Wednesday, September 17, 2014
3

بوتن والمفارقة الكامنة

موسكو ــ استُقبِل استرجاع بوتن لمنصب الرئاسة في روسيا بالسخرية والاستهزاء على نطاق واسع، سواء في الداخل أو الخارج. ولكن عودة الطاغية إلى الكرملين قد تكون أفضل أمل لروسيا للهروب من الركود.

فبفضل احتقاره العلني للمجتمع الروسي ــ والذي تجسد في استجابته المستهزئة للمظاهرات الواسعة النطاق ــ فضلاً عن غطرسته، واستعداده لخنق المعارضة، وخوفه من المنافسة،  تمكن بوتن منفرداً من تحطيم الأسطورة القديمة التي أشاعها بنفسه: وهي أن القوة الكامنة المتمثلة في شخصه قادرة على تحديث البلاد مع الحفاظ على الاستقرار.

لا شك أن الكرملين تحت حكم بوتن ــ وزمرته الفاسدة ــ لا زال صاحب القرار. ورغم أن قراره بالعودة إلى الرئاسة تسبب في إثارة الحنق الشديد بين العناصر الأكثر ديناميكية من سكان المناطق الحضرية في روسيا، فقد ظل بقية مواطني روسيا على عدم رضاهم ولكنهم احتفظوا بهدوئهم. وعلى نحو مماثل، تقاعس عن العمل المحبطون من المفكرين وأبناء الطبقة السياسية في روسيا، الذين يعتمد عليهم بقية مواطني روسيا في الدعوة إلى التغيير. ويعمل ارتفاع أسعار النفط العالمية، والخوف المستوطن من التغيير، والافتقار إلى البدائل القابلة للتطبيق، والاعتماد على الهبات الحكومية، على إبقاء روسيا في حالة من الجمود.

وعلاوة على ذلك، استغل الكرملين تحت حكم بوتن الغرب ــ الحريص على المشاركة وسياسة "إعادة ضبط العلاقات" مع روسيا ــ لإضفاء الشرعية على حكمه الاستبدادي وتوفير الفرص لاندماج أقرانه المرتشين في المجتمع الغربي. والواقع أنهم باستغلال الغرب لغسل أموالهم القذرة، انتقم بوتن وزمرته بطريقة ما لانهيار الاتحاد السوفييتي بتقويض مبادئ الغرب وتشويه سمعة الديمقراطية الليبرالية في نظر أهل روسيا.

ولكن الشقوق تنتشر في المجتمع الروسي، وتهدد الوضع الراهن. ولكن ليس المعارضة أو الثورة الشعبية هي التي بدأت في زعزعة استقرار نظام بوتن، بل هي نفس القوى التي ساعدت في الإبقاء على هذا النظام.

فبعد انتظار دام 12 عاماً من أجل التغيير من أعلى، أدرك الروس أخيراً أن نظامهم السياسي من غير الممكن أن يتحول إلا من الأسفل ــ عبر الثورة الشعبية. وفي غياب القنوات المؤسسية اللازمة للتعبير عن مظالمهم إزاء الامتيازات الفاسدة التي حافظت على قوة النخبة الحاكمة، فقد بات لزاماً عليهم النزول إلى الشوارع.

ولكن يبقى السؤال: هل تتمكن روسيا هذه المرة من الهروب من الفصل الأخير التقليدي، حيث يتبين أن النظام الجديد أكثر شراسة من سابقه؟ أم هل يجد الروس لمواصلة الثورة السلمية؟

إن الكرملين اليوم يسهم في زوال نفسه بنفسه بطريقة عنيفة، حيث يتعمد إضعاف الروح المعنوية للمجتمع الروسي. فهو يشوه سمعة الليبرالية من خلال توظيف الخطاب الليبرالي وتعيين زعماء ليبراليين لإدارة حكمه الاستبدادي، وترك المعارضة السياسية للأحزاب اليسارية والقوميين.

وبفضل عودة بوتن إلى الممارسة الستالينية المتمثلة في إرسال رجال الشرطة لتفتيش منازل المعارضين، إلى جانب محاولاته الرامية إلى إعادة إشعال العداوة بين فئات المجتمع ــ على سبيل المثال بين روسيا الريفية والطبقة المتوسطة في المناطق الحضرية ــ يتعمق العداء وانعدام الثقة بين المواطنين. وبهذه الطريقة، يعمل نظام بوتن على زيادة حدة رغبة المنشقين السياسيين في الانتقام ــ وبالتالي إعاقة التغيير السلمي.

وبالفعل، بدأت التوترات القديمة تشتد؛ فقد نزل عشرات الألوف من المواطنين إلى الشوارع منذ أعلن بوتن في عام 2011 عن اعتزامه العودة إلى منصب الرئاسة. وكانت عودته إلى الكرملين سبباً في تحريض بعض من أكبر الاحتجاجات التي شهدتها موسكو منذ تسعينيات القرن العشرين. ورغم انحسار المظاهرات الشعبية ــ نتيجة للقوانين الصارمة الجديدة المكافحة الاحتجاجات ــ فإن تراكم المزيد من الصراع تحت السطح يعني أن الانفجار في نهاية المطاف سوف يكون أشد تدميرا.

ومن خلال فرض الرقابة على وسائل الإعلام، وتشويه سمعة المعارضة المعتدلة، واستفزاز السخط الشعبي، يلعب بوتن بالنار. ورغم أنه من المستحيل أن نتوقع متى قد تنفجر روسيا، فإن الشقوق المتنامية التي أصابت النظام لا يمكن إنكارها.

إن الكرملين، البعيد كل البعد عن القدرة على السيطرة على الموقف، لا يدرك تماماً ما يور من حوله. إن روسيا تتجه نحو حافة الهاوية. إن هروب رؤوس الأموال بكميات ضخمة والجهود التي يبذلها المقربون من الكرملين لهندسة الهبوط الآمن لأنفسهم في الغرب تُظهِر أن نهاية عهد بوتن باتت قريبة حتى في نظر أبناء زمرته.

إلا أن الكرملين تحت حكم بوتن يعمل بلا كلل على منع تشكل أي معارضة قوية ــ الأمر الذي يزيد من خطر انهيار النظام في غياب أي بديل قابل للتطبيق. وكلما طال أمد بقاء بوتن في السلطة، كلما كان الفصل الأخير في حياة نظامه أشد عنفاً وتدميرا.

من الأهمية بمكان أن تبدأ روسيا والغرب التخطيط للمستقبل. ولكن من المؤسف أن يقظة روسيا تتزامن مع بداية الانحدار الظاهري للغرب. ولكن يتعين على الغرب بدلاً من البقاء شريكاً لنظام بوتن الفاسد أن يساعد الشعب الروسي في تلمس مصيره الجديد.

ولا ينبغي للمواطنين الروس أن يفقدوا الأمل. إن عودة بوتن إلى الكرملين، رغم كونها أمراً مؤلما، قد تسفر في نهاية المطاف عن وضع حد لمعاناة المواطنين الروس بالتسبب في تدمير النظام برمته. فعندما يكون الخيار بين انهيار نظام عفا عليه الزمن أو تدهوره البطيء، فإن فك الارتباط النظيف السريع يقدم عادة آفاق أفضل لبداية جديدة.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedSteven Leighton

    Cannot help but notice some parallel with Mexico... and the solution is the same; development of the democratic citizen.

  2. CommentedYoshimichi Moriyama

    As I am a little bit ashamed to repeat a comment I posted to Nina Khrushchevana's The Eternal Putin, the seventy years' Bolshevik rule was a Great Leap Backward for the possibility of democratic Russia. It destroyed whatever little political and cultural legacy for democracy there was in Czarist Russia. It strengthened traditional autocratic elements of Russian Society.

    As many say, there is a road from capitalism to communism but it is a one way road.

  3. CommentedFrank O'Callaghan

    Lootocracy is not particular to Russia. The expropriation of the wealth of the Soviet State by and for a tiny group of linked 'oligarchs' is an exact diametric opposite of the theory of communism. The appalling price paid by the people of the 20th century Soviet state to modernise and enrich their country and compete with the West has been liquidated into the hands of a criminal minority.

    This very phenomenon is at the heart of the 'crisis' in Europe. The liquidation of amassed social wealth into the hands of a small lootocracy. Putin is a symbol for this. As are Cameron, Bush and many others.

Featured