Friday, September 19, 2014
0

فلسطين بعد عباس

رام الله ـ إن اتخاذ أي زعيم سياسي القرار بعدم إعادة ترشيح نفسه أمر يثير عادة مناقشات محتدمة بشأن الورثة المحتملين. غير أن انسحاب الرئيس محمود عباس من الانتخابات الرئاسية المقرر انعقادها في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2010، لم يسفر عن أي شيء من ذلك النوع في فلسطين ـ ليس بسبب ندرة القيادات أو العزوف عن ذِكر الخلفاء المحتملين، ولكن لأن رئاسة السلطة الفلسطينية أصبحت خارجة عن الموضوع.

إن انسحاب عباس يأتي في وقت حيث تسبب الإحباط الفلسطيني إزاء العملية السياسية في التشكيك في المنطق وراء تأسيس السلطة الفلسطينية في منتصف تسعينيات القرن العشرين في أعقاب اتفاقيات أوسلو. كان العنصر الرئيسي في تكوين الاتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عبارة عن فترة انتقالية مدتها خمسة أعوام، وكان من المفترض في خلال تلك الفترة أن تؤدي المفاوضات إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.

وبعد مرور ستة عشر عاماً، فقد بات من الواضح أن الإسرائيليين لم يبذلوا أي جهد من أجل التوصل إلى شكل من أشكال التفاهم بما يتفق مع الطموحات الوطنية الفلسطينية ـ وأن أحداً لم يبذل أي جهد فعّال لإقناعهم. فقد تضاعف عدد المستوطنين اليهود غير القانونيين في المناطق الفلسطينية، الأمر الذي دفع الفلسطينيين على نحو متزايد إلى اقتناع مفاده أن المفاوضات مجرد إهدار للوقت. والواقع أن العديد من الناس يتذكرون السياسة المفضلة لدى رئيس الوزراء الأسبق إسحق شامير : "كنت أود لو أدير المفاوضات بشأن الحكم الذاتي لمدة عشر سنوات، وفي الوقت نفسه كنا لنصل بعدد السكان اليهود في الضفة الغربية إلى نصف مليون نسمة".

في مستهل الأمر، كان اتفاق الفترة الانتقالية لمدة خمس سنوات يدعو إلى عقد انتخابات لتأسيس مجلس تشريعي فلسطيني واختيار رئيس تنفيذي كانت تريد إسرائيل أن تسميه رئيس مجلس ( chairman ) وترفض تسميته بالرئيس ( president ). ولأن الفارق في اللغة العربية بين التسميتين غير موجود، فقد قَبِل الإسرائيليون استخدام الكلمة العربية "رئيس" في النص الإنجليزي الرسمي للاتفاقية.

لم يكن من المسموح للاجئين الفلسطينيين في المنفى، وغيرهم من الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات، بالتصويت في الانتخابات. ولم يكن مسموحاً للفلسطينيين الذين يعيشون في القدس الشرقية بالتصويت إلا في مكتب البريد أو في أكشاك خارج حدود المدينة.

إن انسحاب عباس لم يأت إلا للتأكيد على ما هو واضح. فمن غير المرجح أن تعقد أي انتخابات مثيلة، وخاصة الانتخابات المقرر انعقادها في شهر يناير/كانون الثاني، وذلك نظراً للخلاف المستمر بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة الآن.

لقد شاركت حماس في انتخابات عام 2006 التشريعية، والتي أعقبت الانسحاب العسكري الإسرائيلي من قطاع غزة. ولكن حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية الراديكالية ظلت مصرة على رفضها لعملية أوسلو، على أساس أن إجراء انتخابات حرة في ظل الاحتلال الإسرائيلي أمر سخيف ومضحك. والواقع أن حماس لديها القدرة على إحباط عملية التصويت ولقد أشارت إلى أنها سوف تفعل ذلك.

فضلاً عن ذلك فإن عباس لم يتخل عن مواقفه كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية وبصفته زعيماً لأكبر فصائلها، منظمة فتح، والتي لا تزال مسيطرة في الضفة الغربية. إن عباس لا يستطيع الاستقالة من منصبه في المستقبل المنظور، خشية أن يستولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني المدعوم من حماس على زمام الأمور. وفي الوقت نفسه فمن غير المرجح أن يسعى أي مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية إلى تولي منصب الرئاسية من دون موافقة عباس ، وهي الموافقة التي يعتزم حجبها إلى أن يتم التوصل إلى آلية جديدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

من المرجح أن تستفيد منظمة التحرير الفلسطينية كثيراً من قرار عباس ، وذلك لأنه يقلل من التركيز على وضعه باعتباره رئيساً للسلطة الفلسطينية ويرفع من شأن منصبه كرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهذا التحول من شأنه بالتالي أن يمهد الطريق أمام تغيير الأجيال في القيادة الفلسطينية ـ والأهم من ذلك، التحول إلى سياسات ما بعد مرحلة أوسلو.

إن الحرس القديم في منظمة التحرير الفلسطينية ـ الرجال من أمثال ياسر عرفات و عباس ، الذين أعادوا منظمة التحرير من المنفى إلى الديار بفضل اتفاقيات أوسلو ـ ما زالوا يهيمنون على المشهد السياسي الفلسطيني حتى الآن. وبعد رحيلهم عن المشهد، فمن المرجح أن يملأ الفراغ أولئك الزعماء الذين ولدوا في ظل الاحتلال والذين أمضوا بعد الوقت في السجون الإسرائيلية.

والشخص الأبرز بين هؤلاء الزعماء هو مروان البرغوثي ، زعيم الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت في ثمانينيات القرن العشرين وواحد من المنظمين الرئيسيين للانتفاضة الأولى، وهو ما دفع إسرائيل إلى طرده في أواخر الثمانينيات. وفي عام 2002، اعتُقِل البرغوثي وصدر الحكم ضده بالسجن لمدة طويلة بتهمة قيادة الانتفاضة الثانية ـ التي بدأت قبل عامين من اعتقاله ـ وإصدار الأوامر بتنفيذ بعض هجماتها العسكرية.

وعلى الرغم من سجنه فقد انتخب البرغوثي مؤخراً لعضوية مجلس فتح المركزي، وسوف يلحق به عدد من الآخرين الذين أمضوا وقتاً في السجون الإسرائيلية. ومن بينهم جبريل الرجوب ، الذي سجن لمدة تسعة عشر عاماً ثم طُرِد أثناء الانتفاضة الأولى، لكي يعود لقيادة أحد الأجهزة الأمنية بعد تأسيس السلطة الفلسطينية. وهناك أيضاً محمود دحلان ، وهو أيضاً سجين سابق ومسؤول أمني سابق، وإن كانت خسارة قطاع غزة لصالح حركة حماس، والتي حمله العديد من الفلسطينيين المسؤولية الجزئية عنها، قد تسببت في تضاؤل فرص مشاركته في القيادة.

وأخيراً هناك ناصر القدوة ، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية السابق في الأمم المتحدة. ويُعَد القدوة الحصان الأسود بين المرشحين لخلاف�� عباس ـ وهو الشخص المناصر للتسوية، والذي لم يسبق له قط الاشتراك بشكل مباشر في أنشطة أمنية أو عسكرية. ويرى العديد من الفلسطينيين أن القدوة ، ذو اللسان الطلق والذي يتحدث بلغات متعددة (وابن أخت عرفات )، يمثل وجهاً مقبولاً لفلسطين على الصعيدين المحلي والدولي.

سوف تكشف لنا الأشهر القادمة ما إذا كنا حقاً نشهد الآن بزوغ فجر عصر ما بعد أوسلو في السياسة الفلسطينية، وما إذا كان ظهور زعيم جديد، وأنصار جدد، سوف يكون مطلوباً لإحياء القضية الفلسطينية. الحق أن من سيصعد إلى قمة السلطة، أياً كان، سوف يكون لزاماً عليه أن يقدم استراتيجية فعّالة لإنهاء أربعة عقود من الاحتلال العسكري وإقامة دولة مستقلة حقاً ومقبولة لدى أغلب الفلسطينيين.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured