Sunday, November 23, 2014
0

رفض قوة النفايات

سنغافورة ـ كان أسلافنا يبشرون به، وتعلمناه على آبائنا، والغرب يتبناه الآن، لماذا إذن نهجره نحن الآسيويون؟

أنا أتحدث عن الوعي البيئي. عن الحفاظ على المياه. عن إغلاق جهاز التلفاز حين لا يجلس أحد ليشاهده. عن دعوة المجالس البلدية إلى وضع وحدة إعادة تدوير في كل بناية.

أثناء نشأتي في الهند في ثمانينيات القرن العشرين، كان نمط حياتنا مختلفاً عن نمط الحياة اليوم. إذ لم يكن منزل الأسرة العادية يولد أي قدر من النفايات إلى بالكاد. وكان كل شيء يستخدم ثم يعاد استخدامه إلى أن لا يتبقى منه أي شيء.

وكنا نسافر بالقطار. وكنا نوبَخ حين نهدر الطعام. وعندما زار والداي الولايات المتحدة لأول مرة، لم يتوقفا قط عن الإعراب عن صدمتهما إزاء الإسراف الذي شهداه هناك ـ من إهدار المناديل الورقية وأدوات المائدة البلاستيكية في مطاعم الوجبات السريعة إلى إسراف الأسر الأميركية في استخدام السيارات واستهلاك الطاقة الكهربائية.

في ذلك الوقت، وبوصفي شابة هندية انتقلت مؤخراً إلى الغرب، فلم أكن راغبة في الارتباط بأبوين مملين حريصين دوماً على طي أوراق التغليف المستخدمة وتخزينها تحت فراشهم. ولكن الآن بدأنا نشهد نشوء نوع من المقاومة أشبه بعقليتهما، بعد أن أصبحت مسألة تغير المناخ جزءاً من المعارف العامة. وعادت حكمة جيل آبائنا إلى مخاطبة عقلي مرة أخرى.

ولعل فقدان الاتصال بهذه الحكمة كان مفهوما. فبعد أن حول الازدهار الاقتصادي الهند من دولة متقاعسة إلى واحدة من القوى الناشئة الرئيسية على مستوى العالم، وصل الجيل الجديد من الهنود أخيرا ـ في التجارة والعلوم والسياسة. والواقع أن الجالية الهندية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبلدان جنوب شرق آسيا من بين أكثر الجاليات ثراءً في تلك البلدان. ولم نعد في احتياج إلى إعادة استخدام الأكياس الورقية. بل ولم نعد راغبين في أن يعتبرنا أحد من أنصار الحفاظ على البيئة. فالآن أصبحنا نمتلك القدرة على إنتاج النفايات، ونريد أن نتباهى بهذه القدرة.

وبوسعنا أن نلحظ نفس التغيير في العقلية في بلدان أخرى ناشئة في آسيا، حيث يُنظَر إلى الحفاظ على البيئة باعتباره دليلاً على الضعف في هذا العصر من الثروة الاقتصادية المتزايدة. والواقع أن رغبة المرء في احتلال مكانه الذي يستحقه تحت الشمس ـ تقاسم خيرات كوكب الأرض بالعدل والقسطاس ـ تشكل قوة دافعة في مختلف أنحاء المنطقة، من جنوب شرق آسيا إلى كوريا والصين. ولكن لماذا يتعين علينا أن نحافظ على البيئة؟ لقد كان الغرب مسؤولاً عن كل التلوث وإنتاج النفايات وإهدار الموارد في المقام الأول. والآن حان دورنا لتدمير الكوكب، ولا ينبغي لأحد أن يحاول منعنا.

ولكن من المؤسف أننا بينما نصطف للحصول على السيارات الفارهة، بدأت قواعد اللعبة تتغير. فلم يعد نمط الحياة الجديد قابلاً للدوام، وبلغ عصر السيارات المتعطشة إلى الوقود، والشقق الزجاجية التي تحتاج إلى تكييف هواء دائم، والغسالات المتعطشة للماء، وأنماط التغليف المهدرة للموارد، بلغ منتهاه. فبحلول عام 2050 سوف يتجاوز تعداد سكان الأرض من البشر تسعة مليارات، وأكثر من ثلثي سكان العالم سوف يعيشون في المناطق الحضرية. ولا نستطيع أن نواصل نمط الحياة الذي ننشده.

ولكن الفرصة سانحة هنا للريادة. والواقع أن شركة إنفوسيس في الهند تعيد تصميم كافة جوانب الكيفية التي توفر بها الإنارة والتبريد والمياه وسبل الانتقال لأكثر من مائة ألف موظف يعملون لديها، وتهدف الشركة إلى خفض تكاليف هذه العمليات عشر مرات. ويستخدم الجيش الهندي الطاقة الشمسية في الطهي بالبخار في لاداخ لتوفير الطعام لخمسمائة من المجندين الشباب الذين يتمركزون هناك، ويتبنى معبد شيردي ساي بابا في ولاية ماهاراشترا نفس الطريقة.

وفي أماكن أخرى، تستخدم السجون في رواندا مياه الصرف الصحي الناتجة عن استخدام ثلاثين ألف من نزلائها لتوفير الغاز الحيوي لطهي الطعام وإنتاج الأسمدة لزراعة الخضراوات. وفي لاوس تقوم شركة سنلابوب الخاصة بتأجير الفوانيس الشمسية للقرويين الفقراء، وهي وسيلة أقل تكلفة من استخدام الشمع. كما تنفق الإمارات العربية المتحدة جزءاً من أموال النفط على تطوير مدينة مصدر، وهي المدينة الأولى على مستوى العالم التي لا تطلق أي انبعاثات كربونية ولا تنتج أي نفايات. وتستخدم سنغافورة أسلوب "نيوواتر"، وهو شكل من أشكال مياه الصرف المعالجة الصالحة للشرب. والآن تعتمد المدارس البريطانية تدريس استدامة الموارد كجزء أساسي من مناهجها الدراسية.

ولكن البعض متأخرون كثيراً في هذا السياق الفكري، وبخاصة الأسر الآسيوية الميسورة ـ وبعض الحكومات الآسيوية. ففي غضون خمسة أعوام فقط من المنتظر أن تطلق البلدان النامية من الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الانحباس الحراري العالمي ما يزيد على ما تنتجه البلدان المتقدمة من هذه الغازات. والآن إما أن نتجاهل الأمر برمته وإما أن ننتهز الفرصة لإحياء قيمنا القديمة، وإعادة النظر في أسلوب حياتنا، وتكذيب هذه التوقعات.

وسواء كان ذلك من خلال الإسكان المنخفض الطاقة، أو غرس الأشجار، أو تعليم الأطفال احترام البيئة، أو مقاطعة المصابيح المتوهجة، أو تغليف الهدايا بالصحف القديمة، فإن الفرصة سانحة أمامنا للعمل كقدوة. ويتعين على الحكومات أيضاً أن تتعاون مع أقرنها في البلدان النامية في توفير الزعامة المطلوبة بشدة في مجال مناقشة قضية تغير المناخ.

ويتعين على قارة آسيا أن تتجاوز المرحلة غير المستدامة من التنمية. والواقع أننا كنا ذات يوم نحترم تقاليد عميقة الجذور في الحفاظ على الموارد. واستعادة هذه التقاليد من شأنه أن يجعل من الآسيويين قدوة، وأن يجعل من نمط الحياة الآسيوي مثالاً يحتذي به آخرون.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured