Tuesday, September 2, 2014
0

الحرية وروحها الثورية

نكاد نجزم بأن كافة المفكرين الاجتماعيين العظماء يبرزون في مستهل حياتهم الفكرية كشخصيات استقطابية، فينالون إعجاب بعض الناس، ويثيرون ازدراء وسخرية بعضهم الآخر، إلى أن تكون الغلبة في آخر الأمر لتحديهم الجذري للكيفية التي نفهم بها العالم. لقد كان ميلتون فريدمان عملاقاً بين المفكرين الاجتماعيين في العصر الحديث لسببين على الأقل. الأول، أن تأثيره العميق لم يقتصر على ميدان علوم الاقتصاد فحسب، بل لقد امتد إلى العلوم الاجتماعية على نحو أكثر عرضاً واتساعاً. والثاني، أن تأثيره على الرأي العام وصناعة القرار الاقتصادي، إذا ما حكمنا من خلال الخبرة التاريخية، كان سبباً في تحسين حياة أعداد هائلة من الناس إلى الأفضل.

ظل فريدمان تائهاً في البرية الفكرية لعقود من الزمان، يرفض باحتقار إجماع أصحاب مذهب كينـيز على أن الحكومات لابد وأن تستخدم السياسة المالية في إدارة الطلب الكلي ـ وهي النظرة التي دعمت سيطرة الدولة على الاقتصاد طيلة فترة السبعينيات. والحقيقة أن فريدمان ، في سياق عصره، كان مفكراً ثورياً حقاً، جمع بين البحوث الأكاديمية الدقيقة والكتب الشعبية الرشيقة والصحافة، في الدعوة إلى انتهاج سياسات السوق الحرة ـ والتأكيد على الارتباط بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية ، الذي دافع عنه الكتاب منذ آدم سميث وحتى فريدريك فون هايك .

في عالم الاقتصاد، عمل فريدمان على إحياء وتنمية النظرة "النقدية" التي تؤكد أن مقدار النقود المتداولة يشكل العامل الرئيسي في تحديد شكل الأداء الاقتصادي. وفي كتابه الرائع "تاريخ النقد في الولايات المتحدة في الفترة من العام 1867 إلى العام 1960" (الذي ألفه بالاشتراك مع أنـّا شوارتز )، أرجع فترات الركود الاقتصادي، بما فيها الأزمة الاقتصادية العظمى في ثلاثينيات القرن العشرين، إلى تضاؤل الكم المعروض من النقود. كما أكد على نحو مماثل أن الإفراط في المعروض من النقود كان السبب في التضخم.

وفي الستينيات أثبت فريدمان أن إدارة الطلب بطريقة كينـيز من خلال الإنفاق الحكومي كانت السبب في الازدياد المضطرد في المعروض من النقود، الأمر الذي أدى إلى تسارع نمو الأجور والأسعار. وبالاشتراك مع إدموند فيلبس ـ الحائز على جاهزة نوبل لهذا العام ـ أثبت وجود علاقة تبادلية مستقرة بين البطالة والتضخم. كما برهن المؤلفان على أن أية محاولة لاستخدام السياسات الحكومية التوسعية في دفع البطالة إلى الانخفاض إلى ما دون مستوى معين لابد وأن تؤدي إلى تغذية توقعات التضخم وتقويض كل من النمو الاقتصادي ومحاولات توفير فرص العمل. ولقد كان في ذلك التحليل توقع وتفسير لمصاحبة ارتفاع معدلات التضخم لارتفاع معدلات البطالة أثناء فترة السبعينيات، وهو ما عرف بعد ذلك باسم "الركود التضخمي" ( stagflation ).

لقد عمل فريدمان كمحفز لتحول عميق طرأ على الكيفية التي تدير بها الحكومات السياسات الاقتصادية. فبدلاً من التحفيز المالي وفرض السيطرة، أصبحت الأداة الرئيسية للإدارة الاقتصادية اليوم تتلخص في انتهاج السياسات النقدية التي تعتمد في إدارتها على البنوك المركزية المستقلة. وعلى هذا فقد أزيحت نظرية إدارة الطلب التي ابتكرها كينـيز ، وحل محلها فهم جديد ـ ندين به إلى حد كبير إلى فريدمان ـ مفاده أن ملاحقة الانضباط المالي واستقرار الأسعار تشكل الضمان الأفضل لاستقرار ودوام الاقتصاد الشامل.

وعلى نفس القدر من الأهمية يأتي إسهام فريدمان في التأثير على الرأي العام من خلال أعمال تناولت دور الدولة في المجتمع. وبمساعدة هايك ، زميله في جامعة شيكاغو، شن فريدمان هجوماً فكرياً عاماً على النظرية الكينـيزية، زاعماً أن أي حكومة يسمح لها بتنظيم الاقتصاد باسم العدالة والمساواة تشكل تهديداً للحرية الفردية.

لقد نجح فريدمان ، من خلال مقالاته في النيوزويك التي نشرت في الفترة من العام 1966 إلى العام 1983، وكتبه "الرأسمالية والحرية" و"حر في الاختيار" و"طغيان الحالة الراهنة (الذي كتبه بالاشتراك مع زوجته روز )، في تقديم رؤية للحرية تتسم بالجاذبية وإمكانية التحقق في ذات الوقت. وكان كتابه "حر في الاختيار" ـ الذي أصبح فيما بعد أساساً لحلقات تلفزيونية شهيرة كان يستضيفها بنفسه ـ قد نشر بشكل غير قانوني في بولندا في الثمانينيات، الأمر الذي جعلني، وكثيرين غيري، نحلم بمستقبل من الحرية أثناء أشد سنوات الحكم الشيوعي إظلاماً. لقد كانت كتاباته الشعبية تشكل فلسفة سياسية قوية، علاوة على المقترحات الراسخة التي قدمها فيما يتصل بالسياسات. على سبيل المثال، ابتدع فريدمان فكرة إيصالات المدارس، زاعماً أن المنافسة الخاصة من شأنها أن تضمن أداءً تعليمياً أفضل مما تقدمه الأنظمة الحكومية.

أصبح فريدمان ، بفضل وجهات نظره، بمثابة النور المرشد للمحافظين الاقتصاديين في كل أنحاء العالم. فقد ساعد تأثيره على حكومة مارجريت تاتشر في تحول بريطانيا من حالة "سلة ما بعد الصناعة"، التي هيمن عليها الصراع الطبقي، إلى قوة اقتصادية مهيمنة في أوروبا. وحين قررت فيتنام تطبيق ��صلاحات السوق الحرة أثناء الثمانينيات، عكف المسئولون الحكوميون هناك على دراسة كتاباته. كما كان له الفضل في ابتكار ممارسة شائعة تتلخص في قياس ومقارنة الحريات السياسية والاقتصادية بين البلدان، الأمر الذي ساعد في صياغة الرأي العام في دول يُـنْـظَر إليها باعتبارها من الدول التي تقيد الحريات.

إلا أن معاداته الثابتة لتركيز السلطة الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي في يد الدولة، قادته أيضاً إلى اعتناق مواقف تصادمت مع العديد من المشاعر السياسية لدى المحافظين، لكنها أكدت على أمانته الفكرية التي اتسم بها طيلة حياته. على سبيل المثال، امتدت معارضته لسلطة الحكومة فيما يتصل بحظر أو تنظيم السلوك الإنساني إلى مجالات مثل ترخيص متطلبات الأطباء وسائقي السيارات، علاوة على قوانين مكافحة المخدرات التي كان يرى أنها تعمل لصالح الجريمة المنظمة. وعلى نحو مماثل، بذل فريدمان جهداً ملحوظاً فيما يتصل بتهييج الرأي العام ضد التجنيد العسكري الإجباري في أميركا.

وعلى الرغم من أنه لم يخرج من كل معاركه الفكرية منتصراً، إلا أننا نستطيع أن نجزم، وبقدر كبير من الثقة أن الرجل كان عظيماً وأن أعماله التي تركها من بعده سوف تظل باقية ومؤثرة. أنا أعيش في بولندا التي أصبحت الآن بلداً حراً، وأعتبر ميلتون فريدمان واحداً من المهندسين الفكريين الرئيسيين الذين أرسوا الأساس لحريتنا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured