Wednesday, August 20, 2014
4

إعادة اختراع الحلم الأوروبي

برينستون ــ قد يبدو لنا أنه لا توجد صلة بين أزمة اليورو والاحتفال مؤخراً بيوبيل الملكة إليزابيث. الواقع أن الأمرين معاً يشكلان درساً مهما: قوة السرد الإيجابي ــ واستحالة الفوز من دونه.

في تعليقه على موكب اليوبيل على النهر واستعراض الخيل، تحدث المؤرخ سايمون شاما لهيئة الإذاعة البريطانية عن "الزوارق الصغيرة والأفكار الكبيرة". كانت الفكرة الأكبر أن الملكية في بريطانيا تخدم كأداة للربط بين ماضي البلاد ومستقبلها بطرق تتجاوز تفاهة وقبح السياسة اليومية. إن تراث الملوك والملكات الذي يمتد عبر أكثر من ألف عام ــ الرمزية الدائمة للتيجان والعربات الملكية، والتجسيد الحرفي للدولة الإنجليزية والآن البريطانية ــ يربط البريطانيين معاً في رحلة مشتركة.

قد يطلق الساخرون على هذا وصف "حيلة الخبز والسيرك القديمة" ــ إلهاء الشعوب بالألعاب السياسية المزخرفة. ولكن النقطة هنا تتلخص في تركيز الأعين والقلوب على سرد من الأمل والهدف ــ لرفع معنويات عامة الناس، وليس إلهاءهم. ولكن هل من المفترض أن يبتنى اليونانيون والأسبان والبرتغاليون وغيرهم من الأوروبيين حقاً برامج التقشف المفروضة عليهم لأن الحكمة السائدة في ألمانيا وغيرها من دول الشمال تعتبرهم مسرفين وكسولين؟ إنها كلمات عداوة، تخلق قدراً عظيماً من الاستياء والانقسام في وقت حيث تشتد الحاجة إلى الوحدة وتقاسم الأعباء.

إن اليونان بشكل خاص تحتاج الآن وسيلة لربط ماضيها بمستقبلها، ولكننا لا نرى مليكاً قادماً إلى اليونان. وباعتبارها مهد الديمقراطية الأول في تاريخ العالم، فإن اليونان يحتاج إلى رموز أخرى للتجديد الوطني غير الصولجانات والمعاطف الملكية. فمن خلال هوميروس تعرف كل القارئين الغربيين تقريباً لأول مرة على عالم البحر الأبيض المتوسط: جزره وشواطئه وشعوبه المترابطة كنسيج وواحد يتألف من الدبلوماسية والتجارة والزواج والزيت والنبيذ والسفن الطويلة. ومن الممكن أن تصبح اليونان مرة أخرى ركيزة لمثل هذا العالم، باستخدام أزمتها الحالية لصياغة مستقبل جديد.

الواقع أن تحقق هذه الرؤية أكثر احتمالاً مما قد يتصور المرء. فطبقاً لبعض التقديرات تحتوي حقول الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط على احتياطيات قد تصل إلى 122 تريليون قدم مكعب، وهذا الاحتياطي يكفي لتزويد العالم بأسره بالغاز لسنة كاملة. وقبالة السواحل اليونانية على بحر إيجة والبحر الأيوني، هناك المزيد من حقول الغاز والنفط الضخمة، والتي تكفي لتحويل وجه الموارد المالية لليونان والمنطقة بأسرها. وتخطط إسرائيل وقبرص الآن لعمليات استكشاف مشتركة؛ كما تناقش إسرائيل واليونان تمديد خط أنابيب؛ وتجري تركيا ولبنان عمليات تنقيب؛ وتخطط مصر لترخيص عمليات الاستكشاف.

ولكن السياسة، كما هي حالها دوما، تتدخل. فجميع البلدان المعنية متورطة في نزاعات بحرية وخلافات سياسية. فالأتراك يعملون مع شمال قبرص، التي لم يعترف أحد باستقلالها غير تركيا، وكثيراً ما يطلقون أصوات التهديد بانتظام بشأن عمليات حفر تقوم بها إسرائيل مع حكومة القبارصة اليونانيين في جمهورية قبرص. وعلى نحو منتظم، يحتجز القبارصة اليونانيون الاتحاد الأوروبي رهينة إزاء أي تعامل مع تركيا، كما تفعل اليونان. ولن يسمح الأتراك للسفن القبرصية بدخول موانئهم، ولم يدر بينهم وبين الإسرائيليين أية محادثات منذ مقتل تسعة مواطنين أتراك على سفينة كانت تسعى إلى اختراق الحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة. ولا توجد علاقات دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل.

باختصار، نستطيع أن نؤكد أن الثروات وفرص العمل والتنمية التي كانت للتدفق على كل بلدان المنطقة بفضل استغلال موارد الطاقة بشكل مسؤول سوف تحتجب بسبب إصرار كل طرف على الحصول على ما يعتبره نصيباً عادلاً وينكر على أعدائه حق الوصول إلى كل هذا.

وبالتالي فإن صورة مجتمع الطاقة في منطقة البحر الأبيض المتوسط تبدو وكأنها محكوم عليها بأن تظل حلماً كاذبا. ولكن شهر يوليو/تموز سوف يوافق الذكرى السنوية الستين للتصديق على معاهدة باريس، التي أسست لإنشاء الجماعية الأوروبية للفحم والصلب بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج بعد ستة أعوام فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية. على مدى الأعوام السبعين السابقة لنهاية الحرب خاضت ألمانيا وفرنسا ثلاث حروب مدمرة ضد بعضهما البعض، وكانت نتيجة آخر حربين تدمير اقتصاد أوروبا بالكامل وهلاك سكانها.

ولم تكن الكراهية والشكوك المتبادلة بين هذه البلدان أقل مرارة وعمقاً من تلك التي تبتلي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط اليوم. ورغم ذلك، فإن وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان، بمساعدة مستشاره جان مونيه، أعلن خطة تأسيس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب في عام 1950، بعد خمسة أعوام فقط من رحيل القوات الألمانية عن باريس، بهدف جعل الحرب ليس فقط أمراً غير وارد بل ومستحيل ماديا. واقترح شومان وضع الإنتاج الفرنسي الألماني من الصلب تحت إشراف سلطة عليا مشتركة، وبالتالي منع الجانبين من استخدام المواد الخام للحرب فيما بينهما، وتمكين الاقتصاد الصناعي المشترك. وأصبحت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب بمثابة القلب للاتحاد الأوروبي اليوم.

إن الاتحاد الأوروبي اليوم في وضع لا يحسد عيه، ولكن القليل من الخطوات الملموسة من قِبَل الزعماء الأوروبيين قد يفتح الباب أمام دبلوماسية جريئة بنفس القدر ويمكنها إنعاش اقتصادات الاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وتحويل سياسات الطاقة في أوروبا وآسيا. وإذا كان للبرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي أن يتخذا الخطوات اللازمة لجعل تجارة الاتحاد الأوروبي المباشرة مع شمال قبرص موضوعاً لتصويت الأغلبية المؤهلة وليس الإجماع (وبالتالي تستخدم قبرص حق النقض ضدها)، فإن الاتحاد الأوروبي سوف يتمكن من بدء التجارة مع شمال قبرص، وقد تبدأ تركيا التجارة مع قبرص ككل. وقد تؤدي هذه الخطوات بالتالي إلى شراكة بين تركيا وقبرص واليونان في مجال الطاقة تعمل على توفير الحوافز الإيجابية للمصالحة بين تركيا وإسرائيل.

لقد استغرقت خطة شومان عامين قبل أن تتبلور، وعشرة أعوام لتنفيذها. ولكنها منحت الأوروبيين الذين مزقتهم الحرب وألقت بهم إلى مستنقع الفقر المدقع رؤية إيجابية لمستقبل جديد، وهو ما تحتاج إليه بشدة اليونان وقبرص، ناهيك عن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إن زعماء أوروبا لن يتغلبوا على هذه الأزمة بقصف مواطنيهم بلا هوادة بمطالبات كئيبة بالتقشف. بل يتعين عليهم أن يتخذوا خطوات ملموسة، مع اليونان باعتبارها شريكاً كاملاً ومتساويا، من أجل خلق رؤية لمكافآت حقيقية مترتبة على تجدد شباب الاتحاد الأوروبي.

لا يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى نظير للملكة إليزابيث. بل إن ما يحتاج إليه حقاً هو خطة أخرى مماثلة لخطة شومان ومونيه.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedAndré Rebentisch

    "Are Greeks... really supposed to embrace an austerity program imposed on them.." - What is so difficult to get when financial markets grant bonds junk status? "Carrots without stick" would be irresponsible for all sides, as is biting the hand that still feeds.

  2. CommentedGary Techentien

    This lady of Princeton, this former Director of Policy Planning for the Department of State at the Obama White House, writes blithely of how the traditions of a thousand year monarchy in Britain as manifested in the Queen’s recent Jubilee enables the people of Britain to form a vision of the future and to, as she puts it, “fix eyes and hearts on a narrative of hope and purpose – to uplift, rather than distract.” Without belaboring the point that, from where I sit, parties like the Queen’s Jubilee are very much intended to distract every bit as much as they are meant to uplift, Professor Slaughter gives the illustration to reinforce the point that to lack such a positive narrative, makes “winning” impossible. She doesn’t say what kind of winning she’s talking about, although I find her choice of operative verb to be intriguing. She chooses “winning” instead of, say, “advancing” “developing” “becoming” “building” or “succeeding”. More on the curious word choice later.

    The upshot on her characterization of the Queen’s party as inspirational is that not only does she choose not to call it the obvious propaganda that it is, she writes as if oblivious of the fact that she is invoking a symbol of empire. It never apparently occurs to her that the august monarchy she sees as providing that “uplifting…positive narrative” was—particularly during the years of empire from the late 15th through the mid 20th centuries—wont to beat untold wealth out of its colonial possessions like a brute master beating work out of a listless slave, while on the home front, the people wearing those very crown jewels and riding in those very carriages Professor Slaughter extols colluded with their captains of industry to ruthlessly exploit the labor of the lower classes throughout the dark and smoke palled industrial revolution. By pointing this out I don’t mean to contend that the British people didn’t wind up loving their monarchy. They did and do, the damn fools. So yes, I appear to be one of those cynics Professor Slaughter anticipated might call the Queen’s Jubilee the “old bread-and-circuses routine.”

    I don’t think she’s so naïve as to think the Queen’s party wasn’t propaganda. But I do understand why she doesn’t want to seem so cynical herself. She’s held an important office in the U.S. empire and so she must not mention such things if she wishes to retain her privileged position.

    Still, she says something that it seems might get her into hot water with her official connections at State. She asks, “are Greeks, Spaniards, Portuguese, and other Europeans really supposed to embrace an austerity program imposed on them because prevailing wisdom in Germany and other northern countries considers them profligate and lazy?” This is a radical thought because, as the Germans are quick to point out, the Greeks, Spaniards, Portuguese and others borrowed the money and they need to pay it back and the interest too. Hence, Professor Slaughter’s statement seems a little rad for two reasons: First, she thinks the obligation to pay arises from how the Germans see the southerners as profligate and lazy; second, she thinks the debt ought to be forgiven for that reason. If you’ll pardon me, her take on this seems a little naïve, maybe even a little disingenuous. The German cultural impressions of the debtor countries is irrelevant to what the German's see as the duty of those countries to pay and the debt ought to be forgiven because to enforce its payment would press the debtor countries into too much misery.

    Next Professor Slaughter gets to the point of her article: the Greeks, Turks and Cypriots could all get a mojo going for the future if they got together and developed their common offshore natural gas reserves. The upshot is that these countries could all profit if they’d find some way, through good faith and diplomacy, to work together in their common interest, and who can disagree with that? Not me.

    Still, the essay bugs me. From its tortured imagery through its obliviousness to presence of EMPIRE in everything it discusses to the choice of the word “winning” to describe what the article assumes in the opening paragraph we all want to do. The type of international cooperation the article suggests is essentially the process of working together toward a common good, which I like, and yet Professor Slaughter chooses to characterize that process by applying the word “winning” to it.

    What is being won? A positive outcome. If such an outcome were to happen, wouldn’t the process really be more one of a building, a creating, a crafting? While the word “win” now is often used as a kind of synonym for things like creating, building or crafting something in the sense that the thing created was won from alternative outcomes that were not so positive, it nonetheless has its roots in contests where entities compete and some win while others lose. Professor Slaughter paints a scenario of Greek-Turkish-Cypriot gas development as a win-win situation, although she ignores the obvious environmental costs of extracting and consuming any fossil fuel.

    I can’t help but be made uncomfortable by our culture’s overweening worship of the idea of “winning” and of Professor Slaughter’s use of it in this essay when there were other better words available. It says something about what the deeper problem is in our society, that we compete too much, that we preserve the perquisites of the winner and, to greater or lesser degrees, ignore the difficulties that result to the loser. As a result of that, we get wealth flowing like rivers to the top of our hierarchical society while the lower levels grow pale and anemic.

    Professor Slaughter occupies a position high in the hierarchy, close to the headwaters of power. And yet, she would forgive the Greek and Spanish debt. She probably wouldn't be making statements like that if she were still at State. But maybe so. It’s enough to suggest some hope.

  3. CommentedProcyon Mukherjee

    A brilliant article and the reference to building partnerships as opposed to playing the same 'austerity' melody harmonized by a 'bail-out' movement looming at large.

    Eastern Coal and Steel Community and the vision of the Mediterranean Energy Community have a lot in common and deference, but a lot to differ as well. The stumbling block for this to succeed, is the lack of vision itself and common sense, which is left in the lurch, for good reason that only time will tell.

    The success of ECSC happened at a time when the world of finance and bond markets had not taken shape and speculation was yet to take root in the annals of forex transactions or even the word 'GDP' was unknown in common language; leadership brought down barriers, whether in trade or in homes and the rules of the market was not hijacked by the powerful for an uncommon good.

    A brilliant attempt to recast our thoughts.

    Procyon Mukherjee

  4. CommentedZsolt Hermann

    Although I do not think the British monarchy works the way the writer describes, this historical connection probably working for a day or two around celebrations, or soccer World Cups, but I agree with her conclusion that only positive motivation is capable of providing people with the drive that is sustainable, requires no trickery or coercion.
    Moreover the motivation has to come from ground up, and not top down as before, in the forms of "great speeches", great leaders urging their masses into something, but we need a motivation everybody understands, feels, and lives through.
    Otherwise it will not work, but we will continue stumbling from crisis to crisis.
    And such positive, general motivation could unite people and drive them to build a fundamentally different human system, that is moving away from excessive consumerism, making decision only based on self calculation, self profit, where people become capable of considering the whole above the fragmented, polarized details, above individual priorities.
    So what can give us such motivation?
    A global, integral education/information sharing program for all, helping all of us understand that the system we evolved into, this global, interconnected network, where a small change on one end of the globe shakes the whole as one, and that we live on top of finite resources and within a fragile natural system, so based on the general understanding with our undisputed talent and ingenuity we could build our new structure that adapts to our 21st century conditions.

Featured