Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

لحظة اتخاذ القرار في فلسطين

يفرض النصر الذي حققه محمود عباس في الانتخابات الرئاسية الفلسطينية تحدياً هائلاً على القيادة الفلسطينية. فمنذ تم التصويت على اختياره رئيساً للّجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد ساعات من وفاة ياسر عرفات ، ضمن عباس تأييد المنظمة التي تمثل كل الفلسطينيين، بما فيهم أولئك الذين يعيشون في الشتات. وإن الانتخابات الشعبية التي اختير نتيجة لها رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية تمنح عباس الشرعية الأساسية لدى القاعدة الشعبية، الأمر الذي يمكنه من تنفيذ برنامجه السياسي.

ومع أن ذلك البرنامج مشابه لبرنامج عرفات ، إلا أنه يختلف عنه من عدة نواح رئيسية. فقد كان عباس (الشهير بـِ " أبو مازن ") ينتقد على نحو علني وبإصرار ما أسماه بـِ " عسكرة الانتفاضة ". وحتى قبل وفاة عرفات، كان عباس يحتج بأن استخدام القوة من قِـبل الفدائيين يؤدي إلى إضعاف الموقف الفلسطيني في المفاوضات. ولقد تمسك بهذا الموقف طيلة حملته الانتخابية، رافضاً الاستجابة للفصائل الفلسطينية المتشددة التي تطالبه بالاعتذار عن تصريحاته السابقة.

ينتهج عباس سلوكاً يشبه سلوك رجال الأعمال، وهو يؤمن بشدة بحكم القانون وبالحاجة الملحة إلى إقامة حكم مدني حقيقي يحتل مركز الصدارة بين أولويات السياسة الفلسطينية. وهو في هذا أيضاً يختلف عن عرفات، الذي كان يؤمن بضرورة استمرار الفكر الثوري ما دام الفلسطينيون يعيشون تحت احتلال أجنبي غير شرعي. وإلى أن يتم تحرير الأرض، فليس من الممكن التظاهر بأن الأمور طبيعية.

ولقد أصبح عباس ، بعد فوزه في الانتخابات اعتماداً على برنامج سياسي يناهض العنف ويؤيد حكم القانون بشكل واضح، مفوضاً ومسئولاً عن تنفيذ هذه السياسة. ويتعين عليه إذا راغباً في تحقيق هذه الغاية أن يعلن بكل وضوح لكل فلسطيني مسلح أن السلطة لن تتسامح مع أي مجموعة غير رسمية تحمل السلاح أو تقوم بتنفيذ عمليات عسكرية انطلاقاً من الأرض الفلسطينية.

ومن أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية، فلسوف يحتاج عباس بوضوح إلى استخدام كل مهاراته في الإقناع لحمل أعضاء الجماعات المتطرفة (وبعضهم في منظمة فتح ذاتها) على احترام هذا التوجه. وبصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، فلسوف يتعرض لضغوط شديدة حتى لا يعلن عدم شرعية أعمال المقاومة، التي يقرها القانون الدولي، ضد أهداف عسكرية إسرائيلية. وفي مواجهة تلك الضغوط فسوف يكون لزاماً عليه أن يثبت أن إيقاف العنف يصب في المصلحة العليا للفلسطينيين.

ولسوف يواجه عباس نفس القدر من التحدي في محاولاته لتطبيق مبادئ حكم القانون على مجتمع جريح يترنح بعد ما يقرب من خمس سنوات من العنف، والقمع، والقيود الوحشية الصارمة التي فرضها الإسرائيليون على سفر أفراده وتحركاتهم. ومثلها مثل قضية عسكرة الانتفاضة، فالمسألة ليست بسيطة، حيث أنها تتعلق بقوات خارجة عن نطاق سيطرة عباس وحكومته.

وفضلاً عن ذلك، فإن السياسات الداخلية ستكون على قدر عظيم من الأهمية. حيث تحتاج الحياة اليومية للفلسطينيين وسبل طلب الرزق إلى تحسينات فورية. كما أن الجدار الذي تقيمه إسرائيل إلى الغرب من الضفة الغربية يعني استمرار ارتفاع معدلات البطالة بين الفلسطينيين واستمرار تدهور مستويات معيشتهم. وفي مواجهة هذا الوضع السيئ يتعين على عباس أن يطلب الدعم الخارجي من العالم العربي والمجتمع الدولي. وهناك ضرورة حقيقية تتمثل في تشجيع الاستثمار، من جانب الفلسطينيين بشكل أساسي والعرب. ولكن ليس من المرجح أن يتحقق هذا بدون تنفيذ إصلاحات قانونية وإدارية جوهرية، وعلى نحو أكثر عموماً، بدون حكم حصيف وتطبيق صارم لحكم القانون.

إن العامل الرئيسي لترسيخ النظام المدني يتلخص في إحلال السلام. ومهما بلغت قدرة عباس في إقناع الجماعات المتطرفة بإلقاء أسلحتها، فإن وقف إطلاق النار من جانب واحد لن يكتب له الدوام، بل لابد وأن يكون وقف إطلاق النار متبادلاً. وعلى هذا فإن الدور الذي ستضطلع به قوات الاحتلال الإسرائيلية سيكون حاسماً في تقرير مدى نجاح عباس في مهمته العصيبة. والحقيقة أن المهمة التي تنتظر عباس الآن ستكون مهمة مستحيلة إذا ما سمحت السياسة الإسرائيلية باستمرار "عمليات القتل الموجهة" في الوقت الذي تعمل فيه القيادة الفلسطينية بجدية من أجل وضع حد لأعمال العنف ضد الإسرائيليين.

وفي النهاية، فإن جدول الأعمال الرئيسي للرئيس الفلسطيني الجديد، فيما يتصل بالمفاوضات مع إسرائيل، يتلخص في حمل الإسرائيليين على الوفاء بتأكيداتهم المتكررة في المحافل الدولية على أن إقامة دولة فلسطينية متاخمة قابلة للحياة هي في الحقيقة هدف واقعي قابل للتحقيق في المستقبل المنظور. ولكن إذا تُـرِكَ الأمر للإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم، فإن إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967، سيظل على الأرجح هدفاً بعيد المنال. ويتعين على المجتمع الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة استثمار الجهد ورأس المال السياسي من أجل تحقيق هذه الغاية.

يواجه الرئيس الفلسطيني الجديد جدول أعمال في غاية الصعوبة وتوقعات شعبية عالية. يتوقف الكثير على الكيفية التي سيتدبر بها عباس أموره وعلى الأسلوب الذي سينتهجه في الحكم. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه الآن هو ماذا تعتزم إسرائيل أن تفعل وماذا بوسع المجتمع الدولي أن يفعل إذا ما نجح عباس في إنجاز تعهده بإنهاء العنف ضد إسرائيل وتطبيق حكم القانون في ظل نظام ديمقراطي فعال. لقد اختار الفلسطينيون، والآن جاء دور العالم لكي يختار هو أيضاً.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.