Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

هل بوتن شخص انتحاري؟

يعتزم الرئيس فلاديمير بوتن في نهاية هذا الأسبوع زيارة أوكرانيا، أو المسرح الذي شهد أكبر أخطائه الفادحة في مجال السياسة الخارجية. وإذا نظرنا إلى تصرفاته التي تتسم بِقِصَر النظر في الداخل، حيث يبدو عاجزاً على نحو متزايد عن التعامل مع أي من المؤسسات بأي قدرٍ من الاستقلالية، فلسوف نجد أن هذه الزيارة في غير محلها.

على سبيل المثال، بادر الرئيس فلاديمير بوتن مؤخراً إلى إلغاء الانتخابات في أقاليم روسيا. ومنذ الآن فصاعداً سيتولى أفراد معينين من قِـبَل الرئاسة حكم دولة تتماثل في تعقيدها وتعدد عرقياتها مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة. ولا أستطيع أن أقول إن هذه الوصفة من نتاج التفكير المحنك.

والحقيقة أن المسئولين الرسميين المنتخبين في روسيا قد أصبحوا من بين الأنواع المعرضة لخطر الانقراض. إن فنون "السحر الأسود" التي يستعين بها الكريملين في التلاعب بالانتخابات بالخداع وسبل أخرى، والتي باتت تعرف باسم "التكنولوجيا السياسية" في روسيا، سوف لن تُـسْـتخدم بعد الآن إلا في الانتخابات في الدول الأجنبية، والتي أصبحت الانتخابات الحقيقية الوحيدة التي ينبغي أن ينشغل بها الكرملين بعد أن تم تحييد أصوات الناخبين في روسيا. ولقد كان التبرير الذي ساقه الكرملين بشأن إلغاء الانتخابات في روسيا هو الحاجة إلى مكافحة الإرهاب. لقد أصبح هذا المبرر الآن بمثابة الغاية التي تبرر كل وسيلة.

كيف حدث هذا؟ كيف تقلصت وتركزت كل المشاكل المعاصرة، وعلى نحو خاص في روسيا، في مشكلة واحدة ألا وهي الهجمات الإرهابية والعمليات المضادة للإرهاب؟ فإن مشاكل مثل الفقر، والعنصرية، والتراث الإيديولوجي ما زالت حاضرة وبارزة كما كانت منذ ثلاثة أعوام أو حتى ثلاثين عاماً. فالإرهاب لم يؤد إلى تفاقم هذه المشاكل، وقوات الأمن لم تساعد في إيجاد الحلول لها.

بل على العكس تماماً، لقد أدى "الإرهاب المزدوج" الناتج عن الإرهاب والإرهاب المضاد إلى صرف انتباه الرأي العام عن تلك المشاكل الحقيقية التي، كما ما زال البعض منا يتذكرون، كانت هي الأسباب الأصلية التي أنتجت الإرهاب. فما زالت مواقع من العالم تنبض بالألم وتئن تحت وطأة وباء الإرهاب، مثل فلسطين والشيشان، بلا علاجات أو حلول أو مداواة. ولقد بات الاستقلال الوطني لهاتين المنطقتين الآن أكثر تعذراً وأبعد منالاً مما كان قبل أن يبدأ عصر الإرهاب.

كان الماضي بطبيعة الحال أبعد ما يكون عن الكمال، لكن على ما يبدو أن الحكومات والشعوب في كل مكان أصبحت أكثر قدرة على تحمل الفشل والتسامح معه. فبعد خسارة المعارك كانت المحادثات تبدأ. ولقد أدت المحادثات في نهاية الأمر إلى تشكيل دول محترمة، بداية من إيطاليا في القرن التاسع عشر، إلى الهند في منتصف القرن العشرين، إلى اريتريا مع اقتراب نهاية القرن العشرين.

تعالوا بنا نتخيل الرئيس بوتن زعيماً لروسيا في عام 1920، حين نالت بولندا الاستقلال عن روسيا، أو في عام 1991 حين استقلت جورجيا. ترى هل كان قد يبادر إلى الانخراط في محادثات سلام؟ لقد تحللت اللعبة الإمبريالية الكبرى التي تحدث عنها كيبلنج ذات يوم
إلى حلقة مفرغة في وقتنا الحاضر، حيث تستجيب قوات الأمن في كل مكان لنمو الإرهاب، ونمو الإرهاب بدوره يستجيب لقوات الأمن التي تتعاظم قوتها مع الوقت.

وعلى ما يبدو أنه كلما كانت اليد الضاربة أثقل وطأة كلما اشتدت المقاومة،
وكلما اشتدت المقاومة ازدادت وطأة اليد الضاربة. وفي النهاية تُـطْمَر القضايا الأصلية تحت أنقاض جرائم الإرهابيين والأخطاء التي ترتكبها قوات الأمن. ومع كل دورة من هذه الحلقة المفرغة يصبح كل من الطرفين، الإرهابيين وقوات الأمن، أقرب إلى الآخر. وتصبح المصلحة المشتركة بين الطرفين هي استمرار اللعبة.

تستخدم أحزاب المعارضة نفس الأسلحة، فتلجأ إلى استخدام تكتيكات مشابهة،
وتبشر على نحو متزايد بغايات فكرية مشابهة. وتستمر الحلقة في الدوران إلى أن تتغير قواعد اللعبة. ولكن ما الذي يجعلها تتغير؟

في تاريخ روسيا هناك موقف مشابه. فمع مطلع القرن العشرين شرع الثوريون الاشتراكيون تحت قيادة إيفنو آسيف في سلسلة من الهجمات الإرهابية ضد الموظفين الرسميين للدولة. وعند مرحلة ما تحول آسيف إلى عميل مزدوج. فكان في بعض الأحيان يقتل أحد المسئولين الرسميين ممن ليسوا على وفاق مع قوات الشرطة. وفي أحيان أخرى، فإن الشرطة ببساطة ما كانت لترغب في إفشاء سر عميلها العزيز.

ومع استغلال كل طرف من الطرفين للآخر أصبح التمييز بين الإرهابيين وقوات الأمن
أمراً متعذراً. ونستطيع أن نطلق على هذا " تأثير آسيف ". وبمجرد أن يتشكل مثل هذا التحالف، فلن يوقفه شيء إلا الثورة ـ التي كانت في هذه الحالة الثورة البلشفية.

لذا، فلابد وأن تتوقف هذه اللعبة، حتى ولو على سبيل الحرص على حياتنا نحن المتفرجين الأبرياء. لكن المرء إذا لم ير في نظيره بشراً مثله، فإنه لن يتحدث إليه، بل إنه إما أن يستغله
أو يقتله. وبهذا يرتفع "الآخر" إلى مركز السياسة العليا. وهذه هي كيفية عمل
" تأثير آسيف ".

كان هذا ما فعله البلاشفة بالبرجوازيين، وكان هو ذاته ما فعله النازيون باليهود. لكن الإمبراطوريات الكلاسيكية التقليدية تعلمت ألا تفعل هذا بالشعوب التي تستعمرها.
ونجحت مع الوقت في ابتكار أساليب فاتنة لبسط سيطرتها على رعاياها، وتتصل هذه الأساليب بالتعليم، والرشوة، واستخدام القوة. ومع تَـعَـلِم فنون الاستشراق العظيمة، أدركت الإمبراطوريات الكلاسيكية كيف تستمر في التحدث إلى الطرف الآخر بينما تظل على مبعدة منه.

إن إلغاء الديمقراطية في أقاليم روسيا، والتي تضم مناطق تسكنها أغلبية من المسلمين
مثل تاراستان وداغستان، ليس سوى فِـعْلة مهلكة مدمرة. فقد كان السلام المدني الذي تحقق في هذه المناطق واحداً من الإنجازات القليلة التي تستطيع روسيا المعاصرة أن تفخر بها.

إذاً فالسؤال الآن هو: هل بوتن شخص انتحاري؟ كلا لسوء الحظ. وهو مدين باستمراره في منصبه للشيشان، كما قد يدين بوش للعراق ببقائه رئيساً للولايات المتحدة.
لكن الشيشان، على الرغم من كرمها تجاه بوتن ، إلا أنها منطقة صغيرة فقيرة منغلقة على ذاتها. وبتحويل مناطق شاسعة من روسيا إلى مناطق جديدة شبيهة بالشيشان، فإن بوتن وزمرته يحسبون أنهم ـ إن آجلاً أم عاجلاً ـ سوف يمارسون حتى النهاية لعبة الإرهاب والأمن مع الملايين من المسلمين في السهول الغنية بالنفط في أوراسيا.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.