Friday, October 24, 2014
0

ليبيا والثوريون المتمَنِّعون

طرابلس ــ إن مصر ليست المكان الوحيد حيث بدأت آمال الربيع العربي المشرقة في التلاشي. فمِن شن الهجمات ضد الحكومات الغربية إلى الاشتباكات العرقية في الواحات الصحراوية النائية، تتداعى ثورة ليبيا وتترنح.

وتقع المسؤولية عن عذابات ليبيا الحالية إلى حد كبير على عاتق الحكومة المؤقتة التي قادت الانتفاضة. فالمجلس الوطني الانتقالي يرفض اتخاذ قرارات صعبة، بل يمررها بدلاً من ذلك إلى الحكومة المنتخبة في المستقبل. والواقع أن المجلس الوطني الانتقالي حافظ على الكثير من الشلل المؤسسي والسلوكيات العشوائية غير المحسوبة التي تميز بها نظام العقيد معمر القذافي المخلوع. وإذا كان لثورة ليبيا أن تنجح فيتعين على زعماء البلاد الجدد أن ينفصلوا تماماً عن روح الماضي.

على مدى 42 عاماً قضاها في السلطة، أحاط القذافي نفسه بالمستشارين الذين كانوا من رفاقه في شبابه، وأكملهم بزمرة صغيرة من التكنوقراط. ونتيجة لهذا، فإن زعماء الثورة التي أطاحت به لم تكن لديهم خبرة تُذكَر في الحكم. وفي بلد حيث كان أي نشاط سياسي يعتبر خيانة، فإن العديد من المراقبين توقعوا أن يتعثر المجلس الانتقالي المبتدئ في وقت مبكر وعلى نحو متكرر. وهذا هو ما حدث بالفعل.

الواقع أن الثورة ليست بالشأن السلس على الإطلاق. فعندما فشل المقاتلون في إلحاق الهزيمة بالقوات الموالية بمفردهم، اضطرت قوى خارجية على التدخل. وفي وقت لاحق، كان المجلس الوطني الانتقالي عاجزاً عن فرض الانضباط على عدد لا يحصى من المليشيات التي تشكلت لمحاربة قوات القذافي، أو حتى لتوجيه الأسلحة الأجنبية بكفاءة إلى الجيش الوطني الليبي الوليد. وعندما اغتيل رئيس هيئة أركان الجيش في شهر يوليو/تموز في ظروف غامضة، عجز المجلس الوطني الانتقالي عن تقديم إجابات متماسكة للجماهير الغاضبة. ومع غياب القدرة على الوصول إلى الأصول الليبية المجمدة في الخارج، كانت الرواتب تتأخر لأسابيع على نحو متكرر.

ورغم أن المعركة ضد القذافي كانت لا تزال مستعرة، اعتبر الليبيون أنه مما يتنافى مع الحس الوطني الإشارة إلى نقاط الضعف التي يعاني منها المجلس الوطني الانتقالي. ولكن اليوم تضخمت هذه العيوب بسبب الشلل الذي أصاب المجلس. فأعضاء المجلس الوطني الانتقالي يدخلون في مداولات ولكنهم لا يتخذون قرارات. وأغلبية الثلثين اللازمة لتمرير التشريعات تعني أن العديد من مشاريع القوانين تجهض بعد مناقشات مستفيضة.

والواقع أن العديد من أعضاء المجلس الوطني الانتقالي يرون أن المجلس يفتقر إلى الشرعية اللازمة لاتخاذ القرارات الصعبة. وهم يزعمون أن الدور الذي يلعبه المجلس الوطني الانتقالي لابد أن يقتصر على العمل كحكومة تصريف أعمال تكتفي بتنفيذ القرارات الأكثر أهمية إلى أن يتولى الأمر مسؤولون منتخبون. ونتيجة لهذا فإن المجلس الوطني الانتقالي، ومجلس الوزراء الذي عينه والمعروف باسم اللجنة التنفيذية، لا يريد سوى تمرير عصا السلطة. ولأنهم مترددون في ترك بصمات كبيرة من خلفهم، فإن بعض الوزراء يعملون بلا ميزانية، وبعض الوزراء يمتنعون عن التوقيع على أي صفقات مع شركات أجنبية.

ولكن بعيداً عن التساؤل بشأن الدور المناسب لحكومات تيسير الأعمال تكمن مسألة تردد قادة المجلس الوطني الانتقالي، الذين يفضلون ببساطة الامتثال لأوامر آخرين. فعندما سأل أحد قادة الجيش مؤخراً رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل لماذا لم يتحرك لدمج المليشيات في جيش وطني موحد، أجابه عبد الجليل قائلا: "أنا أتولى رئاسية السلطة التشريعية. يتعين عليك أن تتحدث مع اللجنة التنفيذية".

ويعاني مسؤولون ليبيون كبار آخرون من نفس السبات الإداري. فقد حظي أول رئيس وزراء في المجلس الوطني الانتقالي محمود جبريل بقدر كبير من المديح من قِبَل المجتمع الدولي لرؤيته السديدة. ولكن جبريل، مثله في ذلك كمثل عبد الجليل، أثبت عجزه عن اتخاذ القرارات.

ويتجلى الشلل الذي يعاني منه المجلس الوطني الانتقالي بوضوح في محاكمة نجل القذافي سيف الإسلام القذافي. فعلى الرغم من اعتباره الأسير الأغلى ثمناً من النظام القديم، فإن المجلس لم يحرز تقدماً يُذكَر في محاكمته. ومؤخراً قال لي أحمد الجهني، ممثل ليبيا لدى المحكمة الجنائية الدولية: "نحن كليبيين لا يمكننا أن نبدأ محاكمة سيف. فلا توجد لدينا سلطة مركزية لمحاكمته". ولقد أعرب مدعي المحكمة الجنائية الدولية عن مشاعره في المذكرة القانونية الصادرة في الخامس من يونيو/حزيران، والتي ذكر فيها أن "حكومة ليبيا قد تكون عاجزة عن تحريك هذه القضية إلى الأمام". وفي غياب أي تقدم نحو محاكمة القذافي بتهمة ارتكاب جرائم حرب، فإن احتجاز المجلس الوطني الانتقالي له يصبح أشبه باحتجاز شخص ما لأنه لا يحمل رخصة قيادة جمل.

ويبدي البيروقراطيون امتعاضهم إزاء العجز الوزاري. فيقول أحد المسؤولين في وزارة العمل في إشارة إلى المشكلة الأكثر إلحاحاً في مواجهة المجلس الوطني الانتقالي: "في كل يوم يأتي الناس بأفكار لتسريح المقاتلين ودمجهم في المجتمع، ولكن لا يوجد من يستطيع اتخاذ القرار، فتظل كل هذه الخطط قابعة على مكاتبنا".

من بين الأسباب وراء هذا الجمود ما يرجع إلى الثقافة السياسية السائدة في ليبيا. فلعقود من الزمان كان القذافي يراجع شخصياً كل الاتفاقيات التي تتجاوز قيمتها 200 مليون دولار، وكثيراً ما كان يختار الشركات الأجنبية التي ستحصل على العقود. وعندما نقل التخطيط الوزاري إلى البيروقراطيين في عام 2008، أعرب كثيرون عن عدم رضاهم. وكما ورد في تقرير في إحدى البرقيات الدبلوماسية التي سربها موقع ويكيليكس فإن "كبار المسؤولين في الوزارات يشعرون بقدر عظيم من التوتر، نظراً لعدم تعودهم على التخطيط وقدراتهم البشرية المحدودة".

إن زعماء ليبيا الجدد يعانون مما هو أسوأ من التباطؤ والتلكؤ. فهم يتقهقرون دوماً إلى نفس الردود الهينة الملفقة المجهزة سلفاً التي تعود بها القذافي على شيطنة خصومه المحليين والدوليين وتشويه سمعتهم طيلة أربعة عقود من الزمان.

على سبيل المثال، عندما أعلن الليبيون في شرق ليبيا مؤخراً عن تشكيل مجلس إقليمي مؤقت كخطوة أولى نحو إعلان دولة فيدرالية، زعم عبد الجليل أنها "بداية المؤامرة ضد ليبيا" في خضم الأزمة المختمرة بين أقاليم البلاد. فقال: "إن بعض الدول العربية عملت للأسف على دعم وتشجيع هذا الأمر". ولكن عبد الجليل لم يذكر اسم أي قوة أجنبية محددة ولم يقدم أي دليل يدعم ادعاءاته، وهو ما بدا أشبه كثيراً بأحاديث القذافي الصاخبة المتكررة عن "المخططات الإمبريالية الصهيونية".

بعد ثورة دامت ثمانية أشهر ودمرت البلاد، يطالب الليبيون بإصلاحات حقيقية. ولكن بدون قيادة جديدة راغبة في تنفيذ هذا الإصلاحات، فقد يمر وقت طويل قبل أن تقلب ليبيا صفحة جديدة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured