كمبريدج ـ تُرى هل تُقَدَّر الأسواق تدابير حوكمة الشركات وتثمنها بشكل صحيح؟ في بحث تجريبي جديد أجريته بالتعاون مع ألما كوهين، وتشارلز سي. واي. وانج، أظهرنا كيف تعلمت أسواق الأوراق المالية كيفية تثمين التدابير المناهضة للاستحواذ. والواقع أن هذا عملية التعلم هذه من جانب الأسواق لها آثار بالغة الأهمية بالنسبة لكل من إدارات الشركات المتداولة علناً ومستثمري هذه الشركات.
في عام 2001، حدد ثلاثة من خبراء الاقتصاد المالي ـ بول جومبرز، وجوي إيي، وأندر ميتريك ـ استراتيجية استثمارية قائمة على الحوكمة، وكانت هذه الاستراتيجية قادرة على تحقيق عائدات هائلة لأسواق الأوراق المالية أثناء فترة التسعينيات. وتقوم هذه الاستراتيجية على تدابير حوكمة "راسخة"، مثل مجلس الإدارة المصنف أو "حبة السم" (تدبير تكتيكي تتخذه شركة ما لجعل نفسها غير جذابة في نظر المستثمرين في حالة تعرضها لتهديد استحواذ غير مرغوب)، والتي تعزل التدابير الإدارية عن انضباط سوق مراقبة عمل الشركات.
في تسعينيات القرن العشرين، كان الاحتفاظ بأسهم في شركات لا تتبني مثل هذه التدابير الراسخة أو تطبق القليل منها، وبيع أسهم الشركات التي تتبنى الكثير من هذه التدابير على المكشوف، ليشكل تفوقاً في الأداء نسبة إلى السوق. ولقد افتتن المستثمرون والشركات وخبراء حوكمة الشركات بهذه النتائج منذ إعلانها، كما دفعت نفس النتائج مستشاري حاملي الأسهم إلى تطوير منتجات استثمارية قائمة على الحوكمة.
ولكن حتى لو تسببت التدابير المضادة للاستحواذ في الإضرار بأداء الشركات فإن المستثمرين قد لا يتمكنون من تحقيق أرباح تجارية إذا كانت الأسعار تعكس التأثيرات المترتبة على هذه التدابير المعلنة. والواقع أننا أظهرنا في دراستنا أن الارتباط بين الحوكمة والعائدات، والذي تم تسجيله في التسعينيات اختفى في وقت لاحق. فلم يكن لمثل هذا الارتباط وجود أثناء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أو أي فترة فرعية من هذا العقد. وبعد التفوق على أداء السوق أثناء التسعينيات، أصبح أداء الاستراتيجية القائمة على الحوكمة في وقت لاحق على قدم المساواة معها.
ولكن كيف كان بوسع المرء أن يستوعب أو يدرك الارتباط بين الحوكمة والعائدات أثناء فترة التسعينيات ثم اختفاء ذلك الارتباط في وقت لاحق؟ لقد وجدنا أن هذا النمط راجع إلى تعلم الأسواق مع مرور الوقت تقدير الاختلاف في الربحية المتوقعة في المستقبل بين الشركات التي تمتع بحوكمة جيدة أو رديئة (فما يتصل بمستويات الحماية ضد الاستحواذ).
وما يتفق مع هذا التعلم ذلك أن الانتباه الذي كانت توليه وسائل الإعلام والمستثمرون المؤسسيون للحوكمة ارتفع بدرجة حادة في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وظل عند تلك المستويات التاريخية في الارتفاع. على سبيل المثال، تضاعف عدد المقالات التي تناولت مسألة الحوكمة في الولايات المتحدة إلى ثلاثة أمثالها أثناء الفترة من عام 2000 إلى عام 2002، كما تضاعف عدد القرارات المرتبطة بالحوكمة والتي طرحت للتصويت من جانب المستثمرين المؤسسيين (والتي كان العديد منها يركز على التدابير المضادة للاستحواذ)، ومنذ ذلك الوقت ظلت الأرقام عند مستويات تاريخية في الارتفاع.
وبدا الأمر وكأن أسعار السوق تأثرت بفعل الزيادة التي طرأت على الاهتمام بالحوكمة. وقد وجدنا من الأدلة ما يشير إلى أن الأسواق، بحلول عام 2001، كانت قد تعلمت كيف تقدر الفارق بين الشركات التي تتبنى الحوكمة الجيدة والشركات التي تتبنى الحوكمة الرديئة من حيث ربحيتها المتوقعة في المستقبل.
ولقد درسنا المدى الذي بلغه الإعلان عن أرباح الشركات في مفاجأة الأسواق (كما انعكس في تحركات أسعار الأوراق المالية في الاستجابة لهذه الإعلانات) ومحللي الأوراق المالية (قياساً إلى الفجوة بين الأرباح المعلن عنها والمتوقعة). ولقد تبين لنا أنه أثناء الفترة 1990-2001، ولكن ليس بعد ذلك، أن الإعلانات عن أرباح الشركات التي تتبنى تدابير حوكمة جيدة كانت من المرجح أن تفاجئ بشكل أكبر كلاً من الأسواق والمحللين مقارنة بالإعلانات عن أرباح الشركات التي تتبنى تدابير حوكمة رديئة.
ومن الأهمية بمكان هنا أن نؤكد أنه على الرغم من أن تداول التدابير المضادة للاستحواذ لم تعد قابلة للاستخدام لتحقيق غرض التفوق على أداء السوق أثناء العقد الأول من القرن الحالي، فإن مثل هذه التدابير ظلت مؤثرة إلى حد كبير في تقييم الشركات. وطوال العقد الأول من القرن الحالي ظلت الشركات ذات المستويات الراسخة الأعلى تتمتع بقيمة سوقية رأسمالية منخفضة (نسبة إلى قيمها الدفترية). والواقع أن إدراج المستويات الراسخة ضمن عناصر تحديد أسعار السوق هو ما جعل من المستحيل تحقيق الربح باستخدام المعلومات على مثل هذه المستويات.
وفي المجمل فإن النتائج التي توصلنا إليها تؤيد الرأي القائل بأن الأسواق قد تكون عاجزة عن تثمين تدابير الحوكمة الجديدة وممارساتها بدقة بين عشية وضحاها، ولكن بوسعنا أن نتوقع أن تتعلم الشركات مع الوقت كيف تفعل ذلك. وقد يستغرق مثل هذا التعلم وقتاً طويلا، ولكنه يحدث في النهاية.
ويتعين على كل من الإدارات والمستثمرين أن يضعوا في الحسبان عملية تعلم السوق، وأن ينتبهوا بكل عناية إلى الزيادة المحتملة في القيمة الرأسمالية السوقية التي قد تنتج عن إلغاء التدابير المضادة للاستحواذ. والواقع أن العديد من الشركات ألغت بالفعل التدابير المضادة للاستحواذ في السنوات الأخيرة، فأبعدت مجالس الإدارة المتعثرة وأزالت متطلبات الغالبية العظمى للموافقة على الدمج. ومن الواضح أن خفض مستويات التدابير الراسخة، بدلاً من تداولها، يستمر في تقديم الفرص لتحقيق عائدات كبيرة لحاملي أسهم الشركات.
فضلاً عن ذلك، ورغم أن الأسواق تقوم الآن بتثمين التدابير المضادة للاستحواذ، فإن النتائج التي توصلنا إليها ترفع احتمالات عدم قيام الأسواق (حتى وقتنا هذا) بتثمين تدابير الحوكمة الأخرى التي كان ظهورها أكثر حداثة نسبيا. والواقع أن تقديم ترتيبات حوكمة جديدة، وما يترتب على ذلك من دمج في الأسعار، يشكل عملية تدريجية، أو عمل متقدم بلا انقطاع.
وهكذا، ففي حين لم يعد بوسع المستثمرين أن يربحوا من خلال إسناد قراراتهم التجارية إلى تدابير قياسية مضادة للاستحواذ، فإن النتائج التي توصلنا إليها تترك الباب مفتوحاً أمام احتمال مفاده أن الاستراتيجية الاستثمارية القائمة على غير ذلك من مظاهر حوكمة الشركات قد تكون مجدية إلى حد كبير. لذا، فلا ينبغي لإدارات الشركات أن تصرف النظر عن إصلاحات الحوكمة التي قد تكون عظيمة القيمة، ولكن المستثمرين لم يركزوا عليها بعد، ولم تثمنها الأسواق حتى الآن.
إن المستثمرون يتعلمون في نهاية المطاف. وحين يتعلمون فإنهم يعملون على مكافأة أو معاقبة الشركات بالقدر المتناسب عن اختياراتهم لتدابير الحوكمة.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.