12

عكس مسار إعادة التأميم في أوروبا

برلين ــ بدلاً من التراجع، اتخذت أزمة اليورو منعطفاً نحو الأسوأ في الأشهر الأخيرة. فقد نجح البنك المركزي الأوروبي في تخفيف أزمة الائتمان الناشئة من خلال عملية إعادة الشراء الطويلة الأجل، والتي قدمت أكثر من تريليون يورو لبنوك منطقة اليورو بفائدة 1%. وكان هذا سبباً في جلب قدر كبير من الارتياح إلى الأسواق المالية، وعمل الحشد الناتج عن هذا على حجب التدهور الكامن؛ ولكن من غير المرجح أن يدوم هذا لفترة أطول.

ولم تُحَل المشاكل الجوهرية؛ بل إن الفجوة بين الدول الدائنة والدول المدينة تستمر في الاتساع. فقد دخلت الأزمة ما قد يكون مرحلة أقل تقلباً ولكنها مرحلة أشد فتكا.

ففي بداية الأزمة، كان تفكك منطقة اليورو أمراً لا يمكن تصوره: ذلك أن الأصول والالتزامات المقيمة بالعملة المشتركة متداخلة إلى الحد الذي يجعل من التفكك سبباً في انهيار لا يمكن السيطرة عليه. ولكن الأزمة تفاقمت، فقد أعيد توجيه النظام المالي في منطقة اليورو تدريجياً وفقاً للخطوط الوطنية.

ولقد اكتسب هذا الاتجاه زخماً قوياً في الأشهر الأخيرة. فقد تمكنت البنوك الأسبانية والإيطالية بفضل عملية إعادة الشراء الطويلة الأجل من المشاركة في عمليات مراجحة مربحة للغاية ومنخفضة المخاطر في سندات بلدانها. ومن شأن المعاملة التفضيلية التي تلقاها البنك المركزي الأوروبي فيما يتصل بسنداته اليونانية أن تثني مستثمرين آخرين عن الاحتفاظ بديون سيادية. وإذا استمر هذا لبضع سنوات أخرى، فإن تفكك منطقة اليورو سوف يصبح ممكناً من دون انهيار، ولكنه يترك البنوك المركزية التابعة للدول الدائنة وهي تحمل كميات ضخمة من المطالبات التي يصعب فرضها ضد البنوك المركزية التابعة للدول المدينة.

وقد انتبه البنك المركزي الألماني إلى هذا الخطر. وهو الآن يشارك في حملة ضد التوسع غير المحدود للمعروض من المال، كما بدأ في اتخاذ التدابير اللازمة للحد من الخسائر التي قد يتكبدها في حالة التفكك. وهذا في حد ذاته يشكل نبوءة ذاتية التحقق: فبمجرد أن يبدأ البنك المركزي الألماني في التحوط ضد تفكك منطقة اليورو، يصبح لزاماً على الجميع أن يحذوا حذوه. ولقد بدأت الأسواق في إظهار هذا الاتجاه.

كما يعمل البنك المركزي الألماني على تشديد القيود على الائتمان في الداخل. وقد تكون هذه سياسة سليمة إذا كانت ألمانيا دولة قائمة بذاتها، ولكن الدول الأعضاء المثقلة بالديون في منطقة اليورو تحتاج شدة إلى زيادة الطلب من ألمانيا لتجنب الركود. وفي غياب هذا فإن "الاتفاق المالي" الذي أقرته منطقة اليورو في ديسمبر/كانون الأول الماضي، من غير الممكن أن ينجح. ذلك أن الدول المثقلة بالديون إما أن تفشل في تنفيذ التدابير الضرورية، وإما أن تفشل في تلبية الأهداف المطلوبة حتى بعد تنفيذ التدابير الضرورية، مع دفع النمو المنهار عائدات الموازنة إلى الانخفاض. وفي كل الأحوال سوف ترتفع نسب الديون، وسوف تتسع الفجوة في القدرة التنافسية مع ألمانيا.

وسواء تمكن اليورو من البقاء أو لم يتمكن، فإن أوروبا تواجه فترة طويلة من الركود الاقتصادي أو ما هو أسوأ. ولقد مرت دول أخرى بتجارب مماثلة. فقد عانت دول أميركا اللاتينية عقداً ضائعاً بعد عام 1982، كما عانت اليابان من الركود طيلة ربع قرن من الزمان؛ ولكن في كل الأحوال تمكنت هذه الدول من البقاء. ولكن الاتحاد الأوروبي ليس دولة، ومن غير المرجح أن يتمكن من البقاء. كما يهدد فخ الديون الانكماشية بتدمير اتحاد سياسي غير مكتمل.

إن الوسيلة الوحيدة للإفلات من هذا الفخ تتلخص في إدراك حقيقة مفادها أن السياسات الحالية هدّامة ثم تحويل المسار. ولا أستطيع أن أقترح خطة جاهزة، ولكن تبرز هنا ثلاث ملاحظات. الأولى أن القواعد الحاكمة لمنطقة اليورو فشلت وتحتاج إلى مراجعة جذرية. والدفاع عن الوضع الراهن المختل لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأمور سوءا. والثانية أن الموقف الحالي شاذ إلى حد كبير، والأمر يحتاج إلى تدابير استثنائية لاستعادة الحالة الطبيعية. وأخيرا، لابد أن تسمح القواعد الجديدة للأسواق المالية بالعمل وفقاً لطبيعتها المتقلبة المتأصلة.

ولكي نكون واقعيين، فإن الاتفاق المالي الحالي الذي يحكم منطقة اليورو لابد أن يؤخذ كنقطة انطلاق. لا شك أن بعض العيوب الظاهرة بالفعل سوف تحتاج إلى التعديل. وب��كل خاص، ينبغي للاتفاق أن يأخذ في الاعتبار الديون التجارية فضلاً عن المالية، ويتعين على الموازنات الحكومية أن تميز بين الاستثمارات ذات العوائد وبين الإنفاق الحالي. ولكي نتجنب الغش فإن ما يصلح كاستثمار لابد أن يحصل على الموافقة من قِبَل السلطات الأوروبية. وهنا يصبح بوسع بنك الاستثمار الأوروبي الموسع المشاركة في تمويل الاستثمارات.

الأمر الأكثر أهمية هنا هو ضرورة ابتكار بعض التدابير الاستثنائية لإعادة الظروف إلى حالتها الطبيعية. ويلزم الميثاق المالي للاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء سنوياً بخفض ديونها العامة بمقدار واحد على عشرين من المبلغ الذي تتجاوز به 60% من الناتج المحلي الإجمالي. وأنا أقترح أن تعمل الدول الأعضاء مجتمعة على مكافأة السلوك الطيب بقبول هذا الالتزام.

وقد نقلت الدول الأعضاء حقوق الصك إلى البنك المركزي الأوروبي، الذي يكسب حالياً نحو 25 مليار يورو (32,7 مليار دولار) سنويا. ولقد تم تقدير حقوق الصك بواسطة ويليام بيوتر من سيتي بانك وهيو بل من جولدمان ساكس، وكل منهما يعمل مستقلا، بنحو 2 إلى 3 تريليون يورو، لأنها سوف تعود بما هو أكثر من هذا مع نمو الاقتصاد وعودة أسعار الفائدة إلى طبيعتها. وبوسع أداة ذات غرض خاص تملك حقوق الصك أن تستخدم البنك المركزي الأوروبي لتمويل تكاليف الحصول على السندات من دون مخالفة المادة 123 من معاهدة لشبونة.

إذا خالفت أي دولة الاتفاق المالي، فإنها بهذا تفقد كلياً أو جزئياً مكافأتها وتُلزَم بسداد الفوائد على الديون المستحقة للأداة ذات الغرض الخاص. وهذا من شأنه أن يفرض ضوابط مالية صارمة حقا.

بمكافأة السلوك الطيب، فإن الاتفاق المالي لن يشكل بعد ذلك فخاً للديون الانكماشية، وسوف تتحسن التوقعات بشكل جذري. فضلاً عن ذلك، ولتضييق فجوة القدرة التنافسية فإن كافة الدول الأعضاء لابد وأن تكون قادرة على إعادة تمويل ديونها القائمة بنفس سعر الفائدة. ولكن هذا يتطلب قدراً أعظم من التكامل المالي، لذا فلابد من تطبيقه على مراحل.

لن يقبل البنك المركزي الألماني هذه المقترحات أبدا، ولكن السلطات الأوروبية لابد وأن تفكر فيها بجدية. إن مستقبل أوروبا قضية سياسية في الأساس، وبالتالي فإن اتخاذ القرار يقع خارج اختصاص البنك المركزي الألماني.