Sunday, October 26, 2014
0

تقييم وكالات التقييم

كمبريدج ـ لابد وأن يشكل إصلاح وكالات تقييم الائتمان عنصراً أساسياً في النظام المالي الجديد الذي تتولى الجهات التنظيمية في مختلف أنحاء العالم الآن وضع خطوطه العريضة. ذلك أن وكالات تقييم الائتمان التي تلعب دوراً بالغ الأهمية في أسواق رأس المال الحديثة كانت فاشلة تماماً في الاضطلاع بدورها في السنوات التي سبقت الأزمة المالية. والمطلوب الآن إيجاد آلية فعّالة لتقييم وكالات التقييم.

هناك اعتراف واسع النطاق بأن وكالات التقييم تخلت عن المستثمرين. والواقع أن العديد من المنتجات المالية المرتبطة بالقروض العقارية، والتي صنفتها مؤسسات مثل ستاتندرد وبور، ومودي، وفيتش، باعتبارها منتجات آمنة أثناء سنوات الرواج والازدهار، تبين في نهاية المطاف أنها كانت خطيرة إلى حد مهلك. والمشكلة هنا لا تقتصر على مثل هذه المنتجات المالية: فما دام بوسع الجهات المصدرة لسندات الدين الأخرى أن تختار الشركات التي تتولى تقييمها وأن تدفع لها تكاليف تقييمها، فإن الحوافز التي تدفع هذه الوكالات إلى الرد بمنح هذه السندات تقديرات جيدة باتت قوية للغاية.

ماذا يتعين علينا أن نفعل إذن؟ من بين المسارات المقترحة أن نقلل من أهمية آراء وكالات التقييم. ففي العديد من الحالات تنبع أهمية التقديرات جزئياً من المتطلبات القانونية التي تلزم المستثمرين المؤسسيين والشركات الاستثمارية أو تشجعهم على الاحتفاظ بمحافظ الأصول التي حصلت على تقديرات عالية بما فيه الكفاية من وكالات التقييم المعترف بها.

بيد أن خيبة الأمل إزاء أداء وكالات التقييم، فضلاً عن التشكك في مدى فعالية القيود التنظيمية، أدت إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بإزالة أي اعتماد تنظيمي على تقديرات وكالات التقييم. وعلى هذا فإن لم تكن التقديرات مدعومة بقوة القانون فلا ينبغي للجهات التنظيمية أن تشغل بالها بجودة التقييم، بل سوف يكون بوسعها أن تترك مسألة مراقبة التقديرات للسوق.

ولكن حتى لو لم تعد التقديرات مطلوبة أو لم يعد القانون يشجعها فإن الطلب على التقديرات ـ والحاجة إلى تحسين جدارتها بالثقة ـ سوف يظل باقياً. والواقع أن العديد من المستثمرين غير قادرين على التحقق من مدى رجوع العائدات المرتفعة التي تحققها أصول الصناديق إلى الإفراط في خوض المجازفة، وبالتالي الاستفادة من تقديرات أصول تلك الصناديق. وبالنظر إلى التجارب الماضية فلا يجوز لنا أن نعتمد على سمعة السوق في ضمان جدارة هذه التقديرات.

وهناك نهج آخر يتلخص في تفعيل نظام المسؤولية. وانطلاقاً من وجهة النظر هذه فإن الحوافز التي تحرك وكالات التقييم سوف تتحسن إذا تمكن المستثمرون من إقامة الدعاوى القضائية على هذه الوكالات. ولكن رغم أن هذا التدقيق القضائي قد يكون فعّالاً في إزالة بعض الحالات الصارخة، فإنه يعجز عن ضمان قيام وكالات التقييم بالتصرف السليم ما دمنا لا نتوقع من المحاكم أن تتمكن من تمييز التصرف المناسب بعد وقوع الحدث.

وهذا يعني أننا لن نجد بديلاً لتوفير الحوافز لوكالات التقييم على النحو الذي يدفعها إلى تقديم تقديرات دقيقة قدر الإمكان. ومن الممكن أن يتم هذا من خلال تعليق أرباح وكالات التقييم على الأداء الطيب للمنتجات المالية موضع التقييم بالنسبة للمستثمرين، وليس على مدى إرضائها للجهات المصدرة لتلك المنتجات والتي تختار وكالات التقييم بنفسها. وإذا أصبحت أرباح وكالات التقييم معتمدة على مثل هذا الأداء ـ مدى دقة التقديرات ـ فإن حافز الربح من شأنه أن يتحول من مصدر للحوافز الضارة إلى مصدر للحوافز المفيدة.

في هذا الشهر صوت مجلس الشيوخ الأميركي لصالح إدراج مثل هذه الآلية في مشروع قانون الإصلاح الذي بات من الضروري الآن توفيقه بموجب مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب الأميركي. وطبقاً للنهج الذي يتبناه مجلس الشيوخ فيتعين على الجهات التنظيمية أن تعمل على إنشاء القواعد التنظيمية التي ينبغي للجنة تنظيمية مستقلة أن تختار وكالات التقييم بموجبها. وسوف يُسمَح لهذه اللجنة بتأسيس اختياراتها على الأداء السابق لوكالات التقييم.

ولكي تعمل مثل هذه الآلية بشكل جيد فلابد وأن تربط عدد المهام التي نجحت وكالات التقييم في أدائها على النحو السليم، والرسوم التي حصلت عليها، بالتدابير المتوافقة مع أدائها. وينبغي لهذه التدابير أن تركز على ما يجعل التقديرات ذات قيمة بالنسبة للمستثمرين الذين يستخدمونها ـ مدى دقتها في التنبؤ بالصحة المالية.

وحالما يتم وضع هذه الإلية فلا ينبغي لها أن تقتصر على التقديرات الخاصة بالمنتجات المالية المهيكلة (كما هي الحال في مشروع القانون المعروض على مجلس الشيوخ للأسف)، بل لابد وأن تنطبق على كل المنتجات التي تتولى وكالات التقييم تقييمها. والواقع أن كل تقديرات المنتجات المالية تثير نفس المشاكل المرتبطة بالحوافز ومن الممكن أن تستفيد بدورها من الإصلاح.

وكما كان متوقعاً، واجه مشروع القانون المعروض على مجلس الشيوخ مقاومة شديدة من وكالات التقييم المهيمنة. فزعمت مؤسسة ستاندرد آند بور أن مثل هذه الآلية من شأنها أن تقدم لوكالات تقييم الائتمان "قدراً أقل من الحوافز للتنافس فيما بينها، وملاحقة الإبداع، وتحسين النماذج والمعايير والأساليب المنهجية التي تعتمد عليها في التقييم".

صحيح أن مثل هذه الآليات من شأنها أن تحد من الحوافز السلبية لدى وكالات التقييم للتنافس فيما بينها بهدف إرضاء الجهات المصدرة للمنتجات المالية، وملاحقة الإبداع والتحسين على النحو الذي يمكن وكالات التقييم من خدمة مصالح الجهات المصدرة للمنتجات المالية أولاً. ولكنها سوف تعمل بكل تأكيد على تعزيز الحوافز الإيجابية لدى وكالات التقييم للتنافس فيما بينها على تقديم التقديرات الدقيقة، وملاحقة الإبداع والتحسين على النحو الذي يمكنها من تحقيق ذلك الهدف الأعظم فائدة على الصعيد الاجتماعي.

إن وكالات التقييم تشكل مظهراً مهماً من مظاهر سوق رأس المال المعاصرة ـ ولابد وأن تستمر في أداء مهمتها. ولكن لكي ينجح نظام التقييم فلابد من تقييم وكالات التقييم أولاً.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured