Wednesday, October 22, 2014
1

أسواق التفكير السحري

قازان ــ إن الأميركيين من أشد المؤمنين بقيمة رجال الأعمال والمشاريع الصغيرة. ويؤسس هذا الإيمان لقانون "تشجيع المشاريع البادئة"، وهو القانون الجديد الذي يهدف إلى التيسير على الشركات الصغيرة فيما يتصل بجمع المال وتجاوز "الاحتكاكات" التنظيمية التي تواجهها الشركات عندما تطرح نفسها في السوق. ويفترض هذا القانون أن الناس غير القادرين على الحصول على عمل قد يكون بوسعهم أن يجدوا مستثمرين بدلاً من ذلك، وأن الشركات الصغيرة سوف يكون بوسعها أن تحصل على التمويل الذي تحتاج إليه لكي يكبر حجمها وتوظف المزيد من الناس. أي أن المستثمرين الخيرين والأصدقاء وأفراد الأسرة لن يتورعوا عن تمويل مشاريع لا تجرؤ البنوك على تمويلها.

ويشكل هذا القانون مثالاً صارخاً على إيمان الأميركيين بخيرية الناس في الأساس، وبحق كل شخص في تحقيق ذاته. وينبغي لكل رجل أعمال أن يتمتع بحق جمع الأموال من المستثمرين الراغبين. وهو نهج أميركي فريد، ورأسمالي في المعنى الأفضل للكلمة، فهو يشجع (ويضفي الطابع الديمقراطي على) الاستثمار، بدلاً من تغذية الاستهلاك.

وبوسع الشركات الصغيرة (التي تقل قيمتها عن مليار دولار) أن تجمع الأموال مباشرة من صغار المستثمرين في إضفاء الطابع الرسمي على نهج "التمويل الجماعي"، والذي بموجبه يعمل مديرو مشروع ما على نشر خططهم على موقع على شبكة الإنترنت ويطلبون المال، فيفتتحون في الأساس سوقاً للاكتتاب العام. وتتلخص النظرية التي تؤسس لهذا القانون في أن مجموعة جديدة من أسواق الطرف الثالث المعتمدة، وليس لجنة الأوراق المالية والبورصة المثقلة بالأعباء (والتي فات عليها المخطط الاحتيالي الوحشي الذي نفذه بيرني مادوف)، سوف تضمن صدق أصحاب المشاريع، ومعرفة المستثمرين بما يشترون. (لا شك أن هذا يطرح السؤال حول مدى دقة فحص أسواق الطرف الثالث هذه وجدارتها هي ونظام فحصها وتدقيقها).

ورغم أن هذه المبادرات نشأت في الولايات المتحدة، فإن العديد من البلدان تتساءل كيف تشجع قطاعات المشاريع لديها، وقد تستسلم لإغراء محاكاة أميركا. لماذا إذن أتمنى لو تقاوم هذه الدول هذا الإغراء؟

من المؤسف أن احتمالات نجاح هذا القانون أشبه بمحاولات حكومة الولايات المتحدة السابقة لضمان قدرة الأسر الأميركية على شراء مساكنهم. فبفضل الدفعات الأولى المنخفضة، والفوائد المؤجلة، وغير هذا من الإغراءات، وجد الناس جاذبية كبيرة في فكرة شراء مساكنهم (أو المضاربة على المسكن الثاني) سواء كان هذا بإمكانهم أو لم يكن.

وكان سماسرة الرهن العقاري سعداء بالمشاركة في الأمر. فكان بعضهم مدفوعاً بمهمة مخلصة لتوسيع الملكية العقارية؛ وكان الجشع دافع آخرين. وأدرك بعضهم أن الناس الذين يبيعون لهم المساكن لا يمكنهم تحمل ثمنها؛ وكان آخرون لا يريدون أن يعرفوا ذلك ببساطة. والتزم بعضهم بالقواعد؛ وزور آخرون المستندات. وكانت البنوك التي أنشأت قروض الرهن العقاري تبيع محافظها الاستثمارية لمستثمرين لم يفهموا حقاً ماذا كانوا يشترون.

وعلى نفس النحو فإن قانون تشجيع المشاريع البادئة سوف يسهل حياة بعض المستحقين من الناس ــ ومن المرجح أن يجتذب العديد من غير المستحقين. فالنظام الجديد سوف يجتذب محترفي الاحتيال والمروجين الذين سوف يشجعون الشركات غير المناسبة على السعي إلى الاستثمار والإفراط في بيع الشركات لأفراد لا يمكنهم تحمل خسارة ما يستثمرون من أموال.

أتمنى لو كان لدي المزيد من الثقة في النظام، ولكن المشكلة ليست في الافتقار إلى الخيرين من الناس أو المستثمرين أو أصحاب المشاريع. فالمشكلة تكمن في أن الأشرار، في غياب التنظيم، يستغلون الأخيار. ورغم أن التنظيمات والقيود قد تعوق الأعمال التجارية الصغيرة، فليس كل التنظيمات والقيود عديمة الجدوى.

أجل، هناك بعض الشركات النزيهة الرائعة التي تستحق الاستثمار ولكنها تعجز عن الحصول عليه، ولكنها ليست شائعة إلى هذا الحد. فأنا أرى الكثير من الشركات المبتدئة، وكثير منها لديها أفكار جذابة وجيدة، ولكن أغلبها تلاقي الفشل. والآن بات من المرجح أن تنحدر جودة حتى المشاريع البادئة النزيهة مع تأسيس المزيد منها، ومن المؤكد أنها سوف تنفق الكثير من أموال أشخاص آخرين قبل أن تفلس.

على سبيل المثال، في ظل وجود عدد أكبر من المشاريع البادئة، سوف تزيد الصعوبات التي تواجهها كل منها في العثور على المواهب الإدارية اللازمة والموظفين المناسبين. والواقع أن العديد من الأشخاص الذين عينهم صاحب المشروع ربما يصبحون مديرين تنفيذيين لمشاريع بادئة منافسة. ومن ناحية أخرى فإن كل المشاريع سوف تتنافس على عدد محدود من العملاء، أما الشركات التي تحرز تقدماً فسوف تضطر آنئذ إلى المنافسة على زيادة رأس المال الأكثر نُدرة.

ومن المرجح أن يخسر العديد من المستثمرين في هذه الشركات الناشئة أموالهم. فحتى في ظل النظام الحالي، يخسر العديد من المستثمرين الممولين أموالهم. إن أفضل طريق لتحقيق النجاح في مجال الاستثمار التمويلي يتلخص في الاستثمار في عشر شركات منفصلة أو أكثر على سبيل المثال، حتى يمكنك أن تحظى بالفرصة لتحقيق فوز واحد كبير على الأقل. ولكن مرة أخرى من المرجح أن يكون اتساع المجموعة الاستثمارية سبباً في خفض متوسط عدد الاستثمارات لكل مستثمر، حيث يؤدي التنويع غير الكافي إلى عدد من الخاسرين أكبر من عدد الفائزين.

إن العقيدة التي تحرك هذا القانون لا تختلف كثيراً عن التفكير السحري الذي يحرك العديد من الظواهر على شبكة الإنترنت: ألا وهو أن الناس كلهم خيرون وكلهم يتسمون بحسن النوايا. ولكن الوصول السهل إلى الإنترنت وحواجز الدخول المنخفضة من الأسباب التي أدت إلى انتشار الرسائل الإلكترونية الاحتيالية والتطفلية، والبرمجيات الخبيثة، والسلوكيات السيئة؛ فكل خدمة جديدة تبدأ "نظيفة"، ولكنها في وقت لاحق تصبح في احتياج إلى تنظيمات ولوائح خاصة بها.

وما عليك إلا أن تسأل القائمين على شركات مثل "ئي باي" أو جوجل أو فيس بوك كم ينفقون على التدابير الأمنية، والكشف عن الغش والاحتيال، وما إلى ذلك. لن تجد لديهم رغبة في إخبارك، وهذا في حد ذاته ينبئنا بالكثير. وكما هي الحال على شبكة الإنترنت، ففي الحياة الواقعية: قد يكون لـ"الاحتكاك" هدف.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedNathan Coppedge

    Maybe there should be start-ups that deal with "micro-socialist" concepts of economics, functioning under seperate assumptions for separate results.

    Perhaps virtual concepts of economy are too strong to meet with competition from conventional ideas. Of course, the illusion for the big guys might be something that is quasi-functional in real terms, or conversely seems too bleedingly futile. But does that point towards micro-socialism or not?

    Maybe what is necessary is more base-consumer level innovation, in the form of stimulation and brain-storming which creates a qua artificial concept of economic function, along the lines of entertainment culture-coupled-with mass-industry.

    There are basic payments, but does this mean they need to go no-where? What about simple idea generation in colleges, this is under-used, and doesn't need to depress anybody.

Featured