Friday, October 24, 2014
0

جريمة قتل غير مشخصة

نيويورك ــ تُرى أي مَس استحوذ على عقل الفرنسي المسلم الشاب محمد مراح فدفعه إلى قتل ثلاثة من أطفال المدارس اليهود، وحاخام، وثلاثة من الجنود، اثنان منهم يدينان بالإسلام مثله؟ وأي مَس استحوذ على عقل أندرس بريفيك فدفعه إلى إطلاق النار على أكثر من ستين مراهقاً في معسكر صيفي في النرويج العام الماضي؟ إن نوبات القتل هذه غير عادية إلى الحد الذي يجعل الناس في احتياج إلى تفسير لها.

إن إطلاق وصف القتلة "الوحوش" عليهم، كما سارع البعض وفعل، لا يلقي بالكثير من الضوء على المشكلة. فمثل هؤلاء القتلة ليسوا وحوشا، بل كانوا من الشباب. واعتبارهم مجانين لا يقل عن ذلك تضليلا. فإذا كانوا مجانين، فإن هذا في حد ذاته يحتاج إلى تفسير أكثر من أي شيء آخر.

هناك تفسيران بارزان، يصطبغ كل منهما بصبغة اجتماعية سياسية واضحة. الأول عَرَضه الناشط المسلم المثير للجدال طارق رمضان. فهو يلقي باللوم على المجتمع الفرنسي، أو على وجه أكثر تحديدا، يلقي باللوم على حقيقة تهميش الفرنسيين الشباب من أصل مسلم على أساس دينهم ولون بشرتهم.

ورغم أن هؤلاء الشباب يحملون جوازات سفر فرنسية، فإنهم يعامَلون وكأنهم أجانب غير مرغوب فيهم. وعندما يقول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وهو ابن لمهاجرين، إن عدد الأجانب في فرنسا أصبح أكثر مما ينبغي، فإنه يدفع الشباب من أمثال مراح إلى المزيد من العزلة في زاوية ضيقة. وقد تشن أقلية ضئيلة من أمثال هؤلاء الرجال هجوماً مفاجئاً في ظل يأسها.

وهناك تفسير آخر ساقه ساركوزي، ويأخذ الكلمات التي نطق بها مراح على محمل الجد. فقد قال إنه كان يعرب عن احتجاجه على العمليات العسكرية التي تقوم بها فرنسا في بلدان مسلمة وإنه يثأر لقتل الأطفال الفلسطينيين. فأراد إسقاط الدولة الفرنسية بوصفه محارباً إسلامياً مقدسا. واستمد الإلهام في ذلك من تنظيم القاعدة. لماذا لا نصدقه إذن؟ من هنا كان القرار الذي اتخذه ساركوزي باعتقال رجال مسلمين آخرين يشتبه في تطرفهم ومنع بعض الأئمة من حضور مؤتمر ديني في فرنسا.

إن هؤلاء الذين ينظرون إلى التطرف الإسلامي باعتباره المشكلة يميلون أيضاً إلى اعتبار القتلة الشباب مثل مراح كأمثلة لفشل الاندماج. فهم يرون أنهم لم يصبحوا فرنسيين بالقدر الكافي، وأن المهاجرين لابد أن يرغموا على اعتناق "القيم الغربية".

ورغم أن لا أحد يستطيع أن يزعم أن أندرس بريفيك ليس نرويجياً بالقدر الكافي، فهو أيضاً من الممكن أن تؤخذ كلماته على محمل الجد. فيبدو أن خطاب زعماء الدهماء من كارهي الأجانب أقنعه بأنه لابد أن يقتل أطفال النخب من الديمقراطيين الاجتماعيين من أجل حماية الحضارة الغربية من مخاطر التعددية الثقافية والإسلام. وكانت جرائم القتل التي ارتكبها نتيجة متطرفة لأفكار خطرة.

إن كلاً من التفسيرين ليس مخطئاً تماما. فالعديد من الشباب المسلمين يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم في بلادهم التي ولدوا بها، وتساعد اللغة المتطرفة، سواء استخدمها إسلاميون أو خصوم لهم، تساعد في تهيئة مناخ يفضي إلى العنف.

ولكن رمضان وساركوزي يبالغان في التبسيط، فكل منهما يضغط جرائم القتل بشكل غير عادي في تفسير واحد. فحتى عندما يتعرضون للرفض فإن أغلب الشباب المسلمين من الذكور لا يتحولون إلى قتلة سفاحين. ومراح أكثر شذوذاً من أن يصلح كمثال نموذجي لأي شيء، بما في ذلك التمييز العنصري أو الديني.

فبعيداً عن كونه متعصباً دينيا، نشأ مراح كمجرم تافه لا يهتم بالدين على الإطلاق. وربما كانت جاذبية التطرف الإسلامي في حد ذاتها سبباً في تمجيد العنف أكثر من أي مضمون ديني حقيقي. فقد استمتع بمشاهدة مقاطع الفيديو لجهاديين يقطعون الرؤوس. كما حاول الانضمام إلى الجيش الفرنسي والفرقة الأجنبية. ولكن الجيش رفضه بسبب سجله الإجرامي. وما دام الفرنسيون يرفضونه فلينضم إذن إلى المجاهدين: أي شيء يمنحه الشعور بالقوة والعذر للانغماس في ميوله العنيفة.

إن العديد من الشباب ينجذبون إلى وهم العنف؛ وقليلون منهم يشعرون بالحاجة إلى ممارسة هذا العنف. وقد تخدم الإيديولوجية كعذر أو مبرر، ولكنها نادراً ما تشكل المصدر الرئيسي للأفعال الوحشية الفردية. وفي أغلب الأحوال ترجع نوبات القتل إلى رغبة في الانتقام الشخصي ــ فالخاسرون يتمنون تفجير العالم من حولهم، لأنهم يشعرون بالمهانة أو الرفض، سواء على المستوى الاجتماعي أو المهني أو الجنسي.

وفي بعض الأحيان يبدو القتلة وكأنهم يفتقرون إلى أي مبرر على الإطلاق، كما في حالة إيريك هاريس وديلان كليبولد اللذين أقدما في عام 1999 على قتل 12 من زملائهما الطلاب وأحد المعلمين في مدرستهما الثانوية في كولومبيا بولاية كولورادو. في هذه الحالة، ألقى الناس باللائمة على ألعاب الفيديو والأفلام السادية التي كان القاتلان يشاهدانها. ورغم هذا فإن أغلب المتحمسين لهذا الشكل من أشكال الترفيه لا يخرجون بالفعل إلى الشوارع ويقتلون الناس.

كان بيرفيك يعيش أوهام كونه فارساً يقاتل أعداء الغرب. وتخيل مراح أنه مجاهد. ومن يدري ماذا تصور القاتلان الصغيران في كولومبيا وهما يرتكبان فعلتهما. ولكن الأسباب التي دفعت كل هؤلاء إلى القتل تكمن في داخلهم، ومن غير الممكن أن تُعزى في الأساس إلى الترفيه أو غير ذلك من المواد التي يستهلكونها.

لا شك إن الرغبة في منع مثل هذه المواد لها جاذبية جمالية، ولابد دوماً من إدانة الشخصيات العامة التي تدعو إلى العنف. ولا نستطيع أن نستبعد خطاب الكراهية والإيديولوجية العنيفة كأسباب. ولكن المبالغة في تقدير تأثيرهما في حالات مثل حالة مراح أو بريفيك قد تؤدي إلى استنتاجات مضللة.

ومن غير المحتمل أن يكون حل المشكلة في فرض الرقابة. فمنع كتاب كفاحي لهتلر أو تحريم عرض الرموز النازية لم يمنع النازيين الجدد في ألمانيا من قتل المهاجرين. وحظر المواد الإباحية العنيفة لن يخلصنا من المغتصبين أو القتلة من أبناء المدارس الثانوية. ومنع زعماء الدهماء من الصراخ ومهاجمة المسلمين أو دعاة التعددية الثقافية لن يمنع ظهور أمثال أندرس بريفيك في المستقبل. ومن المؤكد أن منع الأئمة المتطرفين من دخول فرنسا لن يمنع مراح آخر من الاستسلام لنوبة من الهياج القاتل.

الواقع أن تشبيه أفعال مراح الوحشية بأعمال القتل في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كما فعل ساركوزي، يضفي على القاتل قدراً لا يستحقه من الأهمية. فلا يوجد أي دليل على أنه كان ينتمي إلى أي جماعة منظمة، أو في طليعة حركة ثورية. وقد يبدو استغلال حالته لتأجيج المخاوف من تهديد إسلامي للمجتمع أمراً منطقياً في نظر ساركوزي. ولكن إثارة المخاوف نادراً ما تكون الوصفة الأفضل لتجنب المزيد من العنف. بل إن الأمر على العكس من ذلك تماما، فالأرجح أن يؤدي هذا إلى إذكاء نار العنف.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured