0

السخف الاحترازي

برينستون ـ إن الكثير من الناس الذين ينادون باتخاذ تدابير صارمة في التصدي لتغير المناخ يستندون في حجتهم إلى "المبدأ الاحترازي"، والذي يقضي بأنه في حالة توقع كارثة محتملة شديدة العواقب في المستقبل فإن العمل على منعها يصبح إلزامياً. وعلى هذا فإن تحليل التكاليف في مقابل الفوائد ـ أو موازنة تكاليف الإجراءات التصحيحية في مقابل الفوائد المترتبة على تجنب الكارثة ـ يصبح أمراً غير جائز. أي أن التدابير اللازمة للتصدي للكارثة لابد وأن تتخذ بصرف النظر عن التكاليف.

إن هذا المبدأ من شأنه أن يقود الناس إلى مناصرة تدابير باهظة التكاليف من أجل منع الكوارث التي قد تكون ذات عواقب مروعة ولكن احتمالات وقوعها غير مؤكدة إلى حد كبير. فإذا كانت كارثة ما غير مقبولة، فإن منعها يصبح واجباً بصرف النظر عن مدى صحة احتمالات حدوثها.

ونتيجة للاعتماد على المبدأ الاحترازي (الوقائي) على نطاق واسع، فإن سيناريوهات الهلاك أصبحت تهيمن على المناقشات بشأن تغير المناخ. ومن السهل أن نتخيل كوارث شديدة إلى الحد الذي يجعل اتخاذ تدابير صارمة لمنعها أمراً معقولاً، والواقع أن المدافعين عن الإجراءات الصارمة قادرين بسهولة على بث الخوف بين عامة الناس بالحديث عن كوارث متوهمة. فلا أحد يعرف عن أسباب تغير المناخ ما يكفي لإثبات أن وقوع كارثة متوهمة ما أمراً مستحيلاً.

ولكن ما هو الخطأ في المبدأ الاحترازي؟ يبدو أن الأمر واضح وضوح الشمس: إن الكوارث غير المقبولة تتطلب اتخاذ تدابير مضادة غير عادية. والمشكلة هي أن هذا المبدأ لا يمكن تطبيقه على نحو متجانس أو منتظم.

إن العالم الذي نعيش فيه عبارة عن حديقة صغيرة من الأرض المستكشفة بعناية والتي تحيط بها غابة مظلمة من الكوارث. إن الكوارث التي تلوح في الأفق وفيرة: الكويكبات والمذنبات؛ والأوبئة العالمية؛ والحروب النووية وغير النووية؛ والجفاف، والمجاعات، والفيضانات؛ والثورات البركانية، والزلازل، وموجات المد العارمة (التسونامي)؛ والانفجار السكاني، وانقراض الأنواع غير الإنسان؛ وارتفاع درجات الحرارة ومستويات سطح البحر؛ وانخفاض درجات الحرارة وانتشار العصور الجليدية؛ واستنفاد الهواء النقي والمياه؛ واختفاء الغابات، والمزارع، والأسماك.

إن كل هذه الكوارث ـ وما زال بوسعنا أن نتخيل الكثير غيرها ـ محتملة، والعديد منها غير مقبول. وهنا يقضي المبدأ الاحترازي باتخاذ التدابير المضادة، بصرف النظر عن التكاليف، لمنع كل هذه الكوارث. ولكن هذا أمر مستحيل. ولا يوجد مستقبل بلا مخاطر.

وبصرف النظر عما نقوم به أو نتقاعس عن القيام به من عمل، فإن خطر الكوارث غير المقبولة سوف يظل قائماً. إن مواردنا محدودة، وكذلك التكاليف التي نستطيع أن نتحملها لاتخاذ التدابير التصحيحية. وعلى هذا فلا مفر من الموازنة بين التكاليف والفوائد، ولا سبيل إلى تجنب الاختيارات الصعبة. إن بعض الكوارث أقل احتمالاً من غيرها من الكوارث، وبعض العلاجات أكثر تكلفة من غيرها. وهذه هي حقائق الحياة التي يطالبنا المبدأ الاحترازي بتجاهلها.

قد يحدث في بعض الأحيان أن تتسبب التدابير الصارمة المصممة لمنع كارثة غير مقبولة من الوقوع في تفاقم الكارثة. ومن السهل أن نخترع كوارث مأساوية مرتبطة بتغير المناخ، ولكن التكهن بالتأثرات المترتبة على التدابير التصحيحية قد يكون مستحيلاً.

على سبيل المثال، قد يكون ارتفاع مستويات سطح البحر من بين العواقب الأكثر مباشرة وشدة لتغير المناخ. ومن المعتقد عموماً أن الإجراء الوقائي اللائق يتلخص في وقف حرق الوقود الأحفوري والحد من وفرة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ولكن التدابير الوقائية باهظة التكاليف، وقد يكون تأثيرها معاكساً للمقصود منها.

نحن نعلم أن مستوى سطح البحر قد ارتفع بمقدار 100 متر تقريباً في غضون الـ 12 ألف سنة الماضية. وكان ذلك الارتفاع مرتبطاً بوضوح بذوبان الصفائح الجليدية القارية عند نهاية العصر الجليدي الأخير ـ ومن الواضح أيضاً أن ذلك الارتفاع لم يكن مرتبطاً بأي أنشطة بشرية.

وأثناء القرنين الماضيين، وهي الفترة حيث أصبح لدينا وسائل وأدوات دقيقة لقياس المد والجزر، استمر مستوى سطح البحر في الارتفاع ببطء. ونحن لا نعرف على وجه الدقة مدى إسهام الأنشطة البشرية في هذا الارتفاع. من المؤكد أن بعض الارتفاع الأخير والذي كان ناجماً عن تقلص الأنهار الجليدية لم يكن مرتبطاً بأنشطة بشرية، وذلك لأن الأنهار الجليدية ظلت تتقلص طيلة قرون من الزمان في حين أن الأنشطة البشرية لم تصبح ذات تأثير يُذكر إلا في القرن الأخير.

في الآونة الأخيرة، أصبح الهواء المحيط بجرينلند والقارة القطبية الجنوبية أكثر دفئاً ورطوبة. وسوف يساعد الهواء الدافئ والرطب في التعجيل بذوبان الجليد في المناطق المنخفضة على حواف الصفائح الجليدية، بينما يؤدي إلى زيادة مستويات تساقط الثلوج على المناطق المرتفعة الباردة إلى الداخل. وهذا الذوبان يتسبب في ارتفاع مستوى سطح البحر، في حين يعمل تساقط الثلوج على هبوط مستوى سطح البحر. ونحن لا نعرف أي من التأثيرين سوف تكون له الغلبة.

إذا أصبح المحيط المتجمد الشمالي خالياً من الجليد في فصل الصيف، فمن المرجح أن تسجل معدلات الذوبان وتساقط الثلوج ارتفاعاً حاداً. وعند تلك النقطة فإن المبدأ الاحترازي ربما يقترح علينا أن نتخذ تدابير صارمة لمنع حرق الوقود الأحفوري. ولكن من الأفضل لنا أن نعرف على وجه اليقين أولاً في أي طريق سوف تسير الاستجابة قبل أن نطبق العلاج.

سوف يكون من المؤسف أن تعمل الصين والهند على دفع شعبيهما إلى مستنقع الفقر بالكف عن حرق الفحم، ثم يتبين في النهاية أن التناقص في مستويات سقوط الثلوج على جرينلند والقارة القطبية الجنوبية نتيجة لذلك كان سبباً في التعجيل بارتفاع مستويات سطح البحر. إن المبدأ الاحترازي لا يصلح على ��لإطلاق كبديل مفيد للفهم العلمي.