Saturday, September 20, 2014
1

إعادة اختراع البنك الدولي، مرة أخرى

مدريد ــ في ظل وجود ثلاثة مرشحين الآن لتولي منصب رئيس البنك الدولي القادم ــ وزيرة المالية النيجيرية نجوزي أوكونجو ايويالا، ووزير المالية الكولومبي السابق خوسيه أنطونيو أوكامبو، ومرشح الولايات المتحدة رئيس كلية دارتموث جيم يونج كيم ــ فإن هذه هي اللحظة المناسبة لأخذ خطوة إلى الوراء وتقييم مسار البنك. وما لم يكن لدى رئيس البنك القادم رؤية واضحة للطريق إلى الأمام، وما لم يتمتع بالثِقَل اللازم لتحمل الضغوط الداخلية للمؤسسة، فسوف تبتلعه الآلة المعقدة التي تحكم عمل البنك وعملياته غير العملية.

كان التركيز العالمي منصباً على قياس نقاط الضعف ومواطن القوة في المرشحين الثلاثة، وخاصة مؤهلاتهم الاقتصادية والمالية. ولكن التحدي الحقيقي يكمن في تقديم التوجيه للبنك الدولي على نحو يعكس العالم على حقيقته، ويعيد معايرة الأدوات التي يستعين بها البنك وفقاً لهذا. ويتوقف المسار الجديد بشكل حتمي في جزء منه على إدراك حقيقة مفادها أن الاقتصاد والتمويل، على الرغم من كونهما من العناصر الأساسية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من كافة الأنشطة التي يزاولها البنك، لم يعد بوسعهما أن يشكلا المحركين الرئيسيين للمؤسسة.

كانت الأدوات التقليدية لدى البنك الدولي (ولا تزال) هي القروض المنخفضة القائدة، والائتمان المعفى من الفائدة، والمنح. ولكن الفلسفة الأساسية للبنك كانت تستند إلى الإقراض بفائدة للدول المتوسطة الدخل وتوجيه الأموال الناجمة عن ذلك نحو الدول الأكثر فقراً المؤهلة للحصول على المساعدة. واليوم، ونظراً لشروط القروض التي يفرضها البنك فإنه يخسر قدرته التنافسية في مواجهة عدد كبير من الجهات الفاعلة، سواء العامة أو الخاصة، والتي تزاحم مشهد التنمية. ومن ناحية أخرى فإن البنك يبرز باعتباره مصدراً حيويا ــ ولا غنى عنه في واقع الأمر ــ للخبرات والمساعدة الفنية، فضلاً عن كونه مقدماً للمنافع العامة العالمية.

وبالبناء على مواطن القوة هذه، فإن البنك لابد أن يكون على استعداد لفهم واقع البلدان المتعاملة معه، بدلاً من الأسلوب الأبوي، وأن يعمل على إيجاد التوازن بين عمله في كل بلد على حدة وبين دوره العالمي. ورغم أن الإقراض يضعف تدريجياً ويصبح مقتصراً على أكثر البلدان فقرا، فيتعين على البنك أن يتبنى آلية التوجيه الهزيلة للاستشارات الاستراتيجية أو "بنك المعرفة". كما يتعين على المنظمة أن تعيد صياغة مهمتها، فتبتعد عن فكرة كونها "بنكاً غربيا"، أو "بنكاً خاصة لمجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين"، أو كونه بنكاً من الأساس.

ومن الواضح اليوم ذلك الاتجاه إلى عدم التسامح على نحو متزايد مع سوء الحكم والفساد ــ الرفض الجماعي الواضح في بلدان متنوعة مثل بورما والكونغو وروسيا وبوليفيا، ناهيك عن بعض الدول العربية من سوريا إلى المغرب. وفي الوقت نفسه فإن التهديد الأشد خطراً للنظام الدولي يأتي من الدول الفاشلة، ودول ما بعد الصراعات، والدول التي تمزقها الصراعات.

على مدى العقدين الماضيين، وكجزء من عملية البحث عن الذات التي أعقبت انهيار الشيوعية، كان البنك الدولي يسعى إلى جعل جهود الحكم ومكافحة الفساد جزءاً لا يتجزأ من عملها في مجال النمو الاقتصادي والحد من الفقر في العالم النامي. ولكن إذا ذهبنا إلى ما هو أبعد من اللغة الخطابة الفصيحة، فإن هذه التغيرات كانت تدريجية، وكانت مفروضة على عمليات البنك بدلاً من تحولها إلى جزء من حمضه النووي التنظيمي.

كان البنك أكثر تركيزاً على ذاته وسمعته مما ينبغي، ولم يركز بالقدر الكافي على الدول التي يقدم لها المشورة والتي يمارس بها عمله، في حين كانت مسألة بناء المؤسسات جزءاً لا يتجزأ من أجندة النمو. ونتيجة لهذا فإن القانون الذي يشكل الأساس لبناء المؤسسات، كان ينظر إليه باعتباره ليس أكثر من صندوق أدوات. كما أعلنت حقوق الملكية، وإنفاذ العقود، وشروط تنظيم المشاريع، وأسواق الإنتاج والعمل الحرة القادرة على المنافسة، باعتبارها جزءاً من الإطار الاقتصادي ــ وهو الاعتقاد الخاطئ الذي تم التعبير عنه من جديد من قِبَل الخبير الاقتصادي السابق لدى البنك الدولي وخبير التنمية الحالي ويليام إيسترلي.

فضلاً عن ذلك فإن التفسير التقليدي للنظام الأساسي للبنك كان يفرض "حيادية" معلنة تُرجِمَت إلى استعداد للتغاضي عن طبيعة الأنظمة الحاكمة في الدول التي يتعامل معها وافتقارها على المساءلة الشعبية. ومن عجيب المفارقات أن نفس البنك الدولي الذي عمل رئيسه السابق روبرت مكنمارا على تحويله قبل خمسين عاماً تقريباً في أوج عملية تفكيك المستعمرات على أداة رئيسية في الكفاح ضد الشيوعية، ينظر اليوم إلى ما أطلق عليه "إجماع بكين"، والذي يمسك الحزب الشيوعي الصيني بموجبه البلاد بقبضة حديدية، باعتباره نموذجاً للتنمية قابلاً للتطبيق.

وفي هذا السياق فإن "بنك المعرفة" يحتاج إلى معالجة ثلاثة تحديات. فيتعين عليه أن يعزز من دعمه للقطاع الخاص وأن يعطي الأولوية لمشاريع البنية الأساسية، وبالمعنى الواسع، بما يتفق مع أهميتها بالنسبة للمبادرة الفردية. كما يتعين عليه أن يعمل على تعزيز درايته فيما يتصل ببناء القدرات وخاصة بناء القدرات الإدارية مع التأكيد على جوانبها المؤسسية القانونية. وأخيرا، يتعين عليه أن يضع برامج مكافحة الفساد والحكم الرشيد في صميم مهمته.

إن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يتحمل بنكاً دولياً ينطلق من عالم الماضي، فيخسر صلته بالحاضر. إذ أن أي مؤسسة أخرى لن يتسنى لها أن تفي بإمكانات البنك الهائلة بوصفه مركزاً للمعرفة التنموية ومنسقاً لسياسات التنمية. وسوف يشكل تفويض الرئيس التالي للبنك أهمية حاسمة في تعزيز قوة أو هدم المؤسسة التي يحتاج إليها العالم بشدة في القرن المقبل.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    With my limited knowledge I never considered the World Bank other than a "money lending source", but the "knowledge bank" the article talks about truly opens up new possibilities, and new directions if used properly.
    As we can see through the deepening and unsolvable global crisis, humanity is at crossroads today. We still stubbornly try to push on with our previous/present socio-economic system, despite the dramatically changed systematic conditions around us.
    Today humanity has evolved into a global, integral, interdependent system, where all of our previous methods, institutions have become meaningless.
    In such a situation the most important basic step is global, integral education, providing the necessary understanding about what a global, integral human system is to every nation at all social levels.
    It is not difficult to see that as soon as we understand our new system, its laws, and how we could settle into this new structure with harmony, with all the human talent and adaptability working out the actual institutions, methods would be self understanding, automatic.
    If the writer considers the World Bank as "knowledge bank" along these lines, then I hope the new president will listen to her advice.

Featured