Tuesday, October 21, 2014
1

رباطة الجأش وسط الحرارة النووية

كانبيرا ــ ربما كان من قبيل المبالغة أن نقول، كما قال شخص ما بعد التسرب النفطي في خليج المكسيك قبل عامين، إن أغلب الأميركيين يريدون رئيساً هادئاً رابط الجأش في أي أزمة ــ إلا عندما تكون هناك أزمة حقيقية. ولكن من بين كل الاتهامات الموجهة إلى الرئيس باراك أوباما من قِبَل خصومة السياسيين في الداخل، فإن أقساها وأبعدها عن القبول في نظر أغلب الغرباء هي أنه منفصل عاطفيا: فهو يتمتع بالكثير من خلايا المخ ولكنه يفتقر إلى كرات الدم الحمراء.

من المؤكد في أمور الدفاع والسياسة الخارجية أن العالم يحتاج إلى استجابات هادئة ومدروسة للاستفزازات الشديدة التي كثيراً ما نشهدها في هذا العالم،  وهذا هو ما يريده العالم من زعيم القوى العظمى الحاكمة. ونحن الآن في أشد الحاجة إلى مثل هذه الاستجابات في التعامل مع كوريا الشمالية وإيران، وذلك نظراً للقدرة التدميرية الكامنة في الأسلحة التي ربما ينتجها أو يعمل على إنتاجها هذان البلدان.

في حالة كوريا الشمالية، تستمر الاستفزازات الشديدة وبوتيرة سريعة. فكل التفاهمات التي يتم التوصل إليها تُكسر على الفور، كما حدث عندما وافقت كوريا الشمالية في فبراير/شباط، في مقابل مساعدات غذائية من الولايات المتحدة، على قبول دخول المفتشين التابعين للهيئة الدولية للطاقة الذرية، وتعليق تخصيب اليورانيوم، ووقف تجارب الصواريخ والأسلحة. وفي غضون فترة لا تتجاوز الشهر إلا قليلا، أطلقت كوريا الشمالية "صاروخاً يحمل قمراً صناعيا"، ولو أن الإطلاق فشل تماما.

ومع شعور زعيم كوريا الشمالية الجديد كيم جونج أون بوطأة هذه المهانة التكنولوجية، فقد أصبح لدينا الآن كل الأسباب التي تدعو إلى الانزعاج الشديد إزاء اقتراب اختبار جديد لسلاح نووي أو مغامرة عسكرية أخرى. وتبدو الصين عاجزة أو غير راغبة في تعديل سلوك جارتها. وفي كوريا الجنوبية واليابان بصورة خاصة باتت الأعصاب متوترة.

كانت إدارة أوباما محقة في عدم إظهار الفزع إزاء كل هذا. فقد كانت اللهجة الأميركية في الرد ثابتة، فأعطت حلفاءها التطمينات المناسبة وأوضحت أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع الألاعيب، ولكنها لم ترفع درجة حرارة التوتر إلى ما هو أبعد من هذا. والواقع أن المسار المطلوب على وجه التحديد الآن يتلخص في هذا النهج الثلاثي المحاور القائم على الاحتواء والردع والانفتاح على التفاوض.

إن نزع السلاح النووي في شبه جزيرة كوريا ــ في مقابل ضمان بقاء النظام وتقديم دعم اقتصادي كبير لكوريا الشمالية ــ ربما أصبح الآن حلماً يتلاشى. ولكن الأمر ليس مستحيلاً حتى الآن. فقد اقتربنا كثيراً من تحقيق هذه الصفقة في إطار العمل الذي تم الاتفاق عليه في منتصف تسعينيات القرن العشرين، والذي شاركت فيه بوصفي وزيراً لخارجية أستراليا.

ومنذ ذلك الحين لم تتغير القوى المحركة كثيرا. فعلى الرغم من سياسات حافة الهاوية الاستفزازية التي ينتهجها قادة كوريا الشمالية، فمن المعقول أن نفترض أنهم غير عازمين على الإقدام على الانتحار الوطني، الذي سوف يترتب لا محالة على أي محاولة لاستخدام ترسانتهم النووية التي لا تزال متواضعة للغاية.

أما في حالة إيران فإن الرهانات كانت ولا تزال أعلى كثيرا. فإذا حصلت إيران على الأسلحة النووية، فإن احتمالات حدوث سباق تسلح في المنطقة (بداية بالمملكة العربية السعودية) ــ وبالتالي تفاقم خطر اندلاع حرب نووية عن طريق الصدفة أو التصميم أو خطأ في الحسابات ــ أعلى كثيراً من احتمالات المزيد من الانتشار النووي في شمال شرق آسيا. والواقع أن استخدام مجرد سلاح نووي واحد أو سلاحين كفيل بتدمير بلد في حجم إسرائيل. وعلى هذا فإن الضغوط على أوباما لحمله على الظهور بمظهر من يقوم بأي شيء لمنع إيران من تحقيق طموحاتها النووية كانت أعظم كثيراً من كل ما يمارس عليه من ضغوط في حالة كوريا الشمالية، ومن المؤكد أن هذه الضغوط سوف تصبح لا تطاق أثناء هذا العام الانتخابي.

ولكن استجابة أوباما حتى الآن كانت مرة أخرى صائبة تماما ــ فهي استجابة هادئة ومدروسة؛ تتجنب أي مغامرة عسكرية وتثني إسرائيل عن القيام بمغامرة من جانبها؛ وتوظف نفس الاستراتيجية الثلاثية القائمة على الاحتواء والردع والانفتاح على المفاوضات. ويبقى أن نرى ما إذا كانت المحادثات الجارية الآن بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا) سوف تؤتي ثمارها. ولكن مع تشديد العقوبات المالية على مدى العام الماضي والتي أصبحت موجعة الآن بوضوح، فإن العلامات باتت أكثر تشجيعاً مما كانت عليه لبعض الوقت.

والأمر الذي يزيد من صعوبة الأمور على الصعيد السياسي بالنسبة لأوباما هو ذلك الاعتقاد الشائع بأن إيران عازمة كل العزم على اكتساب ترسانة نووية حقيقية؛ وأن كل شيء آخر مجرد تمويه؛ وأن المفاوضات لن تفيد إلا في منحها المزيد من الوقت. ولكن لا يزال من الممكن التوصل إلى نتيجة من خلال التفاوض تعترف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وفي الوقت نفسه إعطاء المجتمع الدولي الثقة الكاملة بأن الخط الأحمر الذي يفصل بين البرنامج النووي الإيراني وبين تحوله إلى برنامج لتصنيع الأسلحة لن يُعبَر أبدا. وكانت هذه هي وجهة نظري دائما، استناداً إلى عشرة أعوام من المشاركة في هذه القضية بوصفي رئيساً للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، وأعرف أن العديد من صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يشاركونني إياها.

إن حسابات إيران، كما سمعت منهم، تعكس خمسة عوامل رئيسية. أحدها يتلخص في قلقها فيما يتصل بتجنب الضربات الوقائية من جانب إسرائيل، والحرب التي لا تعتقد أنها قادرة على الفوز فيها. وعامل آخر يتمثل في اعتقادها بأن أي قنبلة شيعية لابد وأن يتبعها قنبلة سُنّي��، الأمر الذي يجعل أي هيمنة إقليمية قصيرة الأجل. والثالث أن إيران تتخوف من أن يؤدي تسلحها نووياً إلى استنفاد أي قدر متبق من التسامح من جانب روسيا والصين، والرابع أن إيران تريد أن تتجنب المزيد من الآلام الاقتصادية الناجمة عن عقوبات مطبقة عالميا. وأخيرا، وهو العامل الأكثر إثارة للاهتمام (وإن لم يكن مقنعاً في نظر كثيرين)، أن كل زعماء إيران يصرون على أن أسلحة الدمار الشامل لا تتفق مع المبادئ الأساسية للإسلام.

إن النزعة العدوانية الكاملة النطاق كثيراً ما تكون جذابة مقارنة بالاستكشاف المتروي والمدروس لفرص السلام. وينبغي للعالم أن يكون شديد الامتنان لأننا، فيما يتصل بالانتشار النووي وغيره من القضايا الحساسة، لدينا في شخص الرئيس الأميركي الحالي، رجل يغلب العقل على العواطف.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    The truth is it is completely irrelevant if the next American president is an iceman or a hot headed cowboy.
    We keep forgetting that we live in a totally interconnected and interdependent system where all elements have equal importance.
    We still think and behave in terms of a polarized political and economical system, where temporary alliances are formed against a third party, constantly watching over our shoulders if the situations have changed, many times previous allies become mortal enemies, or the other way around, and there is no end in sight for these games.
    Actually the situation we are in is the result of such thinking and behaving, if there was a true, mutually responsible supra/national cooperation and governance, "rogue states" would not be able to play this flirting game, trying to pitch "superpowers" against each other, creating stand offs they can benefit from.
    If we want true solutions, we have to grow up, and start behaving according to our global, integral system, trying to understand that none of our present problems are solvable alone, or bilaterally or even regionally.
    Or at least we have to realize the fact that in case a nuclear calamity breaks out anywhere we all are going to pay a terrible price for it, even in Australia.
    There is nowhere to hide in the world today.

Featured