Friday, October 31, 2014
0

اختيار بوتن

بروكسل ــ كانت عودة فلاديمير بوتن إلى الكرملين رئيساً لروسيا أمراً مفروغاً منه دوما. ولكن عند يؤدي اليمين الدستورية في السابع من مايو/أيار، فإنه سوف يسترد المسؤولية الرسمية عن البلد الذين تحولت سياسته ــ بل وحتى مستقبل بوتن السياسي ذاته ــ إلى عالم لا يمكن التنبؤ به.

وكان من المفترض أن تمثل عودة بوتن إلى الرئاسة، بعد فترة من السيطرة الفعلية في منصب رئيس الوزراء، استمراراً مطمئناً "للعمل كالمعتاد" ــ دولة قوية منظمة خالية من التأثيرات المزعزعة للاستقرار مثل الديمقراطية المتعددة الأحزاب والمشاحنات السياسية.

ولكن بدلاً من هذا، تحدى الشعب الروسي الآن الوضع الراهن. فكان ردهم على خطة بوتن ــ بداية من الإعلان في سبتمبر/أيلول الماضي عن تنحي الرئيس ميدفيديف جانباً لمعلمه، على الانتخابات البرلمانية والرئاسية المعيبة إلى حد كبير ــ واستياؤهم المتراكم إزاء الثروات الهائلة التي جمعها المقربين في الكرملين، من الأسباب التي فرضت ضغوطاً على بوتن ونظام الحكم من الأعلى إلى الأسفل الذي أسسه.

وعلى ضوء استجابة بوتن السياسي المخضرم لهذه الضغوط سوف يتحدد إرثه السياسي. واستجابة الغرب لعودة بوتن إلى الرئاسية قد تساهم بوضوح في دفعه على تطبيق الإصلاحات المحررة والبقاء، أو شحذ غرائزه السلطوية المستمدة من عمله السابق في الاستخبارات الروسية وتغذية المزيد من الاحتجاجات.

لا شيء يعرض الوعكة التي ابتليت بها روسيا تحت حكم بوتن بوضوح أكثر من قضية سيرجي ماجنتسكي، المحامي الذي يعمل لحساب صندوق استثماري بريطاني. فقد كشف عن عمليات احتيال ضريبي ضخمة وتواطؤ مزعوم واسع النطاق للسلطات. وكانت المكافأة التي تلقاها في مقابل فضح هذه الجريمة السجن وسوء المعاملة إلى أن توفي في ظروف غامضة. والعجيب في الأمر أن السلطات الروسية تواصل محاكمته حتى بعد وفاته، فضلاً عن الاستمرار في تنفيذ عمليات الاحتيال الضريبي التي فضحها.

يعكف كونجرس الولايات المتحدة حالياً على مناقشة قانون يقضي بفرض تجميد الأصول وحظر التأشيرة على ستين شخصاً اعتبروا مسؤولين بدرجة ما عن احتجاز ماجنتسكي ووفاته. والواقع أن العديد من مؤيدي القانون يريدونه أن يحل محل تعديل جاكسون-فانيك، وهو القانون الذي استن أثناء فترة الحرب الباردة والذي يقيد تجارة الولايات المتحدة مع روسيا ــ والذي تسعى إدارة أوباما إلى إلغائه. وهذا التغيير من شأنه أن يحمل فائدة مزدوجة: فهو كفيل بتعزيز التجارة وفي الوقت نفسه محاسبة الأشخاص المسؤولين عن انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان.

ومن ناحية أخرى، أقر مجلس العموم في المملكة المتحدة مؤخراً قراراً مشابهاً للتشريع المقترح في الولايات المتحدة. إن لندن تُعَد من بين المقاصد المفضلة للأثرياء الروس، والحكومة البريطانية تدرس الآن دعم هذه المبادرة، ولو أن هناك مؤشرات تدل على احتفاظها بقائمة غير رسمية وغير منشورة للأشخاص المحظورين من أجل استباق التحديات القانونية. وفي أوتاوا، دعا البرلمان الكندي إلى اتخاذ تدابير مماثلة، بما في ذلك تجميد أصول أولئك المسؤولين عن وفاة ماجنتسكي، كما فعل البرلمان الأوروبي، الذي دعا الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراء جماعي.

إن فرض مثل هذه العقوبات الموجهة يشكل إشارة لا تقبل الجدال إلى أن الغرب لن يتنازل عن قيمه الأساسية ــ القيم التي تزعم روسيا تحت قيادة بوتن أنها تشاركه إياها. ومن شأنه هذه العقوبات أن تشكل سابقة من الممكن أن تمتد إلى كل هؤلاء في روسيا وغيرها من الدول الذين ينتهكون حقوق الإنسان بشكل منتظم، وليس فقط تلك الحقوق المتعلقة بالحرمة الجسدية.

على سبيل المثال، يمكن تمديد هذه التدابير بحيث تغطي كل هؤلاء الذين ينتهكون الحقوق الأساسية المتصلة بالإجراءات القانونية، مثل الحق في محاكمة عادلة. وهذا من شأنه أن يسلط الضوء على الحالة الشهيرة لقطب النفط السابق ميخائيل خودوركوفسكي، الذي انتهت به الحال إلى السجن عقاباً له على طموحاته السياسية، والذي اعتبرته منظمة العفو الدولية بعد محاكمته الثانية سجين رأي.

وقد تشمل هذه التدابير أيضاً انتهاك حقوق السجناء، مثل حالة مستشار خودوركوفسكي القانوني السابق فاسيلي أليكسانيان، الذي حُرِم من العلاج من مرض الايدز في السجن، ولم يُطلَق سراحه إلى بعد تدخل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. والواقع أن إعلان ميدفيديف بعد يوم واحد من انتخاب بوتن في الخامس من مارس/آذار عن إعادة نظر قضية خودوركوفسكي يشكل بداية تبعث على الأمل.

إن فرض عقوبات السفر على المشتبه في ارتكابهم جرائم متعلقة بحقوق الإنسان يشكل وسيلة معقولة وعملية للمضي قدما. فهذا من شأنه أن يظهر أن الغرب لا يسعى إلى معاقبة روسيا أو الروس عموما، بل إنه يريد فقط معاقبة هؤلاء الأفراد الذين يملك الغرب أدلة قوية على تورطهم في انتهاكات حقوق الإنسان. ومن شأنه أيضاً أن يذكر روسيا بالتزاماتها القانونية الدولية، وخاصة بوصفها عضو في كل من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وفي مجلس أوروبا، الذي يتألف من 47 دولة، بما في ذلك روسيا وغيرها من الدول التي تخالف بعض معاهداتها.

في الماضي، نجح بوتن في تسويق نفسه بوصفه رجلاً قوياً، وخلاصة الاستقرار، وضامناً لمنع الفوضى. ولكن أسلوب الحكم الذي ينتهجه بوتن يشكل الآن المصدر الرئيسي في روسيا لعدم الاستقرار، مع نزول أبناء الطبقة المتوسطة في البلاد إلى الشوارع احتجاجاً على الفساد وافتقار حكمه إلى الكفاءة. والآن أصبح لدى الغرب الفرصة ــ والالتزام ــ بإقناع بوتن بأن حماية مصالحه الخاصة يتطلب الإصلاح الديمقراطي العميق والدائم في روسيا، بداية بالالتزام الواضح الصريح بسيادة القانون. وبوتن أيضاً لديه فرصة نادرة، مع بداية فترة ولايته الثالثة كرئيس، لاستعادة سمعته التي لحق بها قدر عظيم من التشوه.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured