Wednesday, July 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
1

العقل فوق السوق

ميلانو ــ في غضون السنوات الست والستين التي انقضت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، اختفت كل الاقتصادات الموجهة مركزياً تقريبا، وكان هذا إلى حد كبير نتيجة لعدم الكفاءة وتدني معدلات النمو. وفي أيامنا هذه تعمل الأسواق، ومؤشرات الأسعار، واللامركزية، والحوافز، والاستثمار الذي تحركه العوائد، على تحديد طريقة تخصيص الموارد في كل مكان تقريبا.

وهذا ليس لأن الأسواق متفوقة أخلاقيا، ولو أنها تحتاج إلى حرية الاختيار لكي تعمل بفعالية. والأسواق عبارة عن أدوات تصادف أنها تتمتع، مقارنة بالبدائل، بقدر عظيم من القوة فيما يتصل بالحوافز، والكفاءة، والإبداع. ولكن الأسواق ليست مثالية؛ فهي متدنية الأداء في وجود مؤثرات خارجية (العواقب التي لا يمكن تسعيرها ــ على سبيل المثال تلوث الهواء ــ والناجمة عن تصرفات فردية)، والثغرات المعلوماتية والافتقار إلى التجانس، والمشاكل المرتبطة بالتنسيق عندما يشتمل الأمر على توازنات متعددة، بعضها يتفوق على غيرها.

ولكن الأسواق تعاني من نقاط ضعف أكثر جوهرية، أو بالأحرى، تسعى أغلب المجتمعات إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية مهمة لم تصمم الأسواق لتحقيقها. وفي عالم اليوم المتجه نحو العولمة بسرعة، فإن أكثر هذه الأهداف أهمية ــ والتي يتم التعبير عنها بطرق مختلفة من خلال العملية السياسية وصنع السياسات في مجموعة واسعة من البلدان ــ تتمثل في الاستقرار، وعدالة التوزيع، والاستدامة.

ولنتأمل هنا هدف الاستقرار. نحن نعيش في عالم يتألف من شبكات لا مركزية متزايدة التعقيد إلى حد كبير: الشبكات الإلكترونية، وشبكات سلاسل التوريد والتجارة، والشبكات المالية التي تربط بين موازنات كيانات متباينة. وتدفع حوافز السوق الجهات الفاعلة إلى إعداد أو تعديل أجزاء من الشبكات على نحو يعمل على تعظيم الكفاءة محليا. ولكن الادعاء بأن الكل يظل مستقراً وقوياً ليس لديه ما يدعمه على المستويين النظري والتجريبي ــ فهو غالباً ادعاء قائم على عقيدة إيمانية. بل إن هذا الادعاء يبدو غير دقيق.

على سبيل المثال، كان من المعروف لبعض الوقت أن الشبكات التي تتمتع بالكفاءة ليست طيعة غالبا، ولذلك لأن الشبكات الطيعة بعناصر زائدة غير فعّالة.

وفي أي بنية لا مركزية يميل المعروض من العناصر الزائدة إلى النقص في عملية تحسين الأداء المحلي. ولهذا السبب أدى التسونامي الذي ضرب اليابان في العام الماضي إلى تعطيل العديد من سلاسل التوريد العالمية: فقد كانت (ولا تزال) تتمتع بالفعالية البالغة فيما يتصل بتحمل الصدمات.

وفي الأسواق المالية، يبدو الأمر وكأن محاولات تحسين الأداء إلى أقصى درجة ممكنة تؤدي إلى الإفراط في الاستعانة بالروافع المالية وغير ذلك من أشكال خوض المجازفة التي تقوض استقرار النظام. والأمر يحتاج إلى قدر كبير من البحث لكي نفهم أي التدخلات أو القيود على الاختيارات الفردية ضروري لجعل هذه الأنماط المعينة من توازنات السوق مستقرة. ولكن من الواضح أن الأسواق لا تفعل هذا على أفضل وجه من تلقاء ذاتها.

ولنتأمل فيما يلي، كيف تتغير التكنولوجيات الموفرة للعمالة، وكيف أثر إدماج عدة مئات من الملايين من العمال الجدد في الأسواق العالمية على توزيع الدخول، والعائد من التعليم، وفرص العمل في كل مكان تقريبا. وبشكل خاص، كانت الحصة من الدخل الوطني التي تذهب إلى رأس المال ورأس المال البشري (الأشخاص من ذوي التعليم العالي) في ارتفاع مستمر على جبهة واسعة، الأمر الذي أدى إلى تزايد تركيز الثروات.

ورغم هذا فإن توزيع الدخل يتراوح على نطاق واسع بين الدول المتقدمة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يكسب المنتمون إلى شريحة الـ20% الأعلى في المتوسط نحو 8,4 مرات أكثر من المنتمين إلى شريحة الـ20% الأدنى. وفي المملكة المتحدة تبلغ نفس النسبة 7,2، وفي ألمانيا 4,3 فقط (مقارنة بالنسبة الهائلة التي تبلغ 12,2 في الصين). وتعكس هذه النتائج المتباينة تركيبات مميزة بين قوى السوق والعقود الاجتماعية.

ويتأثر توزيع الدخول بالسياسات الضريبية والمالية، والتي تؤثر عادة على عملية إعادة التوزيع، بشكل مباشر من خلال توفير الخدمات الاجتماعية والتأمين. ولكن هذه التوزيعات تتأثر أيضاً بالسياسات والاستثمارات التي تركز على جانب العرض، والتي تنتج التعليم والمهارات التي تضاهي (أو لا تضاهي) البنية العالمية السريعة التطور للطلب على الأيدي العاملة.

ويكمن جزء من التحدي هنا في حقيقة مفادها أن الطلب على الأيدي العاملة ينتقل إلى العرض، وليس العكس، لأن قدرة العمالة على الانتقال في الاقتصاد العالمي محدودة. ومن الخطأ أن نفترض مستوى ثابتاً وتكويناً محدداً للطلب على العمالة، وهو خطأ لا يقل جسامة عن اعتبار الطلب الحالي من جانب الركاب نقطة مرجعية ثابتة في التخطيط لأنظمة النقل العام. وفي هذه الحالة وغيرها من الحالات، يؤثر العرض على الطلب بمرور الوقت (ولقد أدرك ستيف جوبر، على سبيل المثال، هذه الحقيقة بشكل أفضل من إدراك غيره لها).

ولهذا السبب، كان من المهم إلى حد كبير أن نفكر في الطلب المحتمل في التعامل مع هذا النوع من مشكلة المضاهاة. وكما هي الحال مع مسألة الاستقرار، فمن غير الجائز الاعتماد على الأسواق في التعامل بفعالية مع هذه المشكلة بمفردها. ولا شك أن السياسات العامة واستثمارات القطاع العام تشكل أهمية أيضا.

والآن يتزايد التركيز على دور الدولة ــ وهو تركيز مستحق في اعتقادي ــ وخاصة على الموازنة العامة للدولة. وتشير الخبرة في البلدان النامية والمتقدمة على السواء إلى أن الدول التي تتمتع بموازنات عامة كبيرة وصحية تجد نفسها في موقف أفضل يسمح لها بالتعامل مع تحديات اليوم المرتبطة بالاستقرار والتوزيع والاستدامة. والواقع أن الفوائد المترتبة على ذلك عديدة، بما في ذلك القدرة على تحمل الصدمات وإنشاء الاستجابات للتقلبات الدورية، فضلاً عن القدرة على إعادة تدوير الدخل لصالح الأسر أثناء فترات مثل الوقت الحاضر، عندما ترتفع حصة الدخل التي تذهب إلى رأس المال (وما يصاحب هذا من عواقب توزيعية معاكسة).

وينبغي للدول فضلاً عن ذلك أن تكون قادرة على إنشاء استثمارات عامة مستدامة في قطاع التكنولوجيا، أو الانخراط في عملية تقاسم المخاطر من أجل التكيف مع الظروف التنافسية المتغيرة أو الاستجابة للصدمات. وبوسع الملكية العامة التي تمثل الأقلية أن تعمل على توفير الموارد، مع الإبقاء على فوائد الم��افسة، وضمان ذهاب بعض العائدات إلى عامة الناس عن طريق العائدات الحكومية.

لا شك أن بعض هذا سوف يتعارض مع العقيدة القائمة، وقد يثير جدالاً صحيا. وربما كان التركيز الضيق نسبياً على الكفاءة والنمو، على الأقل في العديد من الدول المتقدمة ناجحاً في العقود المبكرة التي تلت الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أنماط التوزيع حميدة وكانت فترات عدم الاستقرار نادرة. واليوم لم يعد هذا كافيا. فقد اكتسبت تحديات الاستقرار والمساواة والاستدامة أهمية حاسمة، ونتيجة لهذا فإن الدور الذي تلعبه الدولة فيما يتصل بالأسواق قد يحتاج إلى إعادة النظر.

ويبدو أن إعادة توجيه الأطر السياسية نحو آفاق أطول أمدا، إلى جانب التركيز الأكثر توازناً وتطلعاً إلى المستقبل على الاستقرار والعدالة (من دون إغفال أهمية الكفاءة والإبداع)، تشكل ضرورة أساسية لتلبية الاحتياجات وتحقيق آمال وتوقعات الناس في كل مكان. بل إن هذا هو المفتاح إلى معالجة مسألة الاستدامة، وهي القضية التي سوف أعود إليها في الشهر المقبل.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedJacob Geller

    I wonder if what Mr. Spence calls "resilience" is the same as what Nassim Taleb calls "anti-fragility." Mr. Taleb thinks there's a difference, but I guess we won't really know for another 6 months or so.

Featured