Friday, August 22, 2014
0

خسارة سباق الاستثمار الأجنبي

إذا ما تحدثنا عن الاستثمار المباشر الأجنبي في أميركا اللاتينية فلابد وأن نعترف بأن القارة تعاني من مشاكل خطيرة. فرغم أن الاستثمار المباشر الأجنبي الموجه إلى داخل القارة بلغ حوالي السبعين مليار دولار أميركي في العام 2006، إلا أن هذا الرقم أدنى كثيراً من الذروة التي بلغها في الفترة ما بين 1998-1999، كما أن قسماً ضخماً من هذا المبلغ راجع إلى شركات من داخل أميركا اللاتينية تستثمر أموالها في دول مجاورة لها، بينما انخفضت تدفقات الاستثمار القادمة من أوروبا والولايات المتحدة. فضلاً عن ذلك فإن العديد من الشركات تنسحب الآن من المنطقة، أما الاستثمارات الصينية الضخمة في المنطقة، وخاصة في البرازيل، فقد فشلت في تحقيق ما كانت تعد به.

كانت حصة أميركا اللاتينية في إجمالي الاستثمار المباشر الأجنبي العالمي قد وصلت إلى ذروتها في السبعينيات، ومرة أخرى في التسعينيات، حيث بلغت 17%. أما الآن (2006) فهي لا تتجاوز 8% بعد أن بلغت 11% في المتوسط طيلة الأعوام الخمسة السابقة. كما هبطت حصة أميركا اللاتينية في الاستثمار المباشر الأجنبي العالمي بين الدول النامية، فانحدرت من 40-50% في السبعينيات إلى نصف هذه النسبة تقريباً في العام 2006.

ربما كان علاج المشاكل المرتبطة بارتفاع معدلات البطالة وتضخم القطاعات غير الرسمية ـ حيث يتم إنتاج نصف كل السلع والخدمات تقريباً ـ من بين أعظم التحديات السياسية الملحة التي تواجه المنطقة، خاصة إذا ما علمنا أن القسم الأعظم من الاستثمار والنمو من جانب الشركات المحلية يرتبط بارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهو ما لا يساهم إلا قليلاً في توفير فرص عمل جديدة. وعلى نحو مماثل، لم تشهد تدفقات الاستثمار المباشر الأجنبي توسعاً إلا في القطاعات التي تعتمد بكثافة على الموارد الطبيعية، بينما انكمشت في قطاعات الخدمات وأصابها الركود في قطاعات التصنيع.

تكمن المشكلة هنا في الافتقار إلى السياسات الحكومية الفعّالة القادرة على اجتذاب الاستثمار المباشر الأجنبي عالي الجودة، وخاصة في قطاع الصادرات، وهو ما قد يخلف أثراً مضاعفاً في الداخل، من خلال توفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. ولكن فضلاً عن تبني الهياكل القانونية والتنظيمية السليمة لضمان إنشاء الروابط اللائقة بالاقتصاد الوطني ـ وهو ما تفتقر إليه أيضاً أغلب بلدان المنطقة ـ فإن البحث عن المستثمرين المرغوب فيهم يتطلب إنشاء هيئة فعّالة مختصة بالترويج للاستثمار الأجنبي.

إن تغيير الأسلوب الذي تروج به دول أميركا اللاتينية لأنفسها لدى المستثمرين الأجانب يشكل تحدياً إبداعياً في حد ذاته. ذلك أن بيع السلع للتصدير وبيع البلاد للمستثمرين الأجانب أمران مختلفان تمام الاختلاف. وكما يقول بادرياك وايت ، الرائد في هذا المجال والذي ترأس هيئة التنمية الصناعية الأيرلندية في الفترة من 1980 إلى 1990، فإن الترويج للاستثمار المباشر الأجنبي يتطلب اتساع الخيال والقدرة على التفكير الإبداعي.

وكما أشار وايت فإن المروجين للاستثمار المباشر الأجنبي لا يبيعون منتجاً تستطيع سفارات البلد في الخارج الترويج له. ذلك أن أساليب البيع لابد وأن تعتمد على مفاهيم مالية وتنظيمية، ولابد وأن يُـعبَر عنها بلغة قانونية ومالية، وهو الدور الذي لا يستطيع سوى الخبراء أن يضطلعوا به. ولهذا السبب فقد كان من الضروري أن يتم الترويج للاستثمار المباشر الأجنبي على نحو منفصل عن الاستثمار المحلي والصادرات. فضلاً عن ذلك فإن المستثمرين الأجانب لا يرغبون في التعامل مع الدبلوماسيين أو الموظفين المدنيين، بل إنهم يرغبون في التحدث مع خبراء القطاع الخاص الذين يفهمون الاحتياجات الفنية والمالية لشركاتهم أو قطاعاتهم.

رغم كل ذلك فقد فشلت كل الهيئات المختصة بالترويج للاستثمار المباشر الأجنبي في أميركا اللاتينية، باستثناء هيئة الترويج للاستثمار الأجنبي في كوستاريكا، والتي تعمل وفقاً لنموذج هيئة التنمية الصناعية الأيرلندية، في تبني أفضل الممارسات. فالعديد من تلك الهيئات تتولى الترويج لكل من الاستثمار الأجنبي والمحلي في نفس الوقت، على الرغم من فشل مثل هذه الترتيبات المؤسسية في الماضي. على سبيل المثال، كان على أيرلندا أن تفصل بين الوظيفتين قبل أن تحقق النجاح الذي حققته. فضلاً عن ذلك فإن أغلب الهيئات العاملة في مجال الترويج للاستثمار المباشر الأجنبي في المنطقة تفتقر إلى الحد الأدنى من الموارد المالية والبشرية اللازمة للأداء الناجح. ويرجع هذا إلى افتقار الحكومات إلى الإرادة السياسية اللازمة لدعم هذه الهيئات وإعفائها من الوظيفة الموازية التي تربك المستثمرين.

إن نجاح أي هيئة مختصة بالترويج للاستثمار المباشر الأجنبي يستلزم أن تكون خاضعة لإدارة مسئول تنفيذي يتمتع بمؤهلات قوية وسمعة ممتازة في القطاع الخاص، فضلاً عن اتصالات دولية طيبة وطلاقة في تحدث اللغة الإنجليزية. وعلى نفس القدر من الأهمية، ينبغي ألا يكون هناك أي تضارب في المصالح (أو حتى شبهة تضارب) مع الأنشطة الشخصية أو السياسية الأخرى، سواء في الماضي أو في الحاضر.

ويتعين على المدير التنفيذي أن يتولى تشكيل فريق من المحللين وأن يعين أفراد هذا الفريق في المواقع ذات الأهمية الخاصة في الخارج. ومن الضروري أن يتمتع أفراد هذا الفريق بالقدرة على إدارة المعلومات والاستخبارات الخاصة بالعمل التجاري. وهذا يتطلب دراسة الأسواق والميول السوقية، والتعرف على الشركات التي قد تكون مرغوبة لدى مجموعات المصالح التي ترغب الدولة في الترويج لها.

كما سيحتاج الفريق إلى "مروجين" للعمل في هذه المواقع، ممن يتمتعون بالخبرة في مجال العلاقات العامة والإلمام التام بالمسائل الفنية الخاصة بالبلاد ومجموعات المصالح. وأخيراً، سوف يحتاج الفريق إلى شركات محلية متخصصة في "تقديم الخدمات" الم��صلة بالمعارف الفنية الخاصة بمجموعة معينة من مجموعات المصالح، وذلك بهدف تقديم المعونة الفنية اللازمة للمستثمرين الأجانب بمجرد وصولهم إلى البلاد، وبالتالي ضمان بقائهم وتوسع أعمالهم.

إن المنافسة الدولية على الفوز بالمستثمرين لهي منافسة وحشية حقاً. وهذا يعني أن انتظار هبوط المستثمرين من الفضاء ليس بالخيار المتاح. وإذا لم تنتهج أميركا اللاتينية الإستراتيجية السليمة فلسول تستمر في التأخر عن غيرها من بلدان العالم النامي.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured