Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

رسالة من فلسطين

تُـرى هل الإسرائيليون والفلسطينيون على استعداد حقاً لعقد اتفاقية سلام؟ مما لا شك فيه أن الأحداث قد أخذت تتحرك بخطوات أكثر سرعة في الشهور الأخيرة، ولكن في ظل عقبات متلاحقة تمنع التوصل إلى اتفاق دائم يبدو وشيك الحدوث. ففي أعقاب وفاة ياسر عرفات اختير خليفته نتيجة لانتخابات مباشرة تمت بتصويت شامل، ولقد صاحب هذا قرار إسرائيلي ـ وهو قرار فريد في العالم ـ بتقديم المساعدة للعملية الديمقراطية، وليس وضع العقبات أمامها، في المناطق التي تحتلها. ونتيجة لهذا فإن أحداً لا يستطيع التشكيك في شرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس .

فضلاً عن ذلك، فمع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون عن اعتزامه سحب جيش إسرائيل من قطاع غزة، أصبح الاحتلال ذاته مسألة مفتوحة للنقاش من جديد، الأمر الذي يسمح بتوفير الفرصة للمزيد من التقدم على المسار السلمي. والحقيقة أن تأييد الرئيس المصري حسني مبارك للانسحاب من غزة قد ساعد على فتح الباب أمام المفاوضات الحقيقية الجادة.

منذ زمن بعيد لم نشهد مثل هذا التتابع المؤثر للأحداث في هذه المنطقة المضطربة من العالم. ونتيجة لهذا فقد عاد كثيرون ـ داخل وخارج الشرق الأوسط ـ إلى التفاؤل من جديد. حتى أن شارون أصبح يغامر أحياناً بإطلاق القليل من التعليقات المؤيدة، كما أصبحنا نرى الدبلوماسيين الأميركيين يتنفسون الصعداء بعد أن أدركوا أن التقدم نحو السلام قد أصبح أخيراً أمراً قابل للتحقيق.

أستطيع أن أشهد على صحة تجمع القوى الدافعة في اتجاه السلام، فقد عدت للتو من فلسطين حيث توليت قيادة مهمة لمراقبي الاتحاد الأوروبي دامت ما يقرب من خمسة أسابيع. ولقد كانت هذه المهمة في الحقيقة أضخم المهام التي تولاها الاتحاد الأوروبي في هذا المجال. حيث بلغ عدد أفراد القوة التابعة للمهمة في يوم الانتخابات وإحصاء الأصوات 260 فرداً، بينما ظل أربعون فرداً منا مقيمين هناك طيلة فترة الأسابيع الخمسة.

وإن شهادتي بشأن الانتخابات صريحة ومطلقة: فقد كانت الظروف صعبة، لكن التصويت جرى على نحو سلس وبدون حالات غش أو تزوير. ونظراً للظروف القائمة هناك، فقد كان من المذهل أن تصل نسبة المشاركة في الانتخابات إلى 60%. وعلى هذا فلا مجال للشك في أن انتخاب عباس قد تم بأسلوب ديمقراطي صريح. كما نستطيع أن نؤكد أن الشعب الفلسطيني قد اختار الديمقراطية، الأمر الذي يترتب عليه بطبيعة الحال التوجه إلى خيار السلام مع إسرائيل من خلال المفاوضات.

ولكن يتبقى لدينا قضية الإرهابيين الذين لم يختاروا السلام. وهذه الفئة ليست كبيرة العدد، إلا أنها في الحقيقة في غاية الخطورة. وعلى هذا فإن التقدم الحقيقي على مسار التسوية السلمية العادلة يشكل الوسيلة الوحيدة لتحييد هذه الفئة كقوة سياسية.

مما لا شك فيه أن الظروف الحالية تقدم لكل الأطراف فرصة فريدة، ولكن يتعين علينا أن نضع نصب أعيننا الصعوبات الرئيسية التي قد تحد من قدرتنا على استغلال هذه الفرصة، كما ينبغي على المجتمع الدولي أن يجعل هذه الصعوبات واضحة جلية أمام الطرفين.

تتمثل الصعوبة الأولى في غموض شارون بشأن ما يرغب في تحقيقه من خلال المفاوضات المستقبلية على الرغم من عزمه الواضح على الاستمرار في خطة الانسحاب العسكري من قطاع غزة. والحقيقة أنه لم يقدم ولو أبسط إشارة إلى فكرة بحث قضيتي الضفة الغربية والقدس في هذه المفاوضات. ولكن بالنسبة للفلسطينيين فهم لا يتصورون أي نوع من المفاوضات لا يتضمن هاتين القضيتين.

أما الصعوبة الثانية فتتمثل في قناعة شارون التي يعبر عنها دوماً بشأن قدرة السلطة الفلسطينية على استئصال كافة أشكال الإرهاب المنطلق من الأراضي الفلسطينية والموجه نحو إسرائيل. لكن كافة المراقبين من الخارج يدركون تمام الإدراك أن التوصل إلى هذه الغاية ليس في مستطاع السلطة الفلسطينية، حتى إذا كان بوسع عباس أن ينجح بلا أدنى شك في تقليص مستوى وعدد الهجمات.

ولكي يكف الشعب الفلسطيني ككل عن تمجيد وتأييد وإيواء الإرهابيين، فلابد وأن يجد أملاً حقيقياً في حياة جديدة. وهذا بدوره يتوقف على إعادة الانتعاش إلى الاقتصاد في المناطق المحتلة واقتناع الناس بأن خطوات جادة راسخة قد اتخذت بالفعل نحو التوصل إلى حل سياسي من خلال المفاوضات.

وإن إيجاد مثل هذا الأمل في النفوس يعتمد الآن على إسرائيل وحدها، والتي يتعين عليها أن تتحرك على الفور من أجل تعزيز العديد من الفلسطينيين التواقين إلى السلام، بدلاً من الإصرار على الاختفاء الكامل للإرهاب. فتأخير العملية السلمية في حد ذاته لن يؤدي إلا إلى تعويق احتمالات اختفاء الإرهاب.

أما الصعوبة الثالثة فتتمثل في إصرار أغلب السلطات الدينية على الجانبين، الحاخامات والأئمة على السواء، على تبني مواقف متشددة. فهم مستمرون في الإلحاح على "المحظورات" الخاصة بكل من الطرفين، والتي هي في الحقيقة القضايا التي تقف حائلاً دائماً أمام الجهود الرامية إلى تحقيق السلام ـ وعلى الأخص وضع القدس وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى إسرائيل ـ والتي يعتبرونها قضايا لا تمس وغير قابلة للتفاوض. وإن حمل هذه السلطات الدينية على إدراك المسئولية الملقاة على عاتقها لهي مهمة لابد وأن تضطلع بها كافة منظمات وهيئات المجتمع المدني الدولي، بما في ذلك الزعامات الدينية.

كل ما سبق قابل للتحقيق، ولسوف يكون التوصل إلى هذه الغايات مضنياً بطبيعة الحال. لكننا الآن أمام فرصة لتحقيق سلام حقيقي دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وواجبنا يملي علينا جميعاً أن نغتنم هذه الفرصة وألا نهدرها.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.