Thursday, July 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

جوائز، وليس براءات اختراع

إن جزءاً من نجاح الطب الحديث يقوم على العقاقير الجديدة، والتي تستثمر شركات المستحضرات الصيدلانية آلاف الملايين من الدولارات في البحوث المرتبطة بها. وتتمكن الشركات من استرداد هذه النفقات بفضل براءات الاختراع، التي تمنحها احتكاراً مؤقتاً وبالتالي تسمح لها بتقاضي أسعار أعلى كثيراً من تكاليف إنتاج العقاقير. وليس لنا أن نطلب الإبداع دون أن نتحمل تكاليفه. ولكن هل الحوافز التي يقدمها نظام براءات الاختراع ملائم، على النحو الذي يضمن إنفاق كل هذه الأموال على النحو السليم الذي من شأنه أن يساهم في علاج الأمراض التي تقض مضجع العالم؟ من المؤسف أن الإجابة هي "كلا بكل تأكيد".

إن المشكلة الجوهرية الكامنة في نظام براءات الاختراع بسيطة: فهذا النظام يقوم على تقييد استخدام المعرفة. وبسبب عدم وجود تكلفة إضافية مرتبطة باستمتاع فرد إضافي بالفوائد المترتبة على استخدام أي جزء من المعرفة البشرية، فإن تقييد المعرفة أمر هدام وغير مفيد. ولكن نظام البراءات لا يقيد استخدام المعرفة فحسب؛ ذلك أن السلطة الاحتكارية "المؤقتة" التي يمنحها، كثيراً ما تجعل الحصول على العقاقير والعلاجات مستحيلاً بالنسبة للأشخاص الذين لا يتمتعون بفوائد التأمين الصحي. وفي العالم الثالث قد يشكل هذا الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة للأشخاص غير القادرين على شراء العقاقير الجديدة التي تحمل أسماءً تجارية، ولكنهم قادرون على شراء العقاقير غير المعبأة والتي لا تحمل أسماءً تجارية. على سبيل المثال، نجحت العقاقير غير المعبأة، والمستخدمة كخط دفاعي أول ضد مرض الإيدز، في تخفيض تكاليف العلاج بنسبة تقرب من 99% منذ العام 2000، حيث انخفضت من عشرة آلاف دولار إلى مائة وثلاثين دولاراً فقط.

ولكن على الرغم من الثمن الباهظ الذي تتكبده الدول النامية، إلا أنها لا تحصل إلا على أقل القليل في المقابل. تنفق شركات إنتاج العقاقير على الإعلان والتسويق مبالغ أضخم كثيراً مما تنفقه على الأبحاث، كما تنفق على الأبحاث الخاصة بالعقاقير التكميلية والتجميلية (لحالات مثل العجز الجنسي أو تساقط الشعر) مبالغ أضخم كثيراً مما تنفقه على الأبحاث الخاصة بالعقاقير المنقذة للحياة، ولا تنفق أي قدر من المال تقريباً على الأبحاث الخاصة بالأمراض التي تبتلى مئات الملايين من الفقراء، مثل الملاريا. إنها مسألة حسابات اقتصادية بسيطة: فالشركات توجه أبحاثها حيث يوجد المال، بصرف النظر عن القيمة النسبية التي ستعود على المجتمع. فالفقراء غير قادرين على تحمل ثمن الدواء، وعلى هذا فإن الأبحاث على أمراض الفقراء ضئيلة للغاية، بصرف النظر عن التكاليف الإجمالية المترتبة على هذا.

فالعقار المقلد على سبيل المثال، والذي يدر على صانعه حصة من الدخل كانت من المفترض أن تعود فقط على الشركة التي تهيمن على نشاط ما، قد يكون مربحاً للغاية حتى ولو كانت قيمته بالنسبة للمجتمع محدودة للغاية. وعلى نحو مماثل، دخلت الشركات في سباق محموم سعياً إلى إحراز السبق على مشروع الجينوم البشري للحصول على براءات بعض الجينات كتلك المرتبطة بسرطان الثدي. ولقد كانت قيمة هذه الجهود ضئيلة للغاية: فهي لم تسفر إلا عن التوصل إلى المعرفة بصورة أسرع قليلاً من المفترض. إلا أن التكاليف التي تحملها المجتمع كانت هائلة: ذلك أن السعر المبالغ فيه الذي فرضته شركة مايريد، حاملة البراءة، على الاختبارات الجينية (ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف دولار أميركي) يعني أن الآلاف من النساء، اللاتي كان بوسعهن إجراء الاختبار واكتشاف الخطر وتناول العلاج المناسب، قد يتوفين بدلاً من ذلك.

ثمة وسيلة بديلة لتمويل وتحفيز الأبحاث، وهي الوسيلة التي قد تكون في بعض الحالات على الأقل أفضل كثيراً من نظام البراءات، سواء من حيث توجيه العملية الإبداعية أو ضمان انتشار الاستفادة من المعرفة على أوسع نطاق ممكن. وتتلخص هذه الوسيلة في إنشاء صندوق جوائز طبية يكافئ هؤلاء الذين يكتشفون العلاجات واللقاحات. وما دامت الحكومات تتحمل بالفعل تكاليف عدد كبير من الأبحاث الخاصة بالعقاقير، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال دعم الأدوية والعقاقير الموصوفة، فهذا يعني أنها قادرة على تمويل صندوق الجوائز الذي سيقدم أكبر الجوائز لمنتجي العلاجات أو سبل الوقاية من الأمراض المكلفة التي تبتلى مئات الملايين من البشر.

وحين يتصل الأمر بالأمراض في الدول النامية بصورة خاصة فمن المنطقي أن تأتي بعض الأموال المخصصة لهذه الجائزة من ميزانيات المساعدات الأجنبية، ذلك أن قليلاً من المساهمات قد يفعل الكثير فيما يتصل بتحسين نوعية الحياة، بل وحتى الإنتاجية، مقارنة بمهاجمة الأمراض المدمرة المنتشرة إلى حد كبير في العديد من الدول النامية. وتستطيع إحدى الهيئات العلمية أن تحدد مجموعة من الأولويات من خلال تقدير أعداد المصابين بكل مرض على حدة وتأثير هذا المرض على معدلات الوفاة، والإصابة، والإنتاجية. وبمجرد التوصل إلى اكتشاف ما، يتم ترخيصه.

إن نظام البراءات هو في حد ذاته نظام جوائز، ولو أنه نظام غريب بعض الشيء: فالجائزة هنا عبارة عن سلطة احتكارية مؤقتة، الأمر الذي يعني ارتفاع الأسعار وتقييد القدرة على الوصول إلى الفوائد التي يمكن استمدادها من المعرفة الجديدة. وعلى النقيض من هذا، يعتمد نظام الجوائز الذي أقترحه على الأسواق التنافسية، بهدف تخفيض الأسعار وإتاحة ثمار المعرفة على أوسع نطاق ممكن. وبالاستعانة بحوافز أفضل توجيهاً (إنفاق المزيد من الأموال المخصصة للأبحاث على أمراض أكثر أهمية، والاقتصاد في الإنفاق على التسويق المسرف المشوه)، نستطيع الحصول على صحة أفضل بتكاليف أقل.

هذا لا يعني أن صندوق الجوائز سوف يحل محل البراءات، بل إنه سوف يعمل في الواقع كجزء من مجموعة الأساليب المستخدمة لتشجيع ودعم الأبحاث. ولسوف يلاقي صندوق الجوائز قدراً كبيراً من النجاح في المجالات ذات الاحتياجات المحددة المعروفة ـ وهو ما ينطبق على العديد من الأمراض التي تبتلي الفقراء ـ والتي تسمح بوضع أهداف واضحة مقدماً. أما بالنسبة للإبداعات التي تتوصل إلى حلول للمشاكل أو تلبي الاحتياجات التي لم يعترف بها على نطاق واسع من قبل، فلسوف يظل نظام البراءات يلعب دوراً كبيراً.

كان اقتصاد السوق والحافز إلى الربح من الأسباب التي أدت إلى مستويات معيشية مرتفعة للغاية في العديد من الأماكن حول العالم. إلا أن سوق الرعاية الصحية ليست بالسوق العادية. ذلك أن أغلب الناس لا يدفعون ثمن ما يستهلكونه؛ وهم يعتمدون على الآخرين في الحكم على ما ينبغي لهم أن يستهلكوه، ولا تؤثر الأسعار على هذه الأحكام كما هي الحال مع السلع التقليدية. هذا يعني أن السوق حافلة بالتشوهات. وليس من المدهش إذاً أن يفشل نظام البراءات، بكل ما يحمله من تشوهات، في مجال الصحة. إن صندوق الجوائز الطبية لن يقدم العلاج لكل المشاكل، ولكنه يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة توجيه مصادرنا البحثية النادرة نحو استخدامات أكثر كفاءة وضمان وصول الفوائد المترتبة على الأبحاث إلى أكبر عدد من المحرومين من هذه الفوائد في الوقت الحالي.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured