Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

تَسْـيـيس المنافسة في الاتحاد الأوروبي

بعد أن تم تعيين المفوضية الأوروبية الجديدة، تُرى ما هي الأهداف التي ينبغي أن يكون تحقيقها في مقدمة أولوياتها؟

لقد جاء تشكيل المفوضية في الأساس كهيئة تكنوقراطية تتمتع بالاستقلال النسبي عن السيطرة الوطنية أو السيطرة فوق الوطنية ـ وعلى هذا الوجه الدقيق الصحيح مُنِحَت صلاحياتها وسلطاتها. وتصل المفوضية إلى أفضل أداء لها حين تلتزم بهذا الدور. ولنتأمل الأداء الممتاز الذي قدمته في مجال سياسة المنافسة: حيث عملت على تفكيك التحالفات التي كونها الموردين بغرض التحكم في الأسعار، وأوقفت المساعدات الحكومية، وحتى الأشكال المستترة منها، مثل الضمانات الحكومية على مديونية الشركات.

والدرس المستفاد من هذا هو أن أعضاء المفوضية لابد وأن يحرصوا على التركيز على مهامهم المحددة، وأن يضعوا نصب أعينهم دوماً مصالح الاتحاد الأوروبي وليس المصالح الفردية للدول الأعضاء التي يمثلونها. ولنأخذ ماريو مونتي على سبيل المثال، فهو المفوض الناجح المسئول عن المنافسة ، وهو إيطالي الجنسية، لكن أحداً لم يتهمه قط بمتابعة جدول أعمال يسعى إلى تحقيق مصالح إيطالية. بل في الحقيقة، لقد تضارب كفاحه ضد مساعدات الدولة مع الممارسات الإيطالية المعتادة.

ولقد قدمت المفوضية الحالية تحت رئاسة رومانو برودي ابتكاراً مفيداً. فقد قررت مفوضية برودي إرسال المفوضين إلى الميدان: فلم تعد مكاتبهم إلى جوار مكتب الرئيس، بل أصبح مكتب كل مفوض داخل الإدارة المسئول عنها. ولقد أجبر هذا الأمر المفوضين على التركيز على أعمالهم ومراقبة مراكز القوى من مديري العموم والمجموعات الإدارية من البيروقراطيين التابعين لهم؛ وأصبح الوقت المتاح للتفكير في السياسات " الشاملة " قليلاً.

لكن المفوضية الجديدة التي شكلها دوراو باروسو رئيس وزراء البرتغال الأسبق عُرضة للوقوع داخل أسوار سجن البيروقراطية من جديد. فقد قرر باروسو إعادة المفوضين إلى مكتب الرئيس مرة أخرى. وهذا يعني سيطرة أضعف، وإشراف مباشر من قِبَل القوى البيروقراطية، وزيادة البواعث إلى قضاء اليوم في التفكير في خطط كبرى بدلاً من التركيز على التحسينات المستهدفة.

وتتفاقم المشكلة بسبب تشكيل المفوضية الجديدة. حيث ستتكون من 25 مفوضاً، واحد عن كل دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينما فيما سبق كانت كل دولة كبيرة يمثلها مفوضان، وكل دولة صغيرة يمثلها مفوض واحد. وعلاوة على هذا، فإن المفوضية الجديدة ستشتمل على ثلاثة مفوضين من رؤساء الوزراء السابقين، وخمسة مفوضين من وزراء الخارجية السابقين، وثلاثة مفوضين من وزراء المالية السابقين ـ وكلهم من السياسيين أصحاب الوزن الثقيل وجداول الأعمال الضخمة في بلادهم.

ولنتأمل إيطاليا، حيث وضع رئيس الوزراء سيلفيو بيرلسكوني في محل ماريو مونتي أكثر أعضاء المفوضية نجاحاً وفعالية، أحد رجال السياسة المنغمسين في الألعاب الـمُلغِزة للسياسات الحزبية في إيطاليا. والمصلحة التي دفعت بيرلسكوني إلى هذا واضحة: فهو يريد شخصاً ما يستطيع أن يستدعيه ويطلب منه رعاية مصالح إيطاليا ـ ولتتمثل هذه المصالح في قرض حكومي محظور لشركة " آليتاليا "، على سبيل المثال، أو أية خدمة أخرى.

كما سنجد أيضاً تفسيراً " ميكيافيلليا " (جرياً على نظرية الغاية تبرر الوسيلة) لتغيير مونتي . فليس سراً أن مونتي أثار غضب فرنسا وألمانيا. فقد كان آخر قرار له إلزام " فرانس تيليكوم " برد قرض (وفوائده) كانت الحكومة الفرنسية قد منحتها إياه منذ أعوام في مخالفة صريحة لقواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بمساعدات الدولة. أما ألمانيا فلم تتقبل قط قرار مونتي بحظر الضمانات الحكومية على بيانات الموازنة الخاصة بمصارفها الإقليمية القوية. كما أن الحكومة الألمانية منزعجة بشأن قرار المفوضية بمراجعة " قانون فولكس فاجن ".

فالقانون يمنع أي حامل أسهم يتحكم فيما يزيد على 20% من حصص التصويت في شركة Volkswagenwerk GmbH (VW)، من طرح ما يزيد على 20% من الأصوات في أي اجتماع لحملة الأسهم. كما أن القانون ينص على ألا تقل أغلبية الأصوات اللازمة للقرارات الهامة التي تتخذها الشركة عن 80% من أصوات حملة الأسهم. وعلاوة على هذا، فإن قانون فولكس فاجن يمنع الجهات الاستثمارية الخاصة من امتلاك أسهم الشركة، على الرغم من مبدأ الانتقال الحر لرأس المال بين دول الاتحاد الأوروبي.

ونحن في الحقيقة لا ندري ما إذا كان المستشار جيرهارد شرودر و/أو الرئيس جاك شيراك قد طلبا من بيرلسكوني أن يبادر إلى تقديم مفوض إيطالي جديد. ربما فعلا هذا، وربما لم يفعلا: لا نستطيع أن نجزم، وعلى وجه الخصوص، في وقت قد تحتاج فيه إيطاليا إلى الدعم الكامل من شيراك و شرودر في إطار محاولتها لإنقاذ " آليتاليا ".

وخلاصة الأمر هنا هي أن أداء فريق دوارو باروسو سيكون أقل فعالية وكفاءة في مهام كانت المفوضية تقوم بها على وجه طيب، وذلك بسبب تركيز أعضاء المفوضية الجدد على البرامج السياسية المحلية لبلادهم. وفي ذات الوقت، فمع تحول المفوضية إلى هيئة سياسية بدلاً من كونها هيئة من التكنوقراط، فإن ما يسمى بـِ" العجز الديمقراطي " سيمثل مشكلة يصعب حلها على نحو متزايد.

يكمن السبب الرئيسي وراء المشكلة في الدستور الأوروبي الجديد. فمع الفشل في تقييد حجم المفوضية وقبول قاعدة مفوض واحد لكل دولة، فقد أدى الدستور إلى تحويل المفوضية إلى هيئة من الممثلين المحليين. وهذا، علاوة على القاعدة التي تقضي بأن تكون الموافقة على كافة القرارات، حتى في مجال مساعدات الدولة، بأغلبية من المفوضين، يوحي بأن المفوضية مهيأة لكي تصبح أكثر تساهلاً فيما يتعلق بمساعدات الدولة وسياسة المنافسة.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.