Friday, September 19, 2014
1

النفط والعُزلة

نيروبي ــ في كينيا، تنتشر الآن إحدى النكات التي تلخص إلى أي مدى يعيش أهل توركانا بعيداً عن بقيتنا. فعندما يغادر رجل من توركانا إلى العاصمة نيروبي، كما تقول النكتة، يقول لأفراد أسرته "أنا ذاهب إلى كينيا".

في الأسابيع الأخيرة، ومنذ أعلنت حكومة كينيا عن اكتشاف النفط في حوض بحيرة توركانا، ظهر المزيد من النكات. فهناك صورة لأطفال سود البشرة سعداء ونصف عراة رأيتها على صفحات بعض أصدقائي على الفيس بوك قبل عدة أشهر بدأت تنتشر مرة أخرى، ولكن هذه المرة وتحتها عنوان "اكتشاف الزيت في توركانا... وداعاً للجلد الجاف".

في البداية أضحكتني النكتة. بحكم انتمائي لجماعة الماساي، سمعت كل النكات الكينية عن مدى ابتعاد قومي عن الحضارة، لذا فقد شعرت بالسعادة لأن مجموعة أخرى من الناس أصبحت في دائرة الضوء على سبيل التغيير. ولكن عندما رأيت صورة لامرأة عارية الصدر من توركانا وقد تم التلاعب بالصورة بحيث تبدو المرأة وكأنها ترضع طفلاً أبيض البشرة، بدأت مشاعري تتغير.

إن الشخص الذي أعد هذه الصورة يريد أن يقول ضمناً إن عمال النفط الغربيين سوف يتوافدون الآن على شمال غرب كينيا بعد اكتشاف النفط في المنطقة وأنهم سوف يعاشرون نساء توركانا، وربما رغماً عنهن. الواقع أن شركة بريطانيا اكتشفت النفط هناك، وبفضل المزاعم عن اغتصاب جنود بريطانيين لمئات من النساء الكينيات أثناء الفترة 1965-2002، فإن سمعة سادتنا المستعمرين السابقين ليست طيبة. ولكن إذا انتهكت حقوق أهل توركانا وغيرهم فإن من يتحمل المسؤولية عن هذا إن حدث هم أهل كينيا وليس البريطانيين.

إن أهل توركانا، كما توحي النكتة، بعيدون تماماً عن نيروبي ولكن من دون أن يعتبروا من الأجانب. ولهذا السبب فنحن لا نعرف إلا أقل القليل عنهم. ففي المدارس تعلمنا عنهم فقط في سياق أعمال الحفر التي قامت بها أسرة ليكي لعدة عقود من الزمان في حوض بحيرة توركانا بحثاً عن أحافير أسلافهم من البشر. وقد يكون هذا أحد الأسباب الذي جعل الكينيين ينظرون تاريخياً إلى أهل توركانا وكأنهم كائنات عتيقة بعيدة عن "الحضارة" لآلاف السنوات، وكأن احتياجاتهم تختلف عن أغلب الناس في مناطق أخرى من البلاد.

إن الافتقار إلى البينة الأساسية الكافية في منطقة توركانا لهو دليل على ذلك. فخلافاً للماساي، يسكن أهل توركانا منطقة كانت حتى الآن ذات قيمة ضئيلة أو بلا قيمة على الإطلاق للبلاد. فلا توجد بها حيوانات برية لجذب السياح، ورغم أن أهل توركانا، مثلهم كمثل الماساي، حافظوا على ثقافتهم الأصلية، فإنهم غير مشهورين على مستوى العالم، ربما لبعدهم عن نيروبي.

الواقع أن توركانا واحدة من المناطق الأكثر تعرضاً للإهمال في كينيا. وكلما حدثت مجاعة تتعاظم احتمالات تأثر توركانا بها. ولقد لخص جادو، رسام الكاريكاتير المشهور في إحدى الصحف الرائدة في كينيا، فوصف الرئيس الكيني المبتهج مواي كيباكي وهو يقود مجموعة من البيروقراطيين وبعض الكلاب ترتدي ملابس البشر إلى توركانا، ويقول للناس "ابتهجوا! لقد اكتشفنا النفط!"، فترد عليه امرأة من توركانا سائلة إياه: "ومتى ستكتشف المياه؟".

وبالإضافة إلى المجاعة، تحمل أهل توركانا عشرات الأعوام من الغارات التي يشنها عليهم لصوص الماشية من إثيوبيا المجاورة والسودان (الآن جنوب السودان). ورغم هذا فإن كينيا ــ التي شاركت بنشاط في عمليات حفظ السلام في منقطة القرن الأفريقي ــ لم تجد في هذا سبباً كافياً لحماية توركانا.

إن اكتشاف النفط يجعل كينيا أمام فرصة نادرة لإنهاء تهميش مجتمع توركانا. ومن الأهمية بمكان أن تبدأ مناقشة كيفية استكشاف واستخراج النفط الآن، ولابد أن تكون صحة البيئة المحيطة بأهل توركانا على رأس الأولويات.

تقول إيكال أنجيلي، مديرة جمعية أصدقاء بحيرة توركانا، التي عارضت بناء سد جيبي الثالث، السد الأثيوبي الذي يهدد بتقليص كمية المياه المتدفقة إلى البحيرة: "يعتمد الرعاة والسكان الأصليون بشكل كبير غالباً على بيئتهم المباشرة لتدبير معايشهم، وأخشى إذا بدأت أعمال الاستكشاف والتنقيب عن النفط من دون مشاركة المجتمعات المحلية، وإذا سارت العملية بما يخالف توقعات هذه المجتمعات، أن ترتفع احتمالات الصراع بدرجة خطيرة".

الواقع أن الصراعات العديدة التي تحركها الموارد في أفريقيا تؤكد على صحة مخاوف أنجيلي. ومن بين الاحتياطات التي تقترحها لحماية رفاهة أهل مجتمعها هناك تأسيس هيئة تنظيمية تعمل على تعزيز الشفافية في التفاوض على العقود؛ وإيجاد التوازن بين إنتاج النفط والحفاظ على التنوع البيولوجي الفريد في المنطقة؛ وفرض معايير عالية لمسؤولية الشركات؛ وتنظيم بيع الأراضي لمنع الصراعات. وأخيرا، يتعين على الحكومة أن تضمن تدريب أهل توركانا على فهم القطاع الجديد والمشاركة فيه.

إذا تعاملت كينيا مع التنقيب عن النفط واستخراجه في توركانا بنفس طريقة أصدقائي على الفيس بوك، وفشلت في تنفيذ هذه التوصيات البديهية، فقد تنتهي الحال بأهل كينيا بعد بضعة أعوام من الآن إلى الندم على اكتشاف النفط. الواقع أن كينيا قد تنزلق إلى صراع أشبه بذلك الدائر في دلتا النيجر في نيجيريا، حيث حمل السكان المحليون السلاح لمكافحة التدهور البيئي الذي ألحقته صناعة النفط بمنطقتهم.

من المؤسف أن أسس مثل هذا الصراع قد أرسيت بالفعل. ذلك أن العديد من أهل منطقة بحيرة توركانا مسلحين ببنادق "ايه كيه-47" وغير ذلك من الأسلحة التي كان المقصود منها في الأصل حماية المنطقة من لصوص الماشية. وإذا فشلت حكومة كينيا في حماية أهل توركانا من شركات النفط أيضا، فقد يبدأ الناس هناك في إطلاق النار من هذه البنادق.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedJack Owuor

    A great piece Juliet, you have captured the reality of Turkana county in relation to oil discovery. No better way to pen the sorry state of the Turkana people, than what you have done. I hope the govt will put in appropriate legislation to help the locals enjoy the proceeds of the oil once extraction begins and not be a "curse" to the region already used to the experience the extreme poverty and armed conflicts.

Featured