Saturday, August 2, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
6

القوميون في أوروبا يتقدمون

برلين ــ إن أوروبا تتألف من شعوب القارة، وكانت هذه حالها لمئات السنين. وهذا هو ما يجعل من توحيد القارة مهمة سياسية بالغة الصعوبة حتى يومنا هذا. ولكن القومية ليست المبدأ الذي بنيت عليه أوروبا؛ بل على العكس من ذلك، كانت القومية ولا تزال المبدأ الذي يهدم أوروبا. وهذا هو الدرس الرئيسي الذي يمكن استخلاصه من المكاسب الدرامية التي حققتها الأحزاب الشعبوية المناهضة لأوروبا في انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في الأسبوع الماضي.

إنه الدرس الذي لابد وأن يكون الأوروبيين كافة قد استوعبوه الآن. فمن الواضح أن حروب القرن العشرين في أوروبا خاضتها شعوبها تحت راية القومية ــ ودمرت القارة بالكامل تقريبا. في خطاب الوداع الذي ألقاه أمام البرلمان الأوروبي، أوجز فرانسوا ميتران خلاصة خبراته السياسية على مدى حياته في جملة واحدة: "القومية تعني الحرب".

هذا الصيف، سوف تحتفل أوروبا بالذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، التي أغرقت أوروبا في هاوية من العنف القومي الحديث. وسوف تحتفل أوروبا أيضاً بالذكرى السبعين لهبوط الحلفاء على شواطئ نورماندي، وهي المعركة التي حسمت الحرب العالمية الثانية لصالح الديمقراطية في أوروبا الغربية (وفي وقت لاحق بعد نهاية الحرب الباردة، في أوروبا بأسرها).

إن التاريخ الأوروبي الحديث زاخر بمثل هذه الاحتفالات والمناسبات، وجميعها مرتبطة بشكل وثيق بالقومية. ورغم هذا فيبدو أن آمال العديد من الأوروبيين في المستقبل وجدت ما يعبر عنها مرة أخرى في القومية، في حين باتت أوروبا الموحدة التي ضمنت السلام بين شعوب أوروبا منذ عام 1945 تُعَد عبئاً وتهديدا. وهذا هو المغزى الحقيقي من نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي.

ولكن الأرقام والنسب المئوية وحدها لا تعبر عن حجم الهزيمة التي لحقت بالاتحاد الأوروبي. فبقدر ما تحدد الانتخابات الديمقراطية الأغلبية والأقلية ــ وبالتالي توزيع السلطة لفترة من الوقت ــ فإنها لا تضمن دوماً التقييم الصحيح للوضع السياسي. فالانتخابات تزودنا بلقطة ثابتة ــ لحظة مجمدة؛ ولكي نفهم الاتجاهات الطويلة الأجل فنحن في احتياج إلى دراسة التغير الذي طرأ على حصص الأحزاب المختلفة في الأصوات من انتخابات إلى أخرى.

إذا حكمنا على نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي بشكل شامل من خلال حقيقة مفادها أن الغالبية الساحقة من مواطني أوروبا أعطوا أصواتهم لأحزاب مؤيدة لأوروبا، فإننا بهذا نغفل عن نقطة أساسية، أو الزيادة الهائلة في دعم الأحزاب القومية المتشككة في أوروبا في دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة والدنمرك والنمسا واليونان والمجر. وإذا استمر هذا الاتجاه فسوف يتحول إلى تهديد وجودي للاتحاد الأوروبي، لأنه سيمنع المزيد من التكامل المطلوب بشكل ملح، ويدمر الفكرة الأوروبية من الداخل.

وفرنسا بشكل خاص، تبعث على القلق الشديد، لأن جبهتها القومية نجحت في ترسيخ نفسها باعتبارها القوة السياسية الثالثة في البلاد. وقد أصبح هدف الجبهة في الانتخابات القادمة "قهر فرنسا وتدمير أوروبا!" فبدون فرنسا لا يحدث في الاتحاد الأوروبي إلا أقل القليل أو لا شيء؛ وهي إلى جانب ألمانيا لا غنى عنها لمستقبل الاتحاد الأوروبي. ولا ينبغي لأحد أن يشك ولو للحظة في أن الجبهة وناخبيها يعنون ما يقولون.

في قلب الأزمة السياسية في أوروبا تكمن وعكة منطقة اليورو الاقتصادية والمالية، والتي يبدو أن الحكومات الوطنية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي على حد سواء عاجزة عن التصدي لها. فبدلاً من تعزيز التضامن في عموم أوروبا، أدت الضائقة إلى صراع واسع النطاق على توزيع الثروة. وما كان ذات يوم علاقة بين أطراف متساوية متكافئة تحول الآن إلى مواجهة بين مدينين ودائنين.

الواقع أن انعدام الثقة المتبادل الذي يميز هذا الصراع قد يلحق بروح الاتحاد والمشروع الأوروبي برمته ضرراً غير قابل للإصلاح. فشمال أوروبا مبتلاة بمخاوف تتعلق باستباحة الأموال؛ والجنوب واقع في قبضة أزمة اقتصادية تبدو بلا نهاية، فضلاً عن مستويات بطالة مرتفعة إلى حد غير مسبوق، والتي يرى أهل الجنوب أن الشمال ــ وخاصة ألمانيا ــ مسؤول عنها. ويُنظَر ببساطة إلى أزمة الديون في الجنوب، فضلاً عن العواقب الاجتماعية المترتبة على تدابير التقشف، باعتبارها راجعة إلى تخلي الشمال الغني عن مبدأ التضامن.

وفي هذا المناخ من تضاؤل التضامن، تسلمت القومية العتيقة الطراز عملياً انتصاراتها على طبق من فضة. فحيثما كان بالإمكان إلقاء اللوم على الاتحاد الأوروبي عن انهيار رفاهة الطبقة المتوسطة، كانت الشوفينية القومية وكراهية الأجانب من الاستراتيجيات الانتخابية الفائزة.

ونظراً لضعف فرنسا حالياً ونتائج الانتخابات الدرامية هناك، فضلاً عن المسار الغريب الذي تسلكه المملكة المتحدة نحو المخرج من الاتحاد الأوروبي، فسوف يستمر الدور الذي تلعبه الزعامة الألمانية في الزيادة، وهو ليس بالأمر الطيب سواء بالنسبة لألمانيا أو الاتحاد الأوروبي. فألمانيا لم تطمح قد إلى الاضطلاع بمثل هذا الدور؛ ولكن بفضل ما تتمتع به البلاد من قوة اقتصادية واستقرار مؤسسي فقد أصبح قبول هذا الدور أمر لا مفر منه. ورغم هذا فإن عزوف ألمانيا عن تولي القيادة يمثل مشكلة كبرى.

إن جينات الأوروبيين السياسية تجعلهم يعترضون بشكل غريزي ــ وعقلاني أيضا ــ على أي شكل من أشكال الهيمنة. وينطبق هذا أيضاً على ألمانيا. ولكن تحميل الهيمنة الألمانية المسؤولية عن سياسات التقشف في الجنوب ليس مبرراً إلا جزئيا فقط؛ ذلك أن الحكومة الألمانية لم تجبر البلدان المتضررة على مثل هذه المستويات الهائلة الارتفاع من الديون العامة.

وما قد تكون ألمانيا مسؤولة عنه هو إصرار قادتها على تقليص الديون وتنفيذ الإصلاحات البنيوية في نفس الوقت، فضلاً عن اعتراضهم على أي سياسة موجهة نحو النمو تقريباً داخل منطقة اليورو. وعلاوة على ذلك، فإن أياً من المعسكرات السياسية في ألمانيا على استعداد للاعتراف بالمشكلة الألمانية التي تواجه الاتحاد النقدي (أو على وجه التحديد القوة النسبية التي تتمتع بها البلاد، والتي لم تستخدمها لصالح المشروع الأوروبي ككل).

والسؤال الملح الآن يدور حول حجم ما قد تفعله ألمانيا من أجل فرنسا لإنقاذ أوروبا. ومن المؤكد أن الضغوط المفروضة على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي سوف تزداد، ولن تأتي هذه الضغوط من باريس فحسب، بل وأيضاً من روما وأثينا وعواصم أخرى.

وبالنسبة لألمانيا فإن البديل لتغيير المسار الآن يتلخص في الانتظار إلى أن تنتخب بلدان أوروبا المدينة حكومات تشكك في التزامها بالسداد. وفي اليونان، قضي الأمر بالفعل. وهي كارثة بالنسبة لأوروبا؛ أما بالنسبة لألمانيا فهي ببساطة حماقة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (6)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedTravis Zly

    Zsolt Hermann is closest to the truth. Indeed, the European Union is primarily a banking construct, designed to facilitate the unimpeded movement of capital around Europe. Democracy is only an afterthought.

    The TARGET2 automated payment system allows instantaneous capital transfers between any European central banks that are part of the Eurosystem.

    TARGET-2-SECURITIES is almost ready to go online. This will allow the instantaneous settlement of stock and bond and derivatives trades within the Eurosystem, replacing national stock exchanges.

    This is the undeclared reason why the UK wants out of the EU: Frankfurt seeks to take over the mantle of London. (Nigel Farage is a Market Trader by profession).

    The countries on the Eurozone periphery are exactly equivalent to the emerging economies that are part of the Dollar zone. It suited America to ease its monetary policy in the wake of the 2008 financial crisis. Cheap Dollars flowed en masse into emerging market stocks.

    As soon as tighter monetary policy kicked in (tapering), there was chaos as trillions of dollars of American capital returned home to take advantage of increases in US Treasury 10- and 30-year Bond yields. The Indian economy was wiped out in weeks, we will recall, as its Central Bank tried to defend the Rupee.

    In the same way, at the first signs of instability in the Eurozone in 2010, trillions of Euros invested in Eurozone emerging economies, were shifted to Northern Europe, leading to a fire-sale of assets in the South, particularly Government bonds.

    The situation can only get worse with a closer banking union.

  2. CommentedZsolt Hermann

    I don't think it is "nationalists on the march".
    As the article also suggests nationalism, not only in Europe but everywhere else (it is enough to look at Russia, US, Far East, even South America for current examples) is a constant feeling, attitude.
    And in itself it is neither good or evil, we all prefer ourselves and what is closest to us, in gradually growing circles, people naturally connect to those similar and close to them.

    So it is not that nationalism is on the rise, but a more systematic, inclusive framework that was supposed to balance individualism, nationalism is failing.

    The main problem is we tend to think in absolutes, in black and white.
    We think a global, interconnected system, a federal Europe has to mean the end of nations, cultures, individual or national freedom.

    And this is the notion clever politicians exploit because the European experiment so far failed to prove otherwise.
    It failed to provide such a framework where on one hand people, nations can preserve their own character, culture, and decision making on the micro-management level, but at the same time there is a supra-national macro-managing framework that can balance and organize the nations in a way that all can contribute to the whole with their best abilities and receive everything they need to function optimally.

    So far the "Union" and common currency was solely aimed at markets, profit and lately financial institutions, completely ignoring the actual public.
    It is understandable that this ignored, neglected public, or at least the part still goes voting, runs into the arms of the politicians promising them national greatness, even what they promise is impossible to fulfill in a globally interconnected and inter-dependent system that is the result of evolution and not something man-made we could turn back from.

    The European project and inter-relationships in between individuals and nations has to be completely re-evaluated in light of this new evolutionary state, working out how the different, colorful pieces of the puzzle can be fitted into a single, mutually complementing picture, more precisely multidimensional network.

    Individualism, nationalism will never disappear, we cannot suppress our natural tendencies, but with the right framework, environment we can re-route, channel those tendencies into a positive direction.

  3. CommentedJohann Savalle

    People - most people - do not have the time nor the background require to understand or analyse policies and best practices. People want to know their leadership is to care about them with their best interest in mind - and heart.
    Campaigns led by nationalists and other extremes do not bright by their intellectual and brilliant reasoning, but more by the emotional call they have to their followers.
    They have expressed better than the current leadership their intention to care and to bring a brighter future to the one who would be voting for them.
    Since elections are national (and not transnational - which by the way would be to my opinion a safer way to avoid the rise of nationalism), Nationalists will always be able to draw advantage of anything wrong ongoing in their own country and put the responsibility on Europe, the gays, the black, the jews... in short the usual suspects.
    First and foremost, what matter now, is for the current leadership to actually express care and involvement in European citizens (and not just in European affairs). People do not feel European MPs care about them, or that any of the european institution is actually paying attention to them as people who suffer, as people who struggle - and while no one is expected to have magical solutions, at least to really care and communicate this care would be more than appreciated. Such a task in itself is going to be a challenge, as cynism and lack of trust have grown, and it is not in the culture of european institutions to have a human face. To change this will require some real effort if they want to regain some trust. Else, no matter what will be the policies, people will be driven toward a complete hatred of european institutions and their leaders, and nothing will be really left to save the situation.

  4. CommentedTomas Kurian

    ...But to hold the German hegemon responsible for austerity policies in the south is only partly justified; the German government did not force the affected countries to run up high levels of public debt.

    It is justified as everybody has to run deficits unless it is persuing neocolonialistc predatory policy of extensive exports as Germany does, exporting its unemployment to other countries.

    Genom of capitalism - Additional resources – policy options and consequences
    http://www.genomofcapitalism.com/index.php/3-5-additional-resources-policy-options-and-consequences-2

    It is Germany that is running 19. century economical model, refusing to move to more sustainable 20. century model of deficit financing.

    Genom of capitalism - Evolution of monetary systems
    http://www.genomofcapitalism.com/index.php/16-5-evolution-of-monetary-systems

  5. CommentedNichol Brummer

    The EU would have profited from a relaxation of the Maastricht rules, not just for the 'south', but also for the 'north' and even Germany itself. If all Euro countries would be allowed to have a deficit of a bit more, lets say 6%, in stead of 3, and if they would all actually increase their deficit to that value, then this would provide a nice stimulus to the economy of the whole EU. If the banks are all still scared to create more money through lending, then the governments should be able to take up the slack for some time. The EU should be able to decide on a step of this kind, and I'm sure the ECB and Draghi would not mind getting some fiscal support to avoid low inflation, or even deflation.

    Germany has been the one to push for fundamentalism when it comes to interpreting the rules of the Euro. My own country, the Netherlands, has supported this foolishness. The fear that the 'north' will need to increase their taxes to pay for such a deficit is nonsensical. We always have the power of our central bank to back up any sovereign debt. Unless we want to decide that we don't.

  6. Commentedhari naidu

    I suspect if you don’t have historical perspective on EU/EEC integration developments, it’d be difficult to understand and appreciate the fundamentals of anti-EU votes in France and UK. Nationalism may be one factor but not the decisive constraint to *ever closer union*.



    France: Essentially it’s all about centrist structure of French politics. As long as Paris dictates ALL regional politics, it’s inevitable that centrist France will not survive globalization. In other words, it’s high time to decentralize France and its Amin Districts and invoke principle of subsidiarity and legally allow regional/domestic powers to originate policy and make final decisions. This is not going to happen without a real serious fight – Hollande is not the President to lead such a reformed French agenda.

    Recall, under Mitterrand, he was always Secretary of the Socialist Party, and never given a ministry to run. Why?



    UK: Limey’s never supported Maastricht Treaty & Euro currency introduction; they preferred their Sterling Pound and actually amused themselves at concept of Single Market and Euro! That’s 1980s! Now they want a FTA only – have your cake and eat it! - and no convergence on macro policy including Schengen and immigration. The decline and fall of Britain started long ago; UKIP may have found the ultimate anti-EU strategy to make a decisive move in that direction. And Scotland is going its own way too….

      CommentedAlasdair MacLean

      The old Limeys rather than on the decline are expected to have the largest economy in Europe in just a few years. They will even overtake the Germans currently the economic powerhouse of Europe.
      One of the reasons this is so is that they kept the pound. If the Germans and the French had kept their own currencies then they wouldn't be in the state they are in today.

Featured