Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
5

إعادة التوازن إلى منطقة اليورو

واشنطن، العاصمة ــ تكشفت أزمة منطقة اليورو في مستهل الأمر باعتبارها أزمة ديون سيادية تؤثر غالباً على الطرف الجنوبي للمنطقة، حيث بلغت أسعار الفائدة على السندات السيادية في بعض الأوقات إلى 6% أو 7% بالنسبة لإيطاليا وأسبانيا، بل ومستويات أعلى بالنسبة لدول أخرى. ولأن بنوك منطقة اليورو تحتفظ بجزء كبير من أصولها في هيئة سندات سيادية تابعة لدول منطقة اليورو، فقد تحولت أزمة الديون السيادية إلى أزمة مصرفية محتملة، ثم تفاقم الأمر سوءاً بسبب خسائر أخرى تكبدتها البنوك نتيجة لانهيار أسعار الإسكان في أسبانيا على سبيل المثال. لذا فإن التحدي الأساسي فيما يتصل بحل أزمة منطقة اليورو يدور حول تخفيف أعباء الديون المستحقة على دول الجنوب.

إن التغير في عبء الديون المستحقة على أي دولة يعكس حجم توازن موازنتها الأساسية (ميزان المدفوعات ناقص أقساط الفائدة) كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن الفارق بين تكاليف اقتراضها ومعدل نمو ناتجها المحلي الإجمالي. وعندما يصبح الفارق بين تكاليف الاقتراض والنمو أكبر مما ينبغي، فإن تحقيق فوائض الموازنة الأولية اللازمة لمنع الدين من الزيادة يصبح أمراً مستحيلا. والواقع أن النمو في جنوب أوروبا من المتوقع أن يقترب من الصفر أو ربما يهبط إلى ما دون الصفر على مدى العامين المقبلين، ومن غير المتوقع أن يتجاوز 2% إلى 3% حتى في الأمد البعيد.

ورغم أن العناوين الرئيسية قد لا تبرز هذه الحقيقة دوماً فإن السبب الأساسي وراء أزمة منطقة اليورو ــ والآن العقبة التي تحول دون النمو في الجنوب ــ كان متمثلاً في التفاوت الذي طرأ بين الدول الواقعة على أطراف المنطقة فيما يتصل بتكاليف الإنتاج، وخاصة "الجنوب" (على وجه التحديد، اليونان وأسبانيا وإيطاليا والبرتغال) و"الشمال" (ألمانيا على سبيل التبسيط) أثناء العقد الأول الذي أعقب استخدام اليورو. فقد ارتفعت تكاليف وحدة العمل في البلدان الجنوبية الأربعة بنسبة 36%، و28%، و30%، و25% على التوالي، أثناء الفترة من 2000 إلى 2010، مقارنة بأقل من 5% في ألمانيا، الأمر الذي أدى تفاوت تراكمي بحلول نهاية 2010 تجاوز 30% في اليونان وأكثر من 20% في البرتغال وإيطاليا وأسبانيا.

وتعكس تكاليف وحدة العمل مستويات الأجور والإنتاجية: فمن الممكن أن تعادل مكاسب الإنتاجية تأثير نمو الأجور. ولم يختلف أداء الإنتاجية كثيراً بين دول شمال أوروبا وجنوبها أثناء الفترة من 2000 إلى 2010 ــ بل إن متوسط نمو الإنتاجية السنوي كان أسرع في اليونان مما كان عليه في ألمانيا (1% في مقابل 0,7%). ولكن تكاليف العمل ازدادت بسرعة أكبر كثيراً في الجنوب، الأمر الذي أدى إلى زيادات في التكاليف التفاضلية التي لا يمكن معالجتها بخفض القيمة طالما ظل الاتحاد النقدي قائما.

وما دام هذا التفاوت الداخلي مستمرا، فإن أزمة اليورو لا يمكن حلها بالكامل، لأن العجز في الحساب الجاري و/أو تباطؤ النمو سوف يستمران في ملاحقة دول جنوب أوروبا، حتى تصبح المخاوف بشأن الديون السيادية والبنوك التجارية دائمة.

وفي هذا السياق، فإن نمو الإنتاجية ــ سواء نتيجة للتقدم التقني، أو تخصيص الموارد بشكل أفضل، أو الاستثمار الإنتاجي ــ لا يقل أهمية كمتغير بالنسبة لاقتصادات دول الجنوب عن تقييد الأجور. والواقع أن انكماش الأجور المفرط من المرجح أن يؤثر سلباً على الإنتاجية. فن المرجح أن تهاجر العمالة الماهرة بسرعة أكبر، ومن المؤكد أن التقشف الشديد، وهبوط الأسعار، وارتفاع معدلات البطالة ــ والتوترات الاجتماعية التي قد تنتج عن هذا ــ كل هذا لا يفضي إلى الاستثمار أو الإبداع أو زيادة قدرة اليد العاملة على التنقل.

على نحو مماثل، وفي حين يشكل تقليص العمالة وسيلة لزيادة الإنتاجية، فإنه يعني ضمناً ارتفاع تكاليف الاقتصاد الكلي من حيث العائدات المفقودة وزيادة الإنفاق الاجتماعي. ولعل الأمر الأكثر أهمية هو أن السياسة الاقتصادية لا ينبغي لها أن تكسر ثقة المجتمع في نفسه؛ وما يطلق عليه خبراء الاقتصاد وصف "الغرائز الحيوانية" لابد وأن يكون قادراً على عكس الأمل في المستقبل.

ولهذه الأسباب جميعاً فإن التقشف الزائد والانكماش قد يناقضا الغرض منهما وقد يجعلا تنفيذ "الإصلاحات" اللازمة لتحسين القدرة التنافسية لدول جنوب أوروبا أمراً مستحيلا. إن النهج السليم لابد أن يجمع بين فرض قيود معقولة على الأجور بالإضافة إلى معدل تضخم منخفض (ولكن ليس سلبيا) وبين تدابير سياسة الاقتصاد الكلي التي تهدف إلى تشجيع زيادة الإنتاجية.

ومن الواضح فضلاً عن ذلك أن دول شمال أوروبا قادرة على المساعدة في إغلاق فجوة القدرة التنافسية بسرعة أكبر من خلال تشجيع نمو الأجور بوتيرة أسرع. والواقع أن تركيز صناع السياسات في الغرب بهذه القوة على إقناع السلطات الصينية بالسماح برفع قيمة عملتهم بقدر أعظم من الأمور المحيرة عندما نضع في الاعتبار أن فائض الحساب الجاري لدى ألمانيا، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، أضخم كثيراً الآن من نظيره لدى الصين.

وبالتالي فإن عكس الفارق الضخم في تكاليف وحدة العمل الذي نشأ أثناء العقد الأول من عمر اليورو لا يتطلب الإصلاحات الرامية إلى تقييد الأجور وتعزيز الإنتاجية في الجنوب فحسب، بل ويتطلب أيضاً زيادات أعلى للأجور في الشمال. والمحاكاة تُظهِر أنه لو كان نمو الأجور في ألمانيا بنسبة 4% سنوياً بدلاً من 1,5% على مدى العقد الماضي، وإذا تسارعت وتيرة نمو الإنتاجية السنوي في أسبانيا إلى 2% (كانت النسبة أقرب إلى 0,7% في البلدين)، فإن أسبانيا تصبح قادرة على عكس الفارق في تكاليف وحدة العمل الذي نشأ مع ألمانيا منذ عام 2000 في غضون خمسة أعوام، مع نمو الأجور في أسبانيا بنسبة تقرب من 1,7% سنويا.

وهذا ليس بالسيناريو المستحيل. فهو يتطلب بعض التقييد في أسبانيا، حيث سجلت الأجور نمواً بمعدل سنوي متوسط بلغ 3,4% أثناء الفترة 2000-2010، فضلاً عن الجهود الحثيثة للتعجيل بنمو الإنتاجية. ولكن الأمر لن يتطلب تدني الأجور أو انكماش الأسعار بنسبة كبيرة: فنمو الأجور بنسبة 1,7% سنوياً ونمو الإنتاجية بنسبة 2% سوف يكون متوافقاً مع التضخم بنسبة أقرب إلى الصفر. أما نمو الإنتاجية بالمعدل التاريخي 0,7% في ألمانيا، مع نمو الأجور بنسبة 4%، سوف يكون متوافقاً مع معدل تضخم أعلى قليلاً من 3%.

أي أن التكيف الداخلي في منطقة اليورو غاية يمكن تحقيقها باختصار من دون انكماش خطير في الجنوب، شريطة أن تتسارع وتيرة نمو الإنتاجية هناك، وأن يقوم الشمال بدوره من خلال تشجيع مكاسب الأجور الأسرع قليلا. ولابد أن يكون الفائض الأصغر في الحساب الجاري الذي قد ينتج عن هذا في شمال أوروبا موضع ترحيب في حد ذاته. وإذا أصر الشمال على الحفاظ على معدل نمو الأجور المنخفض الذي دام طيلة الفترة 2000-2010، فإن التكيف الداخلي سوف يتطلب زيادة معدلات البطالة والانكماش بشكل كبير في الجنوب، وهو ما من شأنه أن يجعل تحقيق التكيف أشد صعوبة، بل وربما مستحيلاً من الناحية السياسية.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (5)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedProcyon Mukherjee

    The faster wage growth in Germany, while it would augur well to bring down the gap in unit labor cost between the North and South, would impair Germany's competitiveness. The positive fallout would be the growth in the domestic sector and if investment and consumption could be balanced, this could attract movement of goods into Germany from the South as well, provided South could do the opposite. This prescription has one flaw that Germany cannot be the under-writer for drawing all the investment checks for mutual gains, while the losses would not be borne by any of the Southern States, or so it seems.

    Procyon Mukherjee

  2. CommentedZsolt Hermann

    I would disagree with the writer about the primary aspect of the crisis.
    The sovereign debt, banking crisis is just a symptom, like when one becomes feverish with a systematic disease.
    We can treat the fever but if we do not cure the main disease the fever will come back and the patient continues to get sicker and sicker.
    This is exactly what we see, all the stimulus, adjustment, so called solution is concentrated on the financial, banking sector, and after each micro recovery we find ourselves in deeper crisis than before.
    The real problem is the unsustainable nature of our constant growth, expansive socio-economic system, and that in a global, integral, totally interdependent network we still try individual, national, self calculating solutions instead of full integration and truly mutual planning and decision making.
    Unless we "stop for a minute" instead of running around like headless chickens, and start understanding our global system, with all of its conditions, and how natural, unbreakable laws dictate to us how to live in this network, we will exhaust all of our resources and will have no further opportunity to even hope for a better future.
    Despite already having all the necessary objective, factual, scientific information around us we still refuse to look, and in the meantime we are running out of time.

Featured