Friday, October 24, 2014
0

إنجاح العولمة

كنت قد كتبت مراراً وتكراراً عن المشاكل التي تفرضها العولمة: نظام التجارة العالمية الجائر الذي يعوق النمو؛ والنظام المالي العالمي غير المستقر والذي يفضي إلى أزمات متكررة، فضلاً عن الدول الفقيرة التي كثيراً ما تجد نفسها مثقلة بأعباء ديون لا تطاق؛ وأنظمة الملكية الفكرية العالمية التي تحرم العالم من الحصول على العقاقير المنقذة للحياة، حتى في ظل اجتياح مرض مثل الإيدز للعالم النامي.

كما كتبت كثيراً عن انحرافات العولمة: فالأموال ينبغي أن تتدفق من الدول الثرية إلى الدول الفقيرة، ولكن خلال الأعوام الأخيرة كانت الأموال تتدفق في الاتجاه المعاكس. وعلى الرغم من أن الأغنياء أكثر قدرة على تحمل المجازفات المتعلقة بتقلبات العملة وأسعار الفائدة، إلا أن الفقراء هم الذين يتحملون القدر الأعظم من التأثيرات الناجمة عن هذه التقلبات.

وكثيراً ما رفعت صوتي صاخباً متذمراً من المشاكل التي تفرضها العولمة، على نحو جعل العديد من الناس يستنتجون أنني أنتمي إلى الحركة المناهضة للعولمة. لكنني في الحقيقة على يقين من أن العولمة تحمل إمكانات هائلة ـ طالما تدار على النحو اللائق.

منذ حوالي السبعين عاماً، وأثناء فترة الأزمة الاقتصادية العظمى، قام ماينارد كينـز بصياغة نظريته عن البطالة، والتي وصف في إطارها كيف قد تساعد تحركات الحكومة في توظيف العمالة بالكامل. وعلى الرغم من ذم المحافظين له ولنظريته إلا أن ما فعله كينـز في واقع الأمر لإنقاذ النظام الرأسمالي كان أكثر وأشد تأثيراً مما فعله أصحاب المال المؤيدون للسوق مجتمعين. ولو نجح المحافظون في فرض آرائهم آنذاك لكانت الأزمة الاقتصادية العظمى قد تفاقمت ولكانت الأصوات المطالبة بنظام بديل للرأسمالية قد تعالت وتعززت.

اليوم، نجد أنفسنا في موقف مماثل، فإذا لم نتعرف على المشاكل التي تفرضها العولمة ونعالجها، فلسوف يكون من الصعب أن تستمر. إن العولمة ليست قدراً محتماً: فلقد كانت هناك كبوات من قبل، وقد تتكرر الكبوات من جديد.

إن المدافعين عن العولمة محقون في اعتبارها قادرة على رفع المستوى المعيشي لكل إنسان على وجه الأرض، لكنها لم تفعل ذلك حتى الآن. ولا نستطيع أن نتجاهل القضية التي طرحها العمال الفرنسيون الشباب حين تساءلوا كيف ستساعدهم العولمة في تحسين أحوالهم ما دامت تعني قبول أجور أدنى وحماية وظيفة أقل. كما لا نستطيع أن نرد على هذا التساؤل بالحديث عن آمالنا في أن يستفيد الجميع ذات يوم. وكما أشار كينـز ، فإننا على الأمد البعيد سنكون قد أصبحنا جميعاً في عداد الأموات.

كان التفاوت المتنامي في الدول الصناعية المتقدمة متوقعاً منذ أمد بعيد، لكنه نادراً ما اعتبر من بين العواقب المترتبة على العولمة. إن التكامل الاقتصادي التام يعني المساواة في الأجور التي يحصل عليها أصحاب الوظائف التي لا تتطلب مهارات خاصة في كل مكان من العالم، إلا أننا على الرغم من ذلك أصبحنا اليوم أبعد ما نكون عن تحقيق هذا "الهدف". فلقد باتت الضغوط التي تدفع الفقراء إلى مزيد من الانحدار والهبوط جلية واضحة.

على الرغم من إسهام التغيرات التي طرأت على التكنولوجيا في شبه الركود الذي اعترى الأجور الحقيقية التي يتقاضاها أصحاب الوظائف التي لا تتطلب مهارات خاصة في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى من العالم طيلة العقود الثلاثة الماضية، إلا أن المواطنين لا يستطيعون أن يفعلوا الكثير في مواجهة هذه المشكلة، لكنهم يستطيعون أن يفعلوا الكثير فيما يتصل بالعولمة ذاتها.

إن النظرية الاقتصادية لا تزعم أن الجميع سوف يستفيدون من العولمة، لكنها تؤكد أن صافي المكاسب سوف يكون إيجابياً، وعلى ذلك فسوف يتمكن الكاسبون من تعويض الخاسرين، ويستمرون مع ذلك في تقدمهم. إلا أن المحافظين يزعمون أن القدرة على الاستمرار في المنافسة في ظل العولمة تتطلب تخفيض الضرائب وتقليص إعانات الضمان الاجتماعي. ولقد حدث ذلك بالفعل في الولايات المتحدة، حيث أصبحت الضرائب أقل تصاعداً، وحيث استفاد الكاسبون وحدهم من تخفيض الضرائب ـ والكاسبون في حالتنا هذه هم هؤلاء الذين يستفيدون من العولمة والتغيرات التكنولوجية في ذات الوقت. ونتيجة لهذا فقد تحولت الولايات المتحدة والبلدان التي سارت على خطاها إلى دول غنية ذات شعوب فقيرة.

لكن الدول الاسكندنافية نجحت في البرهنة على وجود سبل أخرى. بطبيعة الحال، لابد وأن يسعى القطاع الحكومي، مثله في ذلك كمثل القطاع الخاص، إلى تحقيق المزيد من الكفاءة. إلا أن الاستثمارات في مجالات مثل التعليم والبحث، إلى جانب وجود شبكة أمان اجتماعي قوية، من شأنها أن تؤدي إلى إنشاء مجتمع أكثر إنتاجية وأكثر تنافسية، حيث يصبح الأمان والمستوى المعيشي المرتفع من الأمور المتاحة للجميع. والحقيقة أن وجود شبكة أمان اجتماعي قوية، في ظل اقتصاد يقترب من التشغيل الكامل للعمالة، يشكل بيئة مشجعة لكافة الأطراف المعنية ـ العمال، والمستثمرين، وأصحاب العمل ـ للمشاركة في تحمل المجازفة التي يتطلبها الدخول في استثمارات جديدة وإنشاء شركات جديدة.

إن المشكلة هنا تكمن في تخلف العولمة السياسية عن العولمة الاقتصادية. فقد أصبح كل منا أكثر اعتماداً على الآخرين وتزايدت الحاجة إلى العمل الجماعي، لكننا نفتقر إلى البنية المؤسسية اللازمة للقيام ��هذا على نحو فعّال وديمقراطي.

الحقيقة أن الحاجة إلى المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدول، ومنظمة التجارة العالمية لم تبلغ هذه الدرجة من الإلحاح من قبل، ونادراً ما كانت الثقة في هذه المؤسسات متدنية إلى الدرجة التي بلغتها اليوم. ولقد أعربت الولايات المتحدة، القوة العالمية العظمى المنفردة، عن ازدرائها للمؤسسات الدولية، بل وعملت بكل همة واجتهاد من أجل تقويض القواعد التي تقوم عليها هذه المؤسسات. وإن الفشل الوشيك لجولة التنمية التابعة لمحادثات التجارة العالمية، والتأخير الطويل لمطالبة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار في لبنان، لا يشكلان سوى أحدث نموذجين لازدراء أميركا للمبادرات المتعددة الأطراف.

إن تعزيز فهمنا للمشاكل المترتبة على العولمة من شأنه أن يساعدنا في صياغة العلاجات اللازمة ـ وهي العلاجات الضخمة في بعض الأحيان والضئيلة في أحيان أخرى ـ التي تهدف إلى تقديم المعونة المؤثرة ومعالجة الأسباب الأساسية. هناك نطاق عريض من السياسات التي تستطيع تحقيق الفائدة للناس سواء في الدول النامية أو الدول المتقدمة، وبالتالي تزويد العولمة بالشرعية الشعبية التي تفتقر إليها حالياً.

بعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن العولمة قابلة للتغير؛ بل لقد بات واضحاً أنها سوف تتغير حتماً. والسؤال هنا ما إذا كان ذلك التغيير سوف يفرض علينا بسبب أزمة، أو ما إذا كان سيأتي نتيجة للمناقشة والحوار الديمقراطي المتأني. ذلك أن التغيير الناجم عن أزمة قد يهدد بإيجاد ردود أفعال مناهضة للعولمة، أو إعادة صياغتها على نحو عشوائي، الأمر الذي يعني تمهيد الساحة للمزيد من المشاكل في المستقبل. ولكن في المقابل سنجد أن التحكم في العملية وتولي زمامها على نحو فعّال من شأنه أن يعزز من إمكانية إعادة صياغة العولمة، على النحو الذي يجعلها قادرة على الارتقاء إلى قدراتها الكامنة والوعود التي تبذلها: والتي تتلخص في رفع المستوى المعيشي لكل إنسان على وجه الأرض.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured