Friday, July 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

المرض الروسي

موسكو ــ إن تاريخ الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة في روسيا يكشف عن نمط متكرر: فهي لا تموت بفعل ضربات خارجية أو حركات تمرد محلية. بل إنها تميل إلى الانهيار بسبب عِلة داخلية غريبة ــ مزيج من اشمئزاز أهل النخبة الشديد من أنفسهم وإدراك لحقيقة مفادها أن النظام وصل إلى مرحلة الإنهاك. ويشبه هذا المرض النسخة السياسية من غثيان جان بول سارتر الوجودي، ولقد أدى إلى كل من الثورة البلشفية في عام 1917، وزوال الاتحاد السوفييتي مع بيريسترويكا ميخائيل جورباتشوف.

واليوم، أصيب نظام رئيس الوزراء فلاديمير بوتن بنفس المرض الفتاك، على الرغم من ــ أو بسبب ــ الجدار السياسي الذي يبدو محكماً والذي أنفق النظام سنوات في بنائه حول نفسه. ولم تتمكن محاكاة بوتن التافهة لنظام إيديولوجي ضخم من تجنب هذا المصير. فالآن تُدَنَّس صورة "الزعيم البطل" و"مآثره البطولية" بشكل يومي. وهذه الاعتداءات اللفظية لم تعد مقصورة على أصوات المعارضة الهامشية؛ بل إنها الآن تدخل إلى وسائل الإعلام الرئيسية.

ولقد تسبب حدثان في التعجيل بانهيار الثقة في نظام بوتن، سواء بين أهل "النخبة" أو الروس العاديين.

فأولا، في سبتمبر/أيلول وفي إطار مؤتمر حزب بوتن السياسي روسيا المتحدة، أضفى بوتن و"الرئيس" دميتري ميدفيديف الصبغة الرسمية على ما توقعه الجميع، عندما أعلن بوتن عن اعتزامه العودة إلى الرئاسة في مارس/آذار ــ وبالتالي أعلن نفسه دكتاتور روسيا مدى الحياة. والواقع أن سعيه الحثيث إلى الفوز بالحكم الأبدي لم يكن مدفوعاً بالتعطش إلى السلطة بقدر ما كان نابعاً من خوفه من التعرض للمساءلة والحساب ذات يوم عن تصرفاته.

جاءت الضربة الثانية القاتلة لهيبة بوتن مع نطاق غير مسبوق من التزوير للانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر/كانون الأول. ووفقاً لمراقبين موثوق بهم، مثل منظمة "جولوس" (الصوت) غير الحكومية المعنية بمراقبة الانتخابات ومنظمة "مواطنون للمراقبة، فإن تزوير الأصوات لصالح حزب روسيا المتحدة ضمن ميزة التقدم بنحو 15% إلى 20% للحزب الذي يطلق عليه الآن "حزب المحتالين واللصوص". ولقد بدأ التحايل قبل فترة طويلة من يوم التصويت، عندما تم منع تسعة من أحزاب المعارضة من مجرد الظهور على أوراق الاقتراع.

والواقع أن هذين الحدثين لم يسهما في إفقاد نظام بوتن شرعيته فحسب، بل وأيضاً في إظهاره بمظهر مثير للسخرية. وحتى لو "فاز" النظام رسمياً بالانتخابات الرئاسية في الرابع من مارس/آذار، فإن النرد قد ألقي بالفعل.

إن ما يحدث في روسيا اليوم يشكل جزءاً من ظاهرة عالمية. وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها بوتن لعزل روسيا وجوارها ما بعد السوفييتي القريب، فإن الاتجاهات المناهضة للاستبداد في مناطق قريبة (مثل الشرق الأوسط) بدأت تتسلل إلى المنطقة.

والآن يشعر الناخبون الروس، والمؤسسة الحاكمة، وطبقة المفكرين والمثقفين بأن البوتينية خسرت المعركة بالفعل. فهي مسألة وقت فقط الآن قبل أن تحول الأحداث هذه الهزيمة إلى حقيقة واقعة. وبعد سقوط بوتن فإن زعماء الأنظمة ما بعد السوفيتية الأخرى ــ من ألكسندر لوكاشينكو في بيلاروسيا، ونور سلطان نزارباييف في كازاخستان، إلى فيكتور يانوكوفيتش المتشبه ببوتن ــ لن يكتب لهم البقاء في السلطة لفترة طويلة.

الواقع أن الحكم السلطوي كان في طريقه إلى الخروج من الصورة في الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن الأزمة الاقتصادية العالمية أوقفت العملية. فكانت جورجيا أول دولة تطيح برموز النظام الشيوعي، ثم تبعتها أوكرانيا، ولكن بسبب الفتنة الداخلية، وضغوط الكرملين، وعدم اكتراث الاتحاد الأوروبي، عجزت الثورة البرتقالية عن الوفاء بوعد الديمقراطية. والآن يسعى يانوكوفيتش إلى إبطال المكاسب الديمقراطية التي حققتها البلاد، ولكنه يجد صعوبة كبيرة في تحقيق هذه الغاية، على الرغم من سجن العديد من زعماء المعارضة.

وفي مولدوفا كان الانتقال الحقيقي إلى الديمقراطية جارياً لبعض الوقت. وفي كازاخستان أيضاً أصبحت الأصوات المتذمرة من رئاسة نزارباييف مدى الحياة في ارتفاع مستمر. وحتى شعب أوسيتيا الجنوبية الصغيرة، التي ضمها الكرملين في أعقاب حربها ضد جورجيا في عام 2008، يقاوم الآن الدمى المحلية التي وضعها نظام بوتن هناك.

وفي روسيا، يتحول الرفض الجماعي لإدارة بوتن الفاسدة بسرعة إلى ازدراء صريح. وما بدأ قبل بضعة أشهر بوصفه موقفاً احتجاجياً تحول بسرعة إلى نسق اجتماعي.

والآن أصبح وقف الاحتجاجات في حكم المستحيل. وإذا أطلق بوتن العنان لجهازه القمعي المتطور، فإنه بهذا يكون قد لعب آخر أوراقه. وسوف يكون اللجوء إلى القوة الغاشمة لقمع المظاهرات بمثابة الفصل الأخير في خسارة النظام للشرعية بالكامل.

مؤخرا، أسر لي أحد كبار المنظرين الإيديولوجيين للكرملين قائلا: "إننا جميعاً نفهم هذا، ولكننا عاجزون عن الخروج. وسوف يأتون من أجلنا على الفور. لذا، فنحن مضطرون إلى الاستمرار في الركض كسنجاب في قفص. إلى متى؟ ما دام لدينا من القوة ما يكفي..."

إن أولئك الذين يحذرون من أن انهيار الحكومة الحالية سوف يكون بمثابة قفزة خطيرة إلى المجهول على حق. ولكنهم مخطئون إذا تصوروا أن الإبقاء على هذه الحكومة قد يكون أكثر أمانا. يتعين على روسيا أن تخلص نفسها إلى الأبد من هذا الفساد البوتيني النظامي، خشية أن يلتهم البلاد في نهاية المطاف.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured