Wednesday, September 17, 2014
0

ضرورة إنقاذ منظمة حلف شمال الأطلنطي

من كان يظن أن منظمة حلف شمال الأطلنطي ـ التي تمثل أنجح تعبير عن التضامن عبر جانبي الأطلنطي ـ قد وجدت سبيلاً جديداً إلى التماسك بعد أزمة العراق وما أحدثته من خلافات وشقاق، فلابد وأن يزور مركز قيادة الحلف. مما لا شك فيه أن قمة اسطنبول التي انعقدت في أواخر يونيو الماضي قد نجحت في إضفاء قشرة خارجية خادعة من التآلف والانسجام، والآن سنجد أن مركز قيادة الحلف مشغول كالعادة بالاجتماعات المتكررة بين مبعوثي الدول الأعضاء التي أصبح عددها الآن ستة وعشرين، واللجان التي لا تعد ولا تحصى، وتلال من الأوراق المطبوعة التي يموج بها المكان. ولكن مع كل هذا، فهناك عنصر أساسي مفقود: ألا وهو روح حلف شمال الأطلنطي. فكثير من الدول الأعضاء بالحلف، إن لم يكن أغلبها، لم تعد تعترف بمنظمة حلف شمال الأطلنطي كعنصر محوري ضروري لمصلحتها القومية.

وكما عبر أحد كبار المسئولين بالحلف عن الوضع الحالي، فقد أصبح الحلف كسيارة قديمة غطت الانبعاجات والخدوش بدنها ويحتفظ بها صاحبها ما دامت تسير، لكنه سيتخلص منها إذا صارت تكاليف إصلاحها أعلى مما ينبغي. حتى الآن ما زالت المركبة المتهالكة ذات نفع في بعض الأمور: فهي تقود حوالي ستة آلاف من القوات في أفغانستان، وتدعم الأمن الهش في كوسوفو، وربما تكون مفيدة في تدريب القوات العراقية، كما تقرر في اجتماع الحلف في يونيو. ما زال وجود الحلف مرغوباً، ولكن باستثناء الدول الأعضاء التي انضمت للتو، فإن قليلاً من الحكومات على كل من جانبي الأطلنطي تبدي خوفاً من احتمال وقوع كارثة كبرى إذا ما تلاشى الحزب في هدوء.

هذا، وليس الشقاق الذي وقع بين الحلفاء الكبار حول العراق، هو السبب وراء الأزمة العميقة التي يواجهها الآن أقدم وأنجح تحالف في العصر الحديث. فلقد كانت الخلافات السياسية بشأن مغامرة أميركا في العراق سبباً في تفاقم الأزمة، لكنها أدت أيضاً إلى حجب السبب الحقيقي للأزمة.

وهذا يُفَسِر عدم اهتمام الولايات المتحدة، أو معارضيها أو مؤيديها في أوروبا، بمناقشة هذه العملية على نحو شامل في مجلس حلف شمال الأطلنطي سواء قبل أو أثناء أو بعد حرب العراق ـ فقد أدركوا أن التباعد بين الرؤى ووجهات النظر أشد من أن يسمح بالتوصل إلى تسوية أو توفيق. ولهذا السبب أيضاً، فإن الجهود المتواضعة التي يبذلها الحلف الآن لمساعدة أميركا في محاولاتها لنشر الاستقرار في العراق لن تعيد الحلف إلى سابق عهده.

من المؤكد أن الولايات المتحدة الآن قد طلبت المساعدة من كل الدول الأعضاء بالحلف، وذلك في تناقض ملحوظ مع موقفها المتغطرس حين قالت منذ عامين فقط إن منظمة حلف شمال الأطلنطي لم تعد تمثل أهمية؛ وعلى هذا فإن تحديد هوية التحالف من الآن فصاعداً سيتم وفقاً لكل عملية عسكرية على حدة، وليس وفقاً للعضوية في حد ذاتها. وعلى الرغم من هذا، فإن هذا الاتجاه الجديد في نظر أغلب الحلفاء لا يتعدى كونه مفهوماً تكتيكياً، أو تأكيداً للبراجماتية الأميركية التي تظهر حين يتطلب الموقف تواجدها، وهو لا يُمَثِل تحولاً في المشاعر من جانب إدارة بوش لإعادة بناء حلف شمال الأطلنطي كحجر الزاوية في علاقة الشراكة بين جانبي الأطلنطي.

وحتى الحكومات الأوروبية لا تبدي تَلَهُفاً نحو هذا الأمر. وأصبحت البيانات الرسمية الصادرة عن القمة متواضعة فيما يتعلق بأمور كَـثُر الكلام حولها. وحتى حين يلتزم الأعضاء بالقيام بعملية مشتركة، كما حدث في أفغانستان، فلسوف يتعين على الأمين العام الجديد البارع لمنظمة حلف شمال الأطلنطي، ووزير الخارجية الهولندي الأسبق جاب دي هوب شيفير ، أن يتوسل من أجل بضع طائرات مروحية هنا، أو بضع مئات من الرجال هناك، وكأنه مدير لنادي كرة قدم محدود الموارد يحاول أن يُشَكِل فريقاً.

تعود جذور أزمة الثقة والتلاحم التي تعتري الحلف الآن إلى نهاية الحرب الباردة، وليس إلى الفتنة التي زرعتها الحرب في العراق. فالحلف يستطيع أن يقدم البرهان على إنجازات مهمة قدمها على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية: فلقد ساعد أوروبا على الاحتفاظ بتوازنها واستقرارها مع توسعها إلى 26 عضواً، أو ما يقرب من ضعف العدد الذي كان قائماً في إبان الحرب الباردة؛ كما ساعد على إبقاء الصراع في البلقان تحت السيطرة؛ حتى أنه قَبِل الاضطلاع بدور في الطوارئ الأمنية التي تتجاوز حدود أوروبا، مثلما حدث في أفغانستان. لكن منظمة حلف شمال الأطلنطي فشلت في أهم اختبار على الإطلاق، أو بالتحديد ضمان استمرار الدول الأعضاء في النظر إلى نجاحات الحلف باعتبارها أمراً ضرورياً لخدمة مصالحها.

إن عدم اضطلاع الحلف بهذا الدور لهو مدعاة إلى القلق العميق. فهو لا يعكس مواطن الضعف في المنظمة بقدر ما يعكس قِصَر نظر أعضائها. حقاً لم يعد أمن هؤلاء الأعضاء الآن مهدداً بهجمات عسكرية من الخارج، لكن منظمة شمال الأطلنطي أكثر من مجرد حلف دفاعي.

فمنظمة حلف شمال الأطلنطي تتميز على أية مؤسسة أخرى من حيث تجسيدها للتلاحم بين جانبي الأطلنطي، وهو أمر يظل في غاية الأهمية لدعم أي جهد غربي في إطار تعزيز درجة من النظام العالمي. إن منظمة حلف شمال الأطلنطي تربط بين أوروبا وبين أقوى دولة في العالم، كما أنها تربط الولايات المتحدة على نحو فريد بمنهج مشترك قائم على المشورة والتعاون. وعلاوة على ذلك، فهي المنظمة الوحيدة القادرة على توليد عمليات عسكرية دولية في إطار العديد من مهام بناء الاستقرار في العالم.

وعلى هذا فمن الجنون أن تُـحْـجِم الحكومات الأوروبية عن دعم منظمة حلف شمال الأطلنطي. فهذا الإحجام يعد طيشاً على أقل تقدير إن لم يمثل خطورة هائلة على أسوأ تقدير. وبدلاً من إلقاء اللوم على إدارة بوش، والانتظار على أمل تغيير الحكومة في الولايات المتحدة، فيتعين على الدول الأعضاء بالحلف من أوروبا أن تُـعيد حلف شمال الأطلنطي إلى دائرة اهتمامها من جديد. وهذا لا يعني إبداء التزلف والتملق لكل وجهة نظر أو نزوة أميركية أو جهود سابقة لتعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي. بل يعني ضرورة تَـعَـهُد تلك الدول بإعادة الحلف إلى مركزه القديم كمكان يعمل في حدوده كل من جانبي الأطلنطي على التوصل إلى مفهوم مشترك لمواجهة مخاطر هذا العالم.

مما يدعو للأسف، أن أغلب الحكومات الأوروبية لا تبدي أي اهتمام حين تُـثار هذه القضية. وعدم المبالاة إلى هذا الحد الخطير لهو أشد العلامات وضوحاً على الأزمة التي تمر بها منظمة حلف شمال الأطلنطي.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured