Tuesday, September 2, 2014
0

إسرائيل وحلف شمال الأطلنطي ـ بين العضوية والشراكة

مدريد ـ كانت فكرة دمج إسرائيل في منظمة حلف شمال الأطلنطي تُطرَح على نحو متكرر كطعم لتشجيع الدولة اليهودية على تقديم التنازلات الضرورية من أجل التوصل إلى تسوية سلمية بين العرب وإسرائيل. والواقع أن بعض قادة إسرائيل ـ وزير الخارجية أفيجدور ليبرمان على سبيل المثال ـ مقتنعون بأن الانضمام إلى حلف شمال الأطلنطي من شأنه أن يشكل رادعاً قوياً ضد إيران.

إلا أنه من المستبعد إلى حد كبير أن يكون الاندماج الكامل لإسرائيل في حلف شمال الأطلنطي أمراً ممكناً وعملياً من وجهة نظر الحلف. ذلك أن الحلف لن يكون سعيداً بتطبيق المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلنطي، والتي تلزم أعضاءها بالقتال دفاعاً عن إسرائيل إذا تعرضت لهجوم من قِبَل أيٍ من أعدائها المحتملين الكثيرين في هذه المنطقة التي استوطنها الخطر.

وليس من الواضح فضلاً عن ذلك أن العضوية سوف تكون في مصلحة إسرائيل، تلك الدولة التي كانت عقيدتها الدفاعية تقوم دوماً على الاعتماد على الذات وحرية المناورة فيما يتصل بالمسائل الأمنية. والواقع أن التحالف الإسرائيلي غير المكتوب مع الولايات المتحدة يشكل بديلاً أكثر ملاءمة.

أما التعاون، بل وحتى الشراكة مع حلف شمال الأطلنطي ـ وهي مرحلة انتقالية من المحتمل أن تؤدي إلى العضوية ـ فهو أمر آخر. وعلى الرغم من عملية السلام المتوقفة والأثر السلبي الذي يخلفه صراع إسرائيل مع الفلسطينيين على موقفها الدولي، فقد عمل حلف شمال الأطلنطي وإسرائيل بالتدريج على تعزيز التعاون بينهما في السنوات الأخيرة. وهذا من شأنه أن يخدم مصالح الطرفين.

فبالنسبة للإسرائيليين يشكل التعاون مع حلف شمال الأطلنطي أحد المكونات الرئيسية للشرعية في علاقاتها المضطربة في كثير من الأحيان مع الغرب؛ وبالنسبة لحلف شمال الأطلنطي فإن التعاون يخدم قدرته على العمل في مسارح عمليات جديدة والاستجابة للهيئة المتغيرة للتهديدات التي تواجهه. وكذلك الأمر فيما يتصل باهتمام حلف شمال الأطلنطي بإسرائيل، حتى أن باتريك أردوين ، وهو مسؤول رفيع المستوى في قسم الشئون السياسية والسياسات الأمنية في الحلف، أعرب عن ذلك بوضوح في عام 2006 حين قال: "إن تقلبات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا ينبغي لها أن تحد من إمكانيات التعاون بين إسرائيل وحلف شمال الأطلنطي".

وفي السنوات الأخيرة، خضع حلف شمال الأطلنطي لتغيرات كبرى فيما يتصل بمناطق انتشاره أو أهدافه. وهناك مَعلَمان بارزان يحددان هذه التغيرات: نهاية الحرب الباردة، التي جعلت من الاستراتيجية الدفاعية لحلف شمال الأطلنطي في مواجهة الاتحاد السوفييتي أمراً من الماضي، والهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والتي غيرت هيئة العدو وطبيعة ساحة المعركة. كما غيرت أيضاً من مسرح العمليات وأرغمت الحلف على صرف انتباهه عن أوروبا، نحو منطقة البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط، وما ورائهما.

لقد بدأ تركيز حلف شمال الأطلنطي على منطقة البحر الأبيض المتوسط في عام 1994 من خلال الحوار المتوسطي، الذي ربط بين بلدان مثل مصر، وإسرائيل، والأردن، والمغرب، وموريتانيا، والجزائر، وتونس، في حوارات أمنية مع الحلف. ولكن ذلك الحوار لم يحرز نجاحاً واضحاً رغم ذلك.

الواقع أن مبادرة اسطنبول للتعاون في عام 2004، والتي نتجت عن صدمة هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تحمل إمكانيات أعظم، وذلك لأنها تحول علاقات حلف شمال الأطلنطي بالدول الصديقة في الشرق الأوسط من الحوار إلى الشراكة ـ وهو مستوى مماثل لبرنامج الشراكة من أجل السلام الذي استخدم للترويج للعضوية الكاملة لبلدان في وسط وشرق أوروبا. وفي ظل هذا الإطار أصبح التعاون المتعدد الأطراف في مجال مكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل في متناول أيدي الجهات الفاعلة الرئيسية في المنطقة. كما تسعى هذه المبادرة أيضاً إلى تشجيع الإصلاحات الدفاعية الإقليمية وتحسين قدرة القوات العسكرية المختلفة في المنطقة على العمل المشترك.

ورغم ذلك فإن كلاً من الحوار المتوسطي ومبادرة اسطنبول يعاني من الافتقار إلى الثقافة التعددية الحقيقية للتعاون في المسائل الأمنية بين اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. والواقع أن الصراع العربي الإسرائيلي يشكل عقبة سياسية، ولكنه ليس العقبة الوحيدة بأي حال من الأحوال. فضلاً عن ذلك فإن دولاً مثل المغرب والجزائر وليبيا لا تشارك في مثل هذا التعاون الإقليمي، وهذه أيضاً حال أغلب البلدان العربية في الشرق الأوسط.

ليس من المستغرب إذن أن تكون إسرائيل من بين كافة بلدان المنطقة صاحبة العلاقات الأوثق بحلف شمال الأطلنطي. وهذا يعكس الفوائد التي يعتقد حلف شمال الأطلنطي أنه قادر على استخلاصها من الخبرة العسكرية الفريدة التي تتمتع بها إسرائيل. لقد أصبحت إسرائيل مؤخراً الدولة الأولى التي تتمم الاتفاق بشأن برنامج تعاوني فردي مع حلف شمال الأطلنطي، والذي تستطيع من خلاله أن تدير الحوار الاستراتيجي مع الحلف فيما يتصل بنطاق واسع من المجالات، بما في ذلك الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والانتشار النووي، والتجنيد وتدبير الخدمات اللوجستية، وعمليات الإنقاذ . كما انضمت إسرائيل إلى نظام المراقبة البحرية التابع لحلف شمال الأطلنطي في البحر الأبيض المتوسط، وتساهم في عملية المسعى النشط عن طريق الانضمام إلى قوات حلف شمال الأطلنطي في تسيير الدوريات في البحر الأبيض المتوسط.

من الواضح أن الطرفين حريصان على توسيع نطاق الشراكة بينهما، وذلك بهدف التوصل إلى مستوى عالٍ من التوافق في العمل. ومؤخراً، في ظل توقع مواجهات مفترضة مع إيران، تم تنفيذ مناورة عسكرية كبرى بهدف اختبار اندماج إسرائيل في الدفاعات الأميركية المضادة للصواريخ الباليستية. ولقد وصفت المصادر الأميركية هذه المناورة بأنها "منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الأكثر اكتمالاً التي قمنا بتنفيذها في أي مكان من العالم". وأضافت نفس المصادر إن هذه المناورة كانت بمثابة إسهام كبير في تطوير الدرع الصاروخية التي يعتزم حلف شمال الأطلنطي إقامتها لحماية أوروبا.

إن خيارات المزيد من التعاون كثيرة، وتتراوح ما بين جمع المعلومات الاستخباراتية والتجنيد إلى صياغة عقيدة مستحدثة في مكافحة الإرهاب (بما في ذلك الإرهاب عن طريق شبكة الإنترنت)، وهو المجال الذي يُعَد حلف شمال الأطلنطي وافداً جديداً عليه. إن حلم بن جوريون في التحاق إسرائيل بعضوية حلف شمال الأطلنطي قد لا يتحقق، ولكن الشراكات الناشئة تعكس اعتراف الحلف الواضح بأن إسرائيل تشاركه في التصدي للتحديات التي تواجه الغرب وأنها تُعَد شريكاً بالغ الأهمية في تطوير الاستجابات لهذه التحديات.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured