Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

أميركا اللاتينية عند مفترق الطرق

شهد العام الماضي تحولاً حاسماً في أميركا اللاتينية. فعلى ما يبدو أن عدداً متزايداً من دول المنطقة أصبحت عازمة الآن على السعي نحو تحقيق مصالحها بصرف النظر عن رغبة الولايات المتحدة.

كان انتخاب خوسيه ميجيل إنسولزا كأمين عام لمنظمة الدول الأميركية، بعد الهزيمة التي ألحقها بالمرشح المدعوم من قِـبَل إدارة بوش بمثابة البرهان الساطع على انحدار الزعامة القارية للولايات المتحدة. والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تفقد السيطرة على منظمة الدول الأميركية، التي كانت تخدم مصالحها بصورة عامة فحسب، بل لقد أخفقت أيضاً في إقناع الدول المشاركة في قمة الأميركيتين لعام 2005 والتي جرت في "مار ديل بلاطا" بالأرجنتين، بالتصديق بالإجماع على بيان تعلن فيه عن تأييدها للمواقف الاقتصادية والسياسية التي تتبناها الولايات المتحدة في المنطقة. ولقد كانت هذه النكسة أكثر إيلاماً للولايات المتحدة، حيث أن تلك القمة كانت قد صممت للدفاع عن مواقف الولايات المتحدة والترويج لها.

فضلاً عن ذلك فقد فشلت المحاولات التي بذلتها إدارة بوش طيلة العام 2005 لتأديب حكومة فنزويلا. فقد عجز الرئيس بوش ببساطة عن حمل الحكومات الأخرى على دعم سياسة العزلة التي كان يسعى إلى فرضها على إدارة الرئيس هوجو شافيز. كما أحبِـطت أيضاً جهود الولايات المتحدة الرامية إلى اكتساب الدعم الإقليمي لسياسة التدخل المباشر في النزاع الداخلي الدائر في كولومبيا.

بطبيعة الحال، لا تسير كافة الأمور ضد الولايات المتحدة. فقد جاء انتخاب الكولومبي لويس ألبرتو رئيساً لبنك التنمية بين الأميركيتين نتيجة لدعم واضح من قِـبَل الولايات المتحدة. وهذا يعني أن البنك سوف يستمر على الأرجح في سياساته التقليدية الليبرالية الجديدة. ولكن على أية حال، أصبحنا الآن نرى خطاً واضحاً بين دول أميركا اللاتينية التي تسعى إلى تحقيق تكامل إقليمي تملي شروطه من خلال مصالحها الخاصة، وبين تلك الدول التي تؤيد التكامل تحت توجيهات الولايات المتحدة.

يتلخص مشروع المجموعة الأولى، تحت زعامة البرازيل وبدعم من الأرجنتين وفنزويلا، في إنشاء ما يسمى بـِ "جمعية أمم جنوب أميركا". وتسعى دول مجموعة جنوب أميركا التجارية ـ البرازيل، والأرجنتين، بالإضافة إلى باراجواي وأوروجواي ـ إلى الدفاع عن مصالحها الوطنية وإلى إقامة نظام دولي أكثر عدالة وديمقراطية: ولا تسعى إلى المواجهة مع أي جهة.

وهناك اتجاهين بين دول المجموعة الثانية ـ التي تسعى إلى إقامة علاقة مباشرة مع واشنطن ـ فبعض الدول مثل كولومبيا، والإكوادور، وبيرو، تعمل كل منها على نحو منفرد، بينما هناك دول أخرى، وعلى رأسها دول أميركا الوسطى وجمهورية الدومينيكان، تعمل من خلال منظور إقليمي. وجميع تلك الدول تؤيد السياسة التي انتهجتها المكسيك بالفعل، وشيلي إلى حد أقل.

لكن الصورة الإيديولوجية تقدم لنا تناقضات صارخة. والحقيقة أننا نستطيع أن نتوقع عواقب سياسية قد تؤثر على المنطقة بالكامل إذا ما تفاقمت المواجهة بين فنزويلا والولايات المتحدة، وإذا ما فازت جبهة ساندينيستا للتحرير الوطني بنصر انتخابي في نيكاراجوا. فمن المرجح أن تنظر الولايات المتحدة إلى تشكيل مثلث يربط كوبا وفنزويلا ونيكاراجوا باعتباره تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى وضع أميركا اللاتينية بصورة خطيرة على رأس أولويات الأجندة الأمنية لإدارة بوش. وبطبيعة الحال، لن يؤدي فوز الحركة الاشتراكية التي يتزعمها إيفو موراليس في بوليفيا إلا إلى صب المزيد من الوقود على اللهب.

مما لا شك فيه أن نظرتنا إلى أميركا اللاتينية في عام 2005 لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الذي يتصل بعلاقتها بالولايات المتحدة. فهناك أيضاً مخاوف عميقة بشأن الأوضاع الداخلية في العديد من الدول التي تعاني من أزمات سياسية ومؤسسية تكاد تكون مستديمة، مثل هايتي، والإكوادور، وبوليفيا. ومما يدعو للأسف أن الأسباب البنيوية التي أدت إلى نشوء هذه الأزمات لن تتوفر الحلول لها بمقدم العام الجديد.

والحقيقة أن المشاكل المحلية من المرجح أن تؤدي إلى تفاقم التوتر الإقليمي. فقد شهد عام 2005 على سبيل المثال مناوشات بين شيلي وبيرو بشأن الحدود البحرية. وفي بوليفيا هناك ضغوط متصاعدة ترمي إلى استرداد الحق في الوصول إلى البحر، والذي خسرته لصالح شيلي أثناء القرن التاسع عشر، وهي تستغل صادراتها من الغاز كورقة ضغط. كما يساعد النزاع بين كوستاريكا ونيكارجوا حول حقوق الملاحة في نهر سان خوان، والنزاعات القضائية الحامية بين كولومبيا وفنزويلا، على تصعيد التوتر في المنطقة.

كل هذه التوترات تفرض تهديداً قد يتجسد في سباق تسلح جديد ـ هذا في وقت حيث أصبحت مشاكل مثل الفقر، والافتقار إلى المساواة والعدل، وتهميش المواطنين الأصليين تمثل التحدي الأكبر الذي يواجه المنطقة. وإذا لم تجد هذه المشاكل علاجاً فلسوف تتفاقم حالة عدم الاستقرار لا محالة.

وفي النهاية، نستطيع أن نؤكد أن الهجرة بأعداد كبيرة تساهم في تغذية التوتر في الإقليم. والمشكلة لا تتلخص في الهجرة غير القانونية إلى الولايات المتحدة فحسب. ذلك أن هذه الهجرات التي جاءت كنتيجة مباشرة للظروف الاقتصادية القاسية ـ وأعمال العنف واسعة النطاق في الماضي بصورة خاصة ـ تحدث أيضاً بين دول أميركا اللاتينية. ولكي تظل هذه التنقلات الهائلة للبشر سلمية فإن هذا يفرض على زعماء المنطقة تحديات خطيرة خلال الأشهر والأعوام القادمة.

وإذا لم تتحسن الظروف التي تؤدي إلى الفقر والعنف في كافة أنحاء أميركا اللاتينية فمن المحتم أن يتصاعد التوتر. فلقد وصلت المنطقة حقاً إلى مفترق طرق: ولسوف يقرر العام 2006 ما إذا كانت المنطقة سوف ترتد إلى ذلك الماضي المؤسف الأليم الذي سادته الفوضى، أو تعمل على إيجاد النضج اللازم للاستفادة من تجارب الماضي في تحقيق النمو والاستقرار في ظل ظروف تسودها الحرية والديمقراطية.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured