of "good behaviour" is highly questionable - often what is deemed "good behaviour" is in accordance with those who are in a more powerful position. So for example the financial policies of Greece which were for the benefit of a people who had long been economically disenfranchised through successive military regimes - is viewed as "bad behaviour" because it resulted in a massive debt - a debt incurred through the bond market - a market that has an unparalleled influence over policy and lives. Now that Greece and other countries which exploited the same financial means as the US and the UK are forced into becoming dependents and second class members of the EU. However, if we wish to fault and moralize regarding sovereign decisions and activities in countries, might I suggest we focus on the US which has an unprecedented debt - one that cannot be paid back (unlike the Greek debt that is so tiny in comparison ) whose laissez faire attitude to the subprime fiasco which was motored solely by recklessness and greed which in turn precipitated the recession worldwide. Here we see time and time again "bad behaviour". One that has contributed to an unhealthy balance of payments. Such profligate behaviour on the back of a debt of 50- 200 trillion dollar debt is unconscionable. Yet, the US enjoys the right to castigate and pronounce upon the financial behaviour of countries that had only the well-being of its people at heart. The melt-down which is forecast for the EU is a fiction. Place all the debt on the table and the US is beholden to the EU and China. The bond trading and the credit rating agencies have acted in self interest, earning commission and wealth for those mainly domiciled in the US - that was the criticism of the former Italian prime minister, and out of all the things he had said, it was probably the only truth. We have seen a US bond trader literally dictate to Angela Merkel the terms for continuance of buying EU bonds. Suppose we were to turn round and ask the US to pay its debts? Would it or could it? Oh no. It will print more dollars. Moreover as a role model the US has driven many economies into a ridiculous service to industry ratio that has led to greater trade imbalances. Here I can see that the Greek economy could with much less effort than the US improve the ratio by expanding its agriculture sector as a transition to improving its industrial output. It can be achieved. But the problem is that the bond traders will peck away at any efforts - and refuse Greece the right to become financially independent. With regard to Germany an export led economy with prudent fiscal policies, to be lauded, there is a danger that it could use its power to influence - in the sense that the lender to borrower relationship which should be grounded in a fiduciary relationship in which the lender concerns itself with the interest of the borrower... is absent.

    10. CommentedPaul A. Myers

      Let's discuss points in order and make some implementing suggestions. Whining without a stick gets you no where.

      1. The rules failed because there was no market feedback into national economic policy making. Almost all governments will excessively borrow if allowed to. The rules need to be changed, radically or otherwise, to send economic market signals back into national political institutions.

      2. The current status quo is unworkable primarily because it is excessively rigid.

      3. The way for new rules to deal with inherent financial market instability is to make them flexible so that there is continuous adjustment of key variables. And probably some big shock absorbers.

      4. An enlarged centrally financed development bank must respond to market signals and match central funds with local government funds.

      5. If you are going to have a centralized bond issuing institution, it must be matched with a centralized revenue raising function.

      6. More voter participation in selecting political leadership at the top of the European Union. Otherwise you're going to have some sort of Paris-Berlin political duopoly with lots of jostling and not much progress.

    11. CommentedZsolt Hermann

      What seems to be clear from this overview article is that there is no financial solution for the Eurocrisis.
      So far whatever they tried made things worse, and mostly all they did was to print virtual money and cover the gaping holes, but the rotten structure continued to rot.
      Mr. Soros's 3 observations do not give us much to grab hold of.
      From the title of the article I expected a deeper meaning for "remationalization", but it remained on the superficial financial, banking level.
      But in truth the only true solution is stopping "renationalization", and continuing, or finishing the building of a totally integrated supra-national structure for Europe.
      Only a fully integrated structure can sustain economical, financial unity, economics are simply the external expression of the deeper human relationships.
      The just question is why should the Europeans choose total integration, losing some of their individualism instead of breaking up and remain as separate countries as it happened before the European Union?
      Because we live in a different world today. Not only Europe, but the whole world has evolved into this global, integral network, where we overlap on multiple levels, and we depend on each other even for our necessities.
      Today no individual or nation can sustain itself alone, or through small scale associations.
      Due to this interdependent and interconnected structure any attempt of a breakup would make people's lives even more miserable, allowing far right or far left populists to gain control, leading us to very unpredictable scenarios.
      The key is the understanding the nature of our integral system and the natural laws governing it.
      After the understanding of the system we could easily work out the actual structures we need to build based on human ingenuity and adaptability.

    Featured