Sunday, October 26, 2014
0

في ذكرى معتقلات الغولاك

قال الكاتب النمساوي روبرت موزيل قبل مائة عام من اليوم: "ليس هناك ما هو أكثر إبهاماً من نصب تذكاري". ويمكنني أن أضيف، من أنقاض إمبراطورية أخرى؛ الامبراطورية الروسية، "ليس هناك ما هو أكثر إبهاماً من نصب تذكاري مفقود".

تعرض النصب التذكارية ماهية الأمم على الملأ. ويمكننا من خلالها أن نشعر كيف تؤكد الأمم عل استمراريتها. وعندما تمزق الثورات هذه الاستمرارية تصب جام غضبها على هذه النصب والصروح. ويبقى مثال صدام حسين القريب درساً حاضراً على ما نقول. يبدو أن إزالة صرح أسهل بكثير من محاكمة دكتاتور. قد تسمح الفترات التي تلي الثورات بمزيد من التنوع، وقد تظهر نصب جديدة في بعض الأحيان وقد تعود النصب القديمة إلى أماكنها في أحيان أخرى، وفي حالات أخرى تغيب النصب تماماً، كما يغيب الأساتذة في أيام العطل.

وفي نفس الوقت الذي طهرت فيه الجامعات الألمانية من المنكرين للهولوكوست، نجد الجامعات الروسية محافظة على توظيف أساتذة التاريخ الروسي الذين يغيبون ذكر معتقلات الغولاك عن محاضراتهم. وعلى الرغم من أن الرعب في ألمانيا النازية ومثيله في روسيا الشيوعية قد ولدا الملايين من الضحايا؛ إلا أن ذكريات هذا الرعب تبدو كبيرة الاختلاف. ويمكننا أن نقول بأن ورقة الخمسمائة روبل التي أصدرت في التسعينات والتي مازلت تستخدم بكثرة حتى اليوم هي من أكثر النصب تميزاً وأكثرها غياباً من كل النصب التي تذكر بمعتقلات الغولاك في فترة ما بعد الحكم السوفييتي.

ويبدو بأن الورقة، وكشهادة على تاريخ الأمة الفخور، تحمل رسالة خفية. فهي تحمل صورة لدير سولوفكي، وهو مجمع تاريخي مبني على جزيرة في البحر الأبيض، وقد كان هذا الدير واحداً من أول وأهم معتقلات الغولاك. ويقول مؤرخو سلوفكي المحليون بأن القبة الشاذة المرسومة على ورقة البنكنوت تعود لأواخر العشرينات من القرن الماضي - 1900م ـ، أي في الفترة التي شهدت أوج ازدهار معتقلات الغولاك.

يطرح التصميم بضعة أسئلة فيها الكثير من التحدي. هل هذه الورقة هي أحد النصب التي خلقتها أيدي النقاد لا أيدي الفنانين، النقاد الذين يخلقون المعنى من خلال التفسير والتكهن لا من خلال الخلق والإبداع؟ هل كان التخريب متعمداً من قبل المسؤولين في وزارة المالية؟ أم هل كان اختيار الرسم الظاهر على الورقة ناتجاً عن تشوه سيكولوجي، كإظهار واقعي لا واعٍ لآلية الحداد.

إن آلية الحداد مستمرة؛ كما يقول فرويد. ولكن التشابه في الشرور لا يعني التشابه في التخليد ـ بناء النصب. ففي ألمانيا توجد الكثير من النصب المقامة على معتقلات التعذيب، ويضاف الكثير من النصب الجديدة إليها بشكل مستمر. ولكن لا يوجد في روسيا إلا متحفان صغيران في اثنين من مواقع الغولاك، سولوفكي و بيرم، ويعرض في هذين المتحفين الظروف الحياتية في المعتقلات، ووسائل التعذيب والقتل والوثائق والوجوه. وفي بعض الحالات تقام الصروح بالقرب من مواقع القتل لا عليها مثل ألمانيا.

لا يمثل هذا النموذج اجتثاث النظام السابق، بل يمثل تواجده مع النظام الحالي. وتبدو ذكرى اجتثاث النظام السابق بعيدة الاحتمال في روسيا. إذ لا يوجد حتى لوحة مأفونة ضئيلة الحجم تتحدث عن ضحايا الكي جي بي في ساحة لينينغراد قريباً من موقع معاناتهم. ويظهر غياب نصب مشابه واضحاً عن ساحة الكرملين. يشغل المتحف في سولوفكي بضعة غرف في الدير الناشط حالياً. وعلى الرغم من ملايين البشر التي تم احتجازها في هذا الموقع، إلا أننا لا نرى إلا لوحة موجعة للقلب مثبتة على لوح خشبي تقول: " معتقلات الأطفال في مخيم سولوفكي".

تحتوي بعض المتاحف المحلية على أشياء فاتنة!!، ففي متحف كارغوبول على سبيل المثال تقف جرة من الطين، قدمها للمتحف سليل أحد الحراس الذي استولى على صرة أحد السجناء، جرة مليئة بالعسل. ولكن يبدو أنه من الاستحالة معرفة الإجابة على الكثير من الأسئلة الواضحة: كم من السجناء مروا على هذا المعتقل؟ كم منهم مات هنا؟ ومتى؟ من كان يدير هذا المكان؟ من هم الحراس؟ ومن هم الجلادون؟.

قريباً من قناة بيلومور، حيث يقبع أحد أضخم مواقع الغولاك للإنشاء، تم اكتشاف مقبرة جماعية هائلة في ساندارموخ. كان هذا الموقع عبارة عن غابة صنوبر قريبة من الأوتستراد القديم، يميزه الانخفاض الضئيل المعتاد في الأرض الذي يميز هذا النوع من القبور. وقد قارن المجتمع التذكاري مكتشفاتهم الأركيولوجية بدقة بالملفات المحفوظة في أرشيف الكي جي بي والتي أطلق عليها اسم "بروتوكولات فتح النار". لا تذكر البروتوكولات أسماءً البتة، ولكنها تذكر أرقام الناس الذي أعدموا في تواريخ محددة، مصنفين تبعاً للجنس، مثلاً: عشرون رجل وسبعة نساء. وبمقارنة عدد الهياكل العظمية وأجناسها تمت مطابقة كل "بروتوكول لفتح النار" مع قبر معين.

أعدم ما يقارب التسعة آلاف إنسان في ساندرموخ مابين عامي 1937 و 1938. واليوم، يميز عمود خشبي كل قبر جماعي. وبكونها مصممة كرمز حداد محلي، تذكر هذه الأعمدة بأسطحها حادة الزوايا، المشاهد بالصلبان القروية، أو بجسم إنساني يرفع يديه نحو السماء في صلاة.

يعتبر ساندرموخ أحد أهم وأكثر مواقع الذكرى الروسية تطوراً. ولكن، وللأسف، فإنه غير معروف حتى للجيران الأقرب مثل الإسكندنافيين.

نصبان آخران أكثر شهرة مما ذكرناه، هما الصرحان الموجودان في موسكو وسان بيترسبورغ مكونان من حجارة غرانيتية أخذت من معتقل سولوفكي. وقد ذيل الحجر في سان بيترسبورغ بوصف يقول: " تحية لضحايا الشيوعية" ( وقد خربت هذه اللوحة عدة مرات عن عمد، وقد حمل التشويه الأخير كتابات بالطلاء الأحمر تقول: "لم يقتل العدد الكافي".

هنا نرى ذكرى تقلب لدراما. ولكن يبدو أن الذكريات الروسية عرضة للسخرية الغربية الحديثة، فالصرعة الأخيرة في سان بيترسبورغ تقوم على افتتاح العديد من المطاعم التي تحمل أسماء مثل "نداء لينين التزاوجي" أو "الاتحاد السوفييتي" أو "بقايا روسية" ونرى في هذه المطاعم جداريات تظهر مزارعين في مزارع تعاونية ينخرطون اجتماعياً مع الهنود الحمر، بينما يلقي بريجينيف مرتدياً ثياب فرانك سيناترا خطبة في قبيلة من العصر الحجري.

وتبدو الشيوعية إرثاً أوروبياً عاماً أكثر بكثير من النازية، إن ذكرى ضحاياها مسؤولية أوربية أكثر منها مسؤولية محلية. إذ قد تتحول النصب والصروح على مر الأجيال من وأساط للحداد إلى أدوات تعليمية. إن الحفاظ على الذكرى قاس ومكلف وهش. فقد تتغير الصروح بين هنا وهناك وتتغير أسماء العواصم، قد تفنى العملات، وقد يسخف كل شيء و تتغير معانيه.

حتى المومياءات نجدها عرضة للحركة والتغيير، ففي عام 1961 شوهدت مومياء ستالين خارجة من ضريحها في الساحة الحمراء، ولكن جثة لينين ما تزال قابعة هناك، ولكن رحليها متوقع. يجب أن يكون هذا الحدث حدثاً اوربياً.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured