6

المخاطر البيئية السيادية

نيروبي ــ حتى وقت اندلاع الأزمة المالية العالمية قبل أربعة أعوام، جرت العادة على النظر إلى السندات السيادية باعتبارها استثماراً جديراً بالثقة وخالياً من المخاطر تقريبا. ولكن منذ ذلك الوقت، أصبحت تعتبر أقل أماناً إلى حد كبير. حتى أن العديد من المراقبين داخل وخارج القطاع المالي ذهبوا إلى التشكيك في النماذج التي تعتمد عليها وكالات التصنيف الائتماني والشركات الاستثمارية وغيرها في تقييم المخاطر المرتبطة بمثل هذه الأوراق المالية.

ومن ناحية أخرى، بات من الواضح على نحو متزايد أن أي إصلاح لنماذج قياس المخاطر لابد أن يضع في الحسبان الآثار البيئية وندرة الموارد الطبيعية. والواقع أن تقريراً استثمارياً حديثاً أكَّد أن انخفاض أسعار نحو 33 سلعة أساسية في القرن العشرين ــ بما في ذلك الألمونيوم، وزيت النخيل، والقمح ــ تم التعويض عنه بالكامل في غضون عشرة أعوام بدأت بعام 2002، عندما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى ثلاثة أمثالها.

ومن المحتمل أن تؤدي ندرة الموارد الطبيعية المتزايدة إلى نقلة نوعية، في ظل آثار عميقة محتملة بالنسبة للاقتصادات ــ وبالتالي مخاطر الديون السيادية ــ على مستوى العالم. والواقع أن العديد من الدول بدأت تشهد بالفعل زيادة في أسعار الواردات من الموارد البيولوجية. ولم يعد بوسع الأسواق المالية أن تتغاضى عن الكيفية التي تعمل بها الأنظمة الإيكولوجية والخدمات التي تتكلف عدة تريليونات من الدولارات والمنتجات التي تقدمها ــ والتي تتراوح بين إمدادات المياه وتخزين الكربون والأخشاب، إلى التربة السليمة المطلوبة لإنتاج المحاصيل ــ على دعم الأداء الاقتصادي.

ونحن فضلاً عن هذا نعيش في عالم حيث لم يعد الإفراط في استغلال الموارد الطبيعية، والاستهلاك غير المستدام، وظروف العديد من الأنظمة الإيكولوجية، متوافقاً مع النمو الديموغرافي المتسارع، حيث من المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم من سبعة مليارات نسمة حالياً إلى أكثر من تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2050.

لقد عملت دراسات مثل تقييم الألفية للأنظمة الإيكولوجية، واقتصاد الأنظمة الإيكولوجية والتنوع البيولوجي، والتي أجريت بتفويض من مجموعة الدول الثماني، على تحسين فهمنا للقيمة الاقتصادية، والإيكولوجية، والاجتماعية للسلع والخدمات التي تقدمها لنا الأنظمة الإيكولوجية، كما اقترحت اتباع طرق أفضل في تسعير هذه السلع والخدمات. ورغم ذلك فإن هذا الفكر الجديد لم يؤثر بشكل كبير بعد على سلوك المستثمرين في السندات ووكالات التصنيف.

قد يفترض البعض أن أسواق السندات تتمتع بالحماية من التأثيرات المترتبة على تغير المناخ، وتدهور الأنظمة الإيكولوجية، وندرة المياه. وفي ظل وجود أكثر من أربعين تريليون دولار من الديون السيادية في الأسواق العالمية في أي وقت، فإن هذا يشكل مخاطرة شديدة.

ومن أجل معالجة الفجوة بين الواقع والتصور، أطلقت مبادرة تمويل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وشبكة البصمة العالمية، إلى جانب عدد من المستثمرين المؤسسيين ومقدمي المعلومات، مشروع المخاطر ا��بيئية في تحليل الائتمان السيادي.

وسوف يحتل المشروع مركز الصدارة في اجتماع المستثمرين في لندن في التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني، لتوفير لمحة مبكرة للكيفية التي يمكن بها وضع المعايير البيئية في الحسبان أثناء إعداد نماذج المخاطر الائتمانية، وبالتالي تقييم السندات السيادية ائتمانيا. ويسلط مشروع المخاطر البيئية في تحليل الائتمان السيادي الضوء على الموقف في العديد من الدول ــ بما في ذلك البرازيل، وفرنسا، والهند، وتركيا، واليابان ــ من أجل إظهار الكيفية التي قد يتعرض بها مستوردو ومصدرو الموارد الطبيعية مثل الأخشاب، والأسماك، والمحاصيل الزراعية للتقلب المتزايد الذي يصاحب زيادة ندرة الموارد العالمية. ووفقاً لتقديرات التقرير الصادر عن مشروع المخاطر البيئية في تحليل الائتمان السيادي فإن أي تغيير بنسبة 10% في أسعار السلع الأساسية من الممكن أن يؤدي إلى تغيرات في الميزان التجاري لأي بلد قد تصل إلى أكثر من 0,5% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن ناحية أخرى، فإن العواقب الاقتصادية المترتبة على التدهور البيئي قد تكون شديدة. ووفقاً لتقديرات التقرير فإن أي انخفاض بنسبة 10% في القدرة الإنتاجية للتربة ومساحات المياه العذبة وحده من الممكن أن يؤدي إلى انخفاض في الميزان التجاري قد يعادل أكثر من 4% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن الواضح أن المخاطر البيئية قد تكون كبيرة بالقدر الكافي للتأثير على اقتصادات الدول بطرق كفيلة بالتأثير على استعدادها أو قدرتها على سداد الديون السيادية. فضلاً عن ذلك فإن هذه المخاطر تتفاوت بدرجات هائلة بين مختلف البلدان، بما في ذلك الدول التي يشير تصنيفها الائتماني الحالي إلى مستويات مماثلة من المخاطر السيادية.

ويشير هذا إلى أن النتائج التي تم التوصل إليها والطرق المنهجية المطبقة في مشروع المخاطر البيئية في تحليل الائتمان السيادي قادرة على جلب قيمة مضافة إلى تحليل المخاطر السيادية التقليدي، من خلال تقديم نظرة فاحصة في عوامل متغيرة ذات صلة ولكنها لا تدخل في الحسبان حاليا. هذا فضلاً عن تشجيع وكالات التصنيف الائتماني، والمستثمرين السياديين، ومديري الأصول على النظر في الكيفية التي يمكن بها دمج هذه العوامل في نماذج المخاطرة التي تحكم عملهم.

لقد حان أوان السعي إلى تكوين فهم أفضل للعلاقة بين المخاطر البيئية والمخاطر المرتبطة بالموارد الطبيعية وبين مخاطر الائتمان السيادي. فآنئذ فقط سوف يكون بوسع المستثمرين ووكالات التصنيف والحكومات أن تخطط للأمدين المتوسط والبعيد بالاستعانة بالمعرفة المطلوبة لضمان النمو الاقتصادي والاستقرار الطويل الأجل.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali