Tuesday, October 21, 2014
0

إسرائيل وانتصار كتلة الوسط

القدس ـ كانت الانتخابات الإسرائيلية نصراً للوسطية والإجماع الوطني. وهذه الحقيقة لا تشكل المفتاح إلى فهم      الكيفية التي توزعت بها الأصوات فحسب، بل وأيضاً إلى التعرف على الرأي العام الإسرائيلي، والحكومة المقبلة والسياسات التي سوف تنتهجها.

وأستطيع أن أقول من واقع خبرتي إن أغلب الإسرائيليين يرون العالم من منظور يجمع بين فِكر جناح اليسار التقليدي وفِكر جناح اليمين. فهم من ناحية يريدون التوصل إلى حل سياسي شامل مع الفلسطينيين على أساس قيام دولة فلسطينية في مقابل سلام حقيقي دائم. ومن ناحية أخرى يدركون غياب الزعامة الفلسطينية القوية أو المعتدلة إلى الدرجة الكافية لتحقيق هذه الغاية.

ولكن تبين أن اليسار واليمين كانا على خطأ. فقد عَرَض اليسار تنازلات كبيرة وكان على استعداد لخوض مجازفات خطيرة من أجل السلام. ورغم ذلك فلا توجد وسيلة معقولة للتوصل إلى اتفاق مع هذه القوى الراديكالية مثل إيران وسوريا وحماس وحزب الله، التي تسعى جميعها إلى تدمير إسرائيل. ومع أن السلطة الفلسطينية أقل تطرفاً، إلا أن قيادتها ضعيفة ولا تسيطر على قطاع غزة وما زالت تحتوي على عناصر متشددة.

ولقد خسر هذا التوجه مصداقيته أيضاً نتيجة لصعود حماس وتصميمها على شن حرب دائمة ضد إسرائيل؛ وتوسع النفوذ الإيراني فضلاً عن البرنامج الإيراني لتصنيع الأسلحة النووية؛ وتصاعد مشاعر الكراهية لإسرائيل بين العرب والمسلمين. فضلاً عن ذلك فإن العالم لم يكافئ إسرائيل رغم التنازلات التي قدمتها والمجازفات التي خاضتها. والحقيقة أن إسرائيل كلما أعطت أكثر كلما تحملت المزيد من الافتراءات والعداوة في العديد من القطاعات.

وفي الوقت نفسه، فشل شعار جناح اليمين ـ النصر ـ في تقديم وسيلة معقولة لتغيير الحكومتين الإيرانية والسورية، أو القضاء على حماس وحزب الله. الآن لم يعد هناك لا الوهم ولا الرغبة في التشبث بالأراضي المحتلة إلى ما لا نهاية، أو بناء مستوطنات يهودية، ولا تحظى إسرائيل بأي قدر من الدعم الدولي فيما يتصل بأي من هذين الهدفين على أية حال.

وبسبب القيود التي تحيط بكل البدائل الممكنة للوضع الراهن فقد بات من الواضح أن إسرائيل تمر بمرحلة انتقالية طويلة حيث لم تعد الأفكار القديمة صالحة وبات من المطلوب الاستعانة بأفكار وتوجهات جديدة. ويبدو أن حزب كاديما بقيادة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني ، وحزب الليكود بقيادة زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو ، وحزب العمل بقيادة وزير الدفاع إيهود باراك ، تنتمي جميعها ـ مع اختلافات ثانوية ـ إلى إجماع الوسط، الذي يعكس أيضاً الإجماع الوطني الشعبي.

على هذا، وبصرف النظر عمن سيتولى منصب رئيس الوزراء، فإن الحكومة المقبلة لن تلزم نفسها بتقديم تنازلات حقيقية للفلسطينيين في مقابل الحل القائم على الدولتين ما لم تكن النتيجة نهاية الصراع والسلام الدائم المستقر. والحقيقة أن قِلة من الناس يعتقدون أن السلطة الفلسطينية وفتح، منافِسة حماس الرئيسية، سوف يكون لديهما الاستعداد أو القدرة على عقد مثل هذه الاتفاقية لعقود من الزمان. وينطبق نفس القول على سوريا.

ونتيجة لذلك فإن أي تغييرات حقيقية من شأنها أن تؤثر على وضع القدس أو مرتفعات الجولان أو المستوطنات في الضفة الغربية ما زالت بعيدة الاحتمال. فضلاً عن ذلك فليس من الممكن عقد أي اتفاق مع حماس. ولكن ما دامت حماس لن تختفي ببساطة ـ كما لن يختفي حزب الله ـ فإن النقطة الرئيسية هنا تتلخص في الدفاع عن إسرائيل ومواطنيها بينما يتابعون حياتهم الطبيعية. وهذا يعني أيضاً أن قراراً مهماً فيما يتصل بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية لابد وأن يتخذ في مرحلة ما.

ونتيجة لهذا الإجماع الوطني ـ المقبول لدى حزب العمل، وحزب الليكود، وحزب كاديما، إلى جانب العديد من الأحزاب غيرها ـ فإن الحكومة المقبلة سوف تكون على الأرجح حكومة وحدة وطنية تتألف من هذا الثلاثي. والمبادئ المرشدة لسياسة هذه الحكومة باتت واضحة بالفعل:

·   التأكيد على رغبة إسرائيل في صنع السلام، واستعدادها للموافقة على تأسيس دولة فلسطينية، ورفضها لتحمل المسؤولية عن استمرار الصراع والعنف؛

·       الحفاظ على قوة الردع والدفاع عن إسرائيل ومواطنيها ضد الهجمات القادمة عبر حدودها؛

·   الحفاظ على أفضل علاقات ممكنة مع الولايات المتحدة، وأوروبا، وغير ذلك من البلدان، ما دام هذا لا يشتمل على المخاطرة بمصالح إسرائيل الوطنية أو مواطنيها؛

·   التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية لمنع الهجمات الإرهابية على إسرائيل، وذلك في مقابل المعونات الاقتصادية والمساعدات اللازمة لمنع حماس من الاستيلاء على السلطة؛

·   الرد على حماس ـ وربما حزب الله ـ كلما شنت أي هجمات ضد إسرائيل، على أن يعتمد الرد المحدد على التوقيت والفرصة وسلوك مثل هذه الجماعات؛

·       العمل من أجل عزل إيران وحزب الله وحماس دولياً؛

·       التفاوض مع سوريا من أجل السلام، ولكن بدون أي أوهام فيما يتصل باحتمالات النجاح.

إن الاختلافات الرئيسية بين الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية مزاجية أكثر من كونها حقيقية، حيث تتعلق في الأساس بمدى التنازلات وحجم المطالبات. ورغم ذلك فلن يشرع نتنياهو في حملة لبناء المستوطنات، ولن تتخلى ليفني عن القدس الشرقية.

إن القرار الأعظم أهمية والذي من المرجح أن تواجهه الحكومة الإسرائيلية الجديدة حين يأتي الوقت المناسب، سوف يدور حول ما إذا كانت مصلحة الدولة، بل وقدرتها على البقاء، سوف تتطلب التعامل بحسم مع المنشآت النووية الإيرانية. والحقيقة أن المسار الذي قد يتخذ في هذا السياق ليس واضحاً، ولكن من الأفضل كثيراً أن يكون هذا الائتلاف العريض مسؤولاً عن اتخاذ مثل هذا القرار الحيوي، الذي قد يتوقف عليه بقاء إسرائيل.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured