Saturday, November 1, 2014
0

البلاي بوي والملالي

شهدت إندونيسيا مؤخراً حدثين في غاية الإثارة: الأول كان أطلاق سراح أحد الزعامات الدينية المتطرفة من السجن ، والثاني كان صدور الطبعة الأولى من إحدى مجلات الذكور الإباحية. لقد خرج كل من أبو بكر باعسير والبلاي بوي إلى الشوارع واحتل بؤرة اهتمام الرأي العام، لكن أياً منهما لا يشكل ذلك القدر من الأهمية الذي يزعمه لهما منافسيهما. إلا أن إطلاق سراح الأول وصدور الثانية والجدال العام الذي أثاره كل من الحدثين يصب مباشرة في قلب الصراع الدائر من أجل استرداد الهوية الذاتية لإندونيسيا ـ وهو الصراع الذي اتخذ منعطفا درامياً في الآونة الأخيرة.

أبو بكر باعسير زعيم ديني إسلامي متطرف أدين بمباركة التفجيرات الأصلية التي شهدتها بالي في عام 2002، ومشتبه به من جانب بعض الجهات في التخطيط للعديد من التفجيرات غيرها. واسمه يأتي على قائمة الإرهابيين التي أعدتها الأمم المتحدة ، ومن المؤكد أن قدراً أكبر من الأمان كان قد يسود إندونيسيا وبقية العالم إذا ما ظل ذلك الرجل حبيساً داخل جدران السجن.

لكن إطلاق سراحه ليس دليلاً في حد ذاته، كما يؤكد بعض الناس، على أن إندونيسيا أصبحت بلداً أكثر تطرفاً. لقد أطلق سراح باعسير لسبب بسيط يتلخص في أن القانون يلزم السلطات بذلك: فقد أكمل مدة الحكم التي صدرت عليه بالسجن لمدة ثلاثين شهراً.

مما لا شك فيه أن الحكومة الإندونيسية تتمنى لو ترى باعسير يتعفن في السجن، ولكن في غياب أي إجراء قانوني يبرر استمرار احتجازه، فليس أمامها أي خيار سوى إطلاق سراحه. وبما أنها قد أطلقت سراحه بالفعل، فقد سارعت الحكومة إلى فرض حظر السفر عليه، وجمدت حساباته المصرفية، وأكدت على نحو واضح أنها سوف تراقب أنشطته عن كثب. من المؤكد أن إطلاق سراح باعسير حدث غير سعيد بل وربما كان يمثل خطورة كبيرة ـ لكنه جاء نتيجة لإجراءات قانونية، وبالطبع لا يشكل توجهاً متطرفاً فجائياً سلكته إندونيسيا.

أما مسألة مجلة البلاي بوي فأنا أعتبرها مقياساً أكثر دقة لحالة التطرف الديني في إندونيسيا. فحين كشفت البلاي بوي عن خططها لإصدار طبعة إندونيسية خالية من العري في أوائل هذا العام، سارع أهل السياسة والزعامات الدينية المحافظة إلى إدانة هذه الخطط باعتبارها تشكل تهديداً للقيم التقليدية. وقدم البرلمان الوطني مشروع قانون "لمكافحة الفن الإباحي"، والذي تبين في النهاية أنه عبارة عن وثيقة غامضة التعبيرات ومن المحتمل ألا تقضي بتجريم الإباحية فحسب، بل وأيضاً بعض الرقصات التقليدية، وحمامات الشمس، والتقبيل في الأماكن العامة.

اكتسب المشروع المقترح تأييداً كبيراً من قِـبَل الزعامات الإسلامية المعتدلة، لكن أعلى المدافعين عن ذلك المشروع صوتاً يتألفون من مجموعة من الجماعات الدينية المتطرفة الميالة إلى العنف، والتي تتزعمها "جبهة حماة الإسلام" (المعروفة بالاسم الإندونيسي المختصر FPI ). وهذا العام فقط بادر هؤلاء الذين عينوا أنفسهم حماة للأخلاق إلى نهب وتخريب البارات والملاهي الليلية، وهاجموا السفارتين الأميركية والدنمركية، وأمطروا مكتب مجلة البلاي بوي بالحجارة بعد صدور طبعتها الأولى ـ ولم يترتب على ذلك سوى احتجاجات بسيطة من قِـبَل قوات الشرطة. كانت جبهة حماة الإسلام وإخوانها قد استقبلوا مشروع قانون مكافحة الفن الإباحي بكل حماس، فنظموا المظاهرات والاحتجاجات تأييداً لمشروع القانون وإدانة لكل من يتجرأ على معارضته.

وخلال الأشهر التي تلت صدور مجلة البلاي بوي، بدت ردود الأفعال المعادية للمجلة وكأنها أدت إلى دفع التيار السائد في إندونيسيا بشدة في اتجاه اليمين. ولقد اكتسب هذا الانطباع قوة إضافية بسبب بروز الجماعات المتطرفة وميلها الواضح إلى القتال والعنف. ولقد بذل الناشطون والمفكرون المسلمون المعتدلون محاولات باسلة لمواجهة المتطرفين، لكنهم عجزوا عن تحقيق أي تقدم يذكر في هذا السياق.

في أواخر هذا الربيع تغير شيء ما، ففي غضون بضعة أسابيع حقق المعتدلون تقدماً ملموساً على الصعيد الشعبي. وجاء أشد الاستعراضات بروزاً لهذا التحول السياسي في أعقاب حادثة وقعت في جاوة الوسطى، حين قاطع أعضاء جبهة حماة الإسلام خطاباً للرئيس السابق جوس دور ، وأعلنوا إدانتهم وشجبهم له بسبب تأييده للتعددية ومعارضته لمشروع قانون مكافحة الفن الإباحي.

كان هجوماً علنياً على زعيم وطني وشخصية دينية محترمة، إلا أن الرد جاء سريعاً من قِـبَل زعامات المنظمتين الإسلاميتين الأكثر أهمية في البلاد. وحيث أن المنظمتين مجتمعتين تستوعبان عضوية ما يزيد على الستين مليون مواطن إندونيسي، فقد خاطبتا الحكومة مباشرة مطالبتين إياها بالعمل ضد هذه الجماعات التي تنغمس في أعمال العنف باسم الإسلام، وأعلنتا إدانتهما لسلوك مثل هذه الجماعات باعتبارها غير مسلمة، وإجرامية، وتهدد الوحدة الوطنية.

وبعد أن تشجعت الحكومة أخيراً فقد تعهدت بفرض إجراءات صارمة على الجماعات التي تنخرط في ارتكاب أعمال العنف، وأعلنت عن خططها لتمكين السلطات من تفكيك الجماعات التي تهدد "الأمن والنظام". ولقد بدأت قوات الشرطة في جاكرتا بالفعل في العمل بحماس جديد: فوجهت الاتهام إلى أحد الزعماء المتطرفين البارزين بارتكاب جريمة القذف العلني حين وصف النساء المعارضات لمشروع قانون مكافحة الفن الإباحي بالشر والدناءة وانعدام الأخلاق. ثم اعتقلت قوات الشرطة رئيس جبهة حماة الإسلام وعشرين عضواً كانوا قد هاجموا عدداً من المقاهي.

في الوقت الحالي يجري الإعداد لإقامة مؤتمر حوار وطني بشأن تعزيز التعددية، ولقد كان في ذلك إلهاماً بتجديد الاهتمام بفلسفة الـ "بانكاسيلا" الوطنية التي أهملت عمداً أثناء فترة حكم سوهارتو ، لكنها الآن عادت لتظهر من جيد، حيث اعتبرها بعض الناس رمزاً للتعددية التاريخية في إندونيسيا. وفي ذات الوقت، أكد المشرعون عزمهم على العمل من أجل تحويل مشروع قانون مكافحة الفن الإباحي الذي أثار الجدال إلى أداة أكثر استهدافاً للأعمال البذيئة. أما عن مجلة البلاي بوي فقد استقبلت بالانتقاد الذي كان منتظراً ـ لكنها في الحقيقة لم تكن تتوقع تلك الهجمات أو حتى المظاهرات.

في تلخيص لما سبق نستطيع أن نقول إن تحولاً كبيراً قد طرأ على عملية الحوار الوطني ـ من مناقشة كيفية جعل إندونيسيا أكثر تحفظاً، إلى كيفية دعم وتعزيز التقليد الإندونيسي المتمثل في احترام التعددية الدينية. إن إطلاق سراح باعسير وإصدار الطبعة الأولى من مجلة البلاي بوي في إندونيسي��، على الرغم من إثارة الحدثين للجدال، لن يبدلا في حد ذاتهما من نوعية الخطاب الجديدة في إندونيسيا، لكن الحدثين يعرضان لمحات حول مدى التغيير الكبير الذي تشهده إندونيسيا اليوم. فقد اكتسبت الأجندة المعتدلة أرضاً لا يستهان بها في غضون هذا الشهر ـ لكن الصراع الخاص بترسيخ الهوية السياسية والدينية لإندونيسيا لم يقترب حتى من نهايته.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured