Sunday, October 26, 2014
0

السلام من خلال المصالحة في أفغانستان

نيويورك ـ قد يكون هذا من قبيل الصدفة أو لا يكون، ولكن في حين نشهد مجريات الهجوم العسكري الذي أقره رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما في أفغانستان، يشرع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي أخيراً وبعد طول انتظار في بذل جهود جادة على مسار المصالحة الوطنية. والتركيز الأساسي لهذه العملية يتلخص في إيجاد السبل الكفيلة بإعادة إدماج بعض المنتمين إلى حركة طالبان على الأقل في المجتمع وفي الأنشطة الإنتاجية. ومن أجل تأهيلهم لإعادة الإدماج، فسوف يتعين على أعضاء حركة طالبان أن يلقوا بأسلحتهم وأن ينبذوا العلاقات التي تربطهم بتنظيم القاعدة، وأن يوافقوا عل احترام القوانين الأفغانية.

  ويُعَد هذا التغير في السياسة مساراً موازياً ضرورياً للعمل العسكري الجاري الآن. وهو يشكل أيضاً اعترافاً متأخراً بأن سياسات "التنمية المعتادة" التي اتبعت في أفغانستان حتى الآن قد باءت بالفشل. والواقع أن السياسات القديمة، كما تبين بشكل مؤلم، لم تكن لتكفي على الإطلاق لحشد تأييد الرأي العام الأفغاني، وخاصة بالنسبة لتصعيد عسكري جديد.

قبل ثمانية أعوام، شرعت أفغانستان في تنفيذ أربعة تحولات متميزة: التحول الأمني بعيداً عن العنف وانعدام الأمن؛ والتحول السياسي في اتجاه مجتمع قائم على المشاركة الحكومية وحكم القانون؛ والتحول الاجتماعي من المواجهات القَبَلية والعرقية إلى مسار المصالحة الوطنية؛ والتحول الاقتصادي نحو تحويل اقتصاد مزقته الحرب وعدم الاستقرار إلى اقتصاد قابل للحياة حيث يستطيع الناس أن يجدوا حياة كريمة مشروعة.

ولأن عملية إعادة بناء الاقتصاد تجري في وسط هذا التحول المتشعب، فإن ما يحدث في أفغانستان يختلف اختلافاً جوهرياً عن عمليات التطور الطبيعي. والموقف الأفغاني الحالي يعكس الفشل حتى الآن في وضع المصالحة الوطنية ـ بدلاً من سياسات التنمية المثلى ـ على رأس أولويات الحكومة والمجتمع الدولي.

إن البلدان التي مزقتها الحروب والتي شرعت في تحولات من هذا النوع منذ نهاية الحرب الباردة تتمتع بسجل كئيب: فقد ارتد ما يقرب من نصف هذه البلدان إلى الصراع في غضون بضعة أعوام. أما النصف الأخر فقد انتهى به الحال إلى الاعتماد على المساعدات ـ وهو وضع غير مناسب على الإطلاق في ظل الظروف المالية الحالية. وتتمتع أفغانستان بسجل بالغ السوء على المستويين: فقد ارتدت إلى الصراع ولم تتمكن حتى الآن من تخليص نفسها من الاعتماد على المساعدات.

لقد تمكنت السلفادور في أعقاب نهاية حربها الأهلية من تفادي الارتداد إلى الصراع أو الاعتماد على المساعدات، ويرجع ذلك في الأساس إلى تركيزها لجهودها على إعادة إدماج المتقاتلين السابقين من الجانبين، وغيرهم من الأشخاص الذين تأثروا بالحرب، في قوات الأمن الوطنية، أو العملية السياسية، أو الأنشطة الإنتاجية على الصعيد الاقتصادي. وكان برنامج "السلاح في مقابل الأرض" الذي تبنته الحكومة الوطنية بمثابة المسار الرئيسي نحو إعادة الإدماج الإنتاجي، وتزويد المستفيدين بسبل العيش الكريم وحصة في ثروة البلاد، ولو كانت ضئيلة.

ولأن المصالحة الوطنية تشكل التحدي الرئيسي في الأمد القريب في أي تحول نحو السلام، فإن الهدف السياسي من السلام لابد وأن تكون له الغلبة في كل الأوقات على هدف التنمية الاقتصادية أو المالية إذا حدث تعارض بين الهدفين، كما يحدث في كثير من الأحيان. إن الأنشطة المرتبطة بالسلام ـ وخاصة إعادة الإدماج وغير ذلك من برامج المصالحة ـ لابد وأن تكون لها الأولوية في مخصصات الميزانية. ولقد تبين أن الفشل في تحقيق هذه الغاية يشكل واحداً من العوامل الرئيسية وراء ارتداد البلدان إلى الحرب، وذلك لأن التنمية المستدامة أمر غير وارد في غياب السلام.

لذا فإن النجاح في أفغانستان يتطلب إعادة إدماج طالبان. وهذا يتطلب بالتالي قدراً عظيماً من التخطيط الحريص، والحلول الجريئة والإبداعية لحمل حركة طالبان على التخلي عن السلاح، والالتزام بمسار السياسات الصحيحة لسنوات عديدة.

ولكن إعادة الإدماج سوف تتطلب تفعيل سياسة الجزرة والعصا. وربما كان في الإمكان إيجاد الحوافز من أجل حث أعداد ضخمة من عامة الناس على هجر التمرد والانضمام إلى القوات المسلحة الأفغانية أو الشرطة الأفغانية، أو الاضطلاع بدور في السياسات المحلية، أو الانضمام إلى الخدمات المدنية الوطنية، أو الاشتغال بالزراعة أو وظائف القطاع الخاص. ولابد وأن تقتصر المعونات النقدية على الاحتياجات المباشرة القصيرة الأمد، ولكن لابد من تنفيذ خطة نشطة لخلق فرص العمل.

غير أن الوضع يزداد تعقيداً حين نتحدث عن قادة حركة طالبان. فلابد وأن تكون المكافآت أضخم، على غرار البرامج الوطنية في التعامل مع قادة جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني في السلفادور. وفي حالة أفغانستان، فقد يتطلب الأمر أيضاً انخفاضاً حاداً في تمويل حركة طالبان بالاستعانة بالأنشطة المرتبطة بالمخدرات، فضلاً عن العمليات العسكرية المستهدفة لتدمير مخابئ حركة التمرد في كل من أفغانستان وباكستان.

هناك مشكلتان خطيرتان تجعلان من المصالحة في أفغانستان تحدياً من نوع خاص. الأولى أن حكومة قرضاي لابد وأن تتغلب على قضية المصداقية المرتبطة بالوعود التي بذلتها ولم تتمكن من تلبيتها لأعضاء حركة طالبان الذين ألقوا أسلحتهم في الماضي. والمشكلة الثانية أن مبلغ المائة والأربعين مليون دولار الذي تعهدت الجهات المانحة في مؤتمر لندن بتقديمه لدعم الصندوق الائتماني للسلام وإعادة التعمير لا يكفي على الإطلاق لتنفيذ عمليات إعادة الإدماج الفعّالة.

وفي صياغة جديدة لمقولة جون ماينارد كينز ، فإن الثمن الاقتصادي لترسيخ السلام باهظ، ولكنه يشكل استثماراً طيباً. والواقع أن هذا الاستثمار من شأنه أن يساعد في إنقاذ الآلاف من الأرواح، وهو تكلفة زهيدة مقارنة بمئات المليارات من الدولارات التي أنفقها المجتمع الدولي على العمليات العسكرية ومهام حفظ السلام منذ بدأت الحرب المزعومة ضد الإرهاب في عام 2001.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured