Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
6

الغرض من السلطة

بودابست ــ إن إعادة الانتخابات البرلمانية اليونانية في السابع عشر من يونيو/حزيران ليست سوى آخر عَرَض من أعراض أخطر أزمة تعصف بالديمقراطيات الغربية والمجتمعات المفتوحة منذ ستينيات القرن العشرين. ففي الغرب اليوم تكافح الديمقراطيات الليبرالية لتجنب ــ وفي كفاحها هذا تتسبب في تفاقم ــ أزمة الهوية، التي تعرض العقد الاجتماعي القائم للخطر وتهدد بانهيار هذه الديمقراطيات.

لقد أورثت نهاية الحرب الباردة زعماءنا مجموعة جديدة من تحديات الحكم، التي تزايدت في الحجم بسرعة كبيرة، ويرجع هذا في الأغلب إلى تسارع العولمة، والعواقب التي ترتبت على تحرير الاقتصاد في ثمانينيات القرن العشرين، وثورة التسعينيات في تكنولوجيا المعلومات. والواقع أن هذه التحديات، التي لم تعالج بالقدر الكافي، سرعان ما دفعت العديد من الناس إلى التشكك في استمرار جاذبية الديمقراطية الليبرالية في الديار وعالميتها في الخارج، واستكشاف مدى جدارة "النموذج الصيني"، الذي يتميز بكونه شكلاً من أشكال الاستبدادية أو رأسمالية الدولة.

ثم جاء الانهيار المالي عام 2008، الذي سرعان ما تحول إلى أعمق ركود اقتصادي يشهده الغرب منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ليصب الزيت على النار، في حين انهمك صناع القرار السياسي في حالة غير شفافة من إدارة الأزمة، فتسامحوا مع قدر هائل من تدخل الدولة في الاقتصاد وتعميم خسائر القطاع الخاص على المجتمع على نطاق غير مسبوق. وكان التقشف المالي الناجم عن ذلك سبباً في انزلاق العديد من الناس على ما دون خط الفقر وتسارع اتساع فجوة التفاوت الاقتصادي، في حين تعافت العديد من مؤسسات القطاع الخاص على حساب المال العام.

ولكي يزيد الطين بلة عملت الأسواق المالية في اليونان وإيطاليا، اثنتين من أشد الدول تضرراً بالأزمة، على خلع حكومات منتخبة، ولو أنها كانت تعاني من القصور. واضطر رئيس الوزراء اليوناني السابق جورج باباندريو إلى الاستقالة في العام الماضي بعد أن تجرأ واقترح إجراء استفتاء لتقرير المستقبل الاقتصادي لمواطنيه. (من عجيب المفارقات هنا أن الانتخابات القادمة سوف تعمل في واقع الأمر عمل الاستفتاء الذي اقترحه باباندريو في أكتوبر/تشرين الأول 2011).

في جذور الأزمة الأوروبية (والأزمة المعادلة لها في الولايات المتحدة) يكمن التحول الذي طرأ على تكوين السلطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فكانت الديمقراطيات الليبرالية والمجتمعات المفتوحة تعتمد تقليدياً على التوازن الدقيق بين هذه الأشكال الثلاثة من السلطة. وعلى مدى العقدين الماضيين، عجزت النخب عن الحفاظ على هذا التوازن، حيث تحولت السلطة الاقتصادية منذ مدة طويلة إلى العالمية وفصلت نفسها عن السلطة السياسية، التي كثيراً ما أفسدت السياسات الديمقراطية.

وفي الوقت نفسه تم تهميش السلطة الاجتماعية، التي تُعَد بمثابة الأكسجين للشرعية الديمقراطية، على النحو الذي جعلها تتحول على نحو متزايد بعيداً عن القنوات الناقلة التقليدية في عالم السياسة. والنتيجة هي تآكل مكانة الأحزاب السياسية الرئيسية والنقابات المهنية، فضلاً عن مستويات متدنية للغاية من الثقة في الحكومات. وبدعم من وسائل الإعلام الجديدة، بدأت الهويات تتشكل حول شبكات جديدة من التفاعلات الاجتماعية التي كثيراً ما تتحدى حدود الدولة والتي لا ترتبط إلا قليلاً بمؤسسات الحكم التقليدية في الديمقراطية الليبرالية.

ولقد تُرجِم رفض نخب اليوم لتعزيز التوازن الفعّال بين السلطات الثلاث ــ لإدراك الغرض الأوسع نطاقاً فيما وراء تعظيم كل فرد لسلطته ــ بوضوح إلى تراجع الاهتمام بالصالح العام. ولقد خلف هذا عواقب وخيمة على الديمقراطية الليبرالية والمجتمعات المفتوحة.

ومع تضاؤل السلطة السياسية (واغتصابها في بعض الأحيان) بسبب التحولات التي طرأت على السلطة الاقتصادية، وانفصالها عن قاعدتها الاجتماعية على نحو جعلها تفقد شرعيتها على نحو متزايد، فهذه هي ساعة الشعبويين والمتطرفين، الذين نراهم الآن وهم يتلاعبون بالديمقراطيات الضعيفة في العديد من الدول الأوروبية، مع تحول الحركات المتطرفة إلى منافسين أقوياء على السلطة وتهديدها بمحو إنجازات أكثر من ستين عاماً من التكامل الأوروبي. وفي الولايات المتحدة انزلق النظام السياسي إلى نوع من الشلل الحزبي المستعصي، الأمر الذي قد يقوض إلى حد خطير نظام الضوابط والتوازنات ويولد شعور عميق بالضيق والإحباط.

نحن نقف الآن عند منعطف حاسم. إن إعادة خلق الديمقراطية والمجتمعات المفتوحة في عصر العولمة يتطلب الاستثمار في أفكار جديدة لإعادة التوازن إلى السلطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المستويين الوطني والعالمي. فعلى المستوى الوطني نحتاج إلى التجريب مع آليات جديدة لوضع السياسات وتنفيذها، وإعادة ربط المؤسسات الديمقراطية بالمواطنين والشبكات الناشئة من المجتمع المدني. وعلى المستوى العالمي، يتعين علينا أن نسمح للسلطتين السياسية والاجتماعية بترسيخ مكانهما الصحيح بجانب السلطة الاقتصادية.

إن مجرد الترقيع لن يجدي؛ فنحن في احتياج إلى تحول في البنية المؤسسية العالمية. وما لم نتمكن من إيجاد حيز سياسي اجتماعي عالمي، فلن يكون بوسعنا أن نتداول بشكل مشروع حول توفير المنافع العامة العالمية، ناهيك عن تسلميها بنجاح. إن الدفع نحو مثل هذا الحيز لابد أن يتقدم طليعته القادرون على خوض المجازفات ــ أصحاب المشاريع الاجتماعية والسياسية الذين لا يخشون العمل عبر الخطوط التي كانت تقليدياً تقسم القطاعات والدول، والتي تساعد في إعادة خلق مجتمع عالمي من الغرض من وراء السلطة.

ذات يوم وصف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر سور برلين بالمرآة. في ضوء النظام السوفييتي، كان من السهل حقاً أن نتجاهل أسباب ضعفنا وقصورنا. ومع انهيار السور، ناضل أهل النخب من أجل الحفاظ على وهم مسيرة النصر الوشيكة للديمقراطية الليبرالية في مختلف أنحاء العالم، والذي تعرى الآن بفعل الأزمة الاقتصادية على ضفتي الأطلسي.

لقد أضعنا عقدين من الزمان في البحث عن الاستجابة المناسبة للعولمة وأزمة الديمقراطية الليبرالية والمجتمعات المفتوحة. والآن حان الوقت للبدء في تأمل صادق في السلطة والغرض منها في عالم اليوم السريع التغير.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (6)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedGreg Rushing

    I find this article quite vague. "reach across party lines"well, duh. Of course this needs to be done. It is always better for citizens when their self-serving politicians act like disinterested statesmen. But the trick is to think of a way to incentivize them into doing this in a reliable manner. For example, both term limits and being elected "President for life" are possible solutions to the problem of politicians being obsessed with short term political gamesmanship. But these two solutions may raise other problems. The author does not offer any realistic SOLUTIONS for actually accomplishing this aspirational goal.

  2. CommentedKevin Lim

    "At the root of the European crisis (and its equivalent crisis in the United States) is a shift in the configuration of economic, social, and political power. Liberal democracies and open societies have traditionally relied on a fine balance of these three forms of power. Over the last two decades, our elites have been unable to maintain it, as economic power has long since gone global and dislodged itself from political power, often corrupting democratic politics in the process"

    Rubbish. First, this is not a problem plauging liberal democracies. New Zealand, Chile, Australia and Canada arent having any problems. This is a European problem plain and simple. The fact that the author concludes that liberal democracy is under threat simply reveals his eurocentrc view of the world.

    Second, each country has come to this dire state in different ways. In Spain, it was an asset bubble that rocked the boat, so arguably economic power has disrupted political life. But in Greece, it was the political elites abusing economic power to ensure their short term political survival that got them into a mess. Grossly inflating their civil service beyond all reason, allowing a culture of tax evasion to persist (a political decision, it was routine b4 an election to tell tax collectors to stop doing their jobs).

    There is no grand threat to liberal democracy. The roots of this current crisis are awesome only in their magnitude, but otherwise utterly banal and predictable in their nature.

  3. CommentedZsolt Hermann

    This very precise review article says the following:

    "...We stand at a critical juncture. Recreating democracy and open societies in a global age requires investment in new ideas to rebalance political, economic, and social power at both the national and the global level. Nationally, we need to experiment with new mechanisms for policymaking and implementation, reconnecting democratic institutions to citizens and emerging networks of civil society. Globally, we must allow political and social power to establish their rightful place next to economic power.
    Mere tinkering will not do; we need a transformation of the global institutional architecture. Unless we can establish a global socio-political space, we cannot legitimately deliberate over the provision of global public goods, let alone deliver them successfully..."

    I could not agree more, we are at crossroads, and our decision will decide our immediate future and even our long term survival.
    On the other hand I do not fully agree with the following statement:

    "...The push toward such a space needs to be spearheaded by risk takers – social and political entrepreneurs who are unafraid to work across lines traditionally dividing sectors and states, and who help to re-create a global community of purpose beyond power..."

    Risk taking will not do, we have already done enough experimenting and wasting resources. This is why before we do anything, even planning we need a global education program for each and every one of us from leaders to the common people of the street regardless of culture, education, talent, age or nationality.
    Before we move we need to understand what it means to live in a global, interconnected world, what it means that the whole of humanity and the environment around us is totally interdependent, how it is possible to live within available resources, still providing mutual, equal necessities to everybody.
    The information for this education is already around us, we simply have to put it together into a cohesive, complete picture providing us with the blueprint of the global, integral reality we exist in.

  4. CommentedJohn Aho

    I like this analysis but continue to fear the growing darkness of our times. Yes, there is a purpose beyond power, but there is no money in it and our people has been trained aggressively for generations to equate money with purpose. The regulatory, political and media capture of America's democracy by moneyed elites has been breathtaking to observe. The ease of this takeover probably has much to do with the relentless creation of a consumerist society. In addition, tens of thousands of "management consultants" continue to canvass the world, pursuing the project to monetize all human interaction at the expense of local community and ethics. The decades lost that you refer to seem to have begun (at least in America) with the rise of Reagan (and the rejection of Carter and his impossibly naive call for shared sacrifice and public trust). Part of the problem is that the legitimate spaces that individuals previously occupied to promote values other than power (and money) have been serially corrupted and undermined. What sane and decent person would enter politics in the current system? Or the church? Or social work? They are all headed to the dustbin or revamped to serve corporate interests. Instead, what is left over is the doctrine of the corporation itself, a particularly soulless ideology, where increased short-term profit is the fiduciary duty and very meaning of all human activity. With capital flight now a global prospect, domestic democracies are simply not able to rule. Instead, the bond markets dictate major economic policy. This is intolerable to many humans (and strangely comforting that is Greece that finds it so hard to swallow this lifeless pill), who desire to control their own fate and are completely disillusioned with the financial system that elites have bribed or forced upon them. You rightly note that "mere tinkering" will not do, and yet also warn of the rise of radical politics. This seems somewhat contradictory, what may be needed is a rise of a radical center (if such a thing is possible) to brush away crony capitalism and its enablers (and reset the absurd amounts of wealth being plundered at the top), while reforming the state project of institutionalized unproductivity at the bottom. Those are truly radical proposals, but likely necessary if we as a species are to survive.

  5. CommentedAlok Shukla

    Very aptly said private sector losses have been taken care off by tax payer. Austerity is imposed at the individual i.e. no bail out for common citizen. Irony of the moment is what we believe in the western world i.e. free markets, democracy, and preaching the virtues of austerity to bailed out countries by IMF and when the moment of truth came we have done exactly opposite of what we have said so far. Seeds of present rot lies in the past what we need at this moment is some plain talking and soul searching in society and leaders with some spine. At least this way we will restore the trust between the polity and population and this will lead to slow painful organic growth. Be sure there will be no quick fixes for the mess we are in.

  6. CommentedFrank O'Callaghan

    An excellent piece of work. The roots of the problem are in the past. When there was a perceived threat to the existence of capitalism from the Soviet system the response was to compromise between the classes. It has been thought of as 'the bribe' of capitalism.

    Since the end of Eastern European Communism this bribe has been withdrawn. The view that we need to rebalance our society and the power dynamic between social, economic and political is hopeful more than realistic. Power is rarely allowed to slip away.

    This time the threat to capitalism must not be merely external.

Featured