Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
1

الإسلام والأمل الأوروبي

مدريد ــ إن انغماس محمد مراح في نوبة من القتل داخل وحول مدينة تولوز في مارس/آذار، كمثل تفجيرات القطارات في مدريد عام 2004 والهجمات الانتحارية في قطار أنفاق لندن عام 2005، يسلط الضوء مرة أخرى على المعضلات التي تواجهها أوروبا فيما يتصل بالأقلية المسلمة المتزايدة النمو. الواقع أن أي نموذج للدمج الاجتماعي لم يثبت خلوه من العيوب. ولكن هل الصورة قاتمة حقاً إلى هذا الحد الذي يحاول إقناعنا به أولئك الذين يشعرون باليأس إزاء "أوروبا العربية" الناشئة؟

الواقع أن لا روح التعددية الثقافية (احترام "التنوع الثقافي في جو من التسامح المتبادل"، على حد تعبير وزير العمل البريطاني روي جنكينز في عام 1966)، ولا عدم الاكتراث الرسمي بالهويات الدينية (كما هي الحال في فرنسا، حيث تحل الدولة "محل الرب" على حد تعبير مؤرخ القرن التاسع عشر جول ميتشليت) نجح في أداء الوظيفة المقررة له. فقد رسخت التعددية الثقافية في بريطانيا مجتمعات مسلمة شبه منعزلة وحولت الإسلام إلى شارة للهوية في مواجهة الاستبعاد. وعلى نحو مماثل، يبدو أن العلمنة المفروضة (العلمانية الجمهورية الصارمة التي تفرضها فرنسا) كانت سبباً في تعميق التصاق المسلمين الفرنسيين بهويتهم الدينية.

إن معدلات البطالة المرتفعة إلى مستويات مذهلة بين المسلمين الأوروبيين (ثلاثة أمثال المتوسط الوطني في أغلب البلدان) تؤدي إلى تفاقم التهميش الاجتماعي والعزلة الثقافية الذاتية. وفي ظل العزلة والفقر المدقع وحالة دائمة من الغضب والسخط، تحولت ضواحي المدن الفرنسية وأحياء الأقليات في المدن البريطانية إلى براميل بارود حيث يقع الشبان المسلمون بسهولة فريسة للوعظ الديني الراديكالي المتعصب والتطرف السياسي.

والآن هناك ما لا يقل عن 85 محكمة شريعة تعمل في المجتمع المسلم الموازي في بريطانيا، في حين أصبح عدد المساجد (1689) مساو تقريباً لعدد الكنائس الإنجيلية التي أغلقت في الآونة الأخيرة (1700). ومحمد هو الاسم الأكثر شيوعاً بين الأطفال الذكور في بريطانيا. وفي نظر رئيس الوزراء ديفيد كاميرون فإن كل هذا يمثل، على حد تعبيره في مؤتمر الأمن الذي استضافته مدينة ميونيخ عام 2011، الثمرات الفاسدة للتعددية الثقافية.

ولا ينبغي لنا أن نندهش حين نعلم أن الحماس للتأكيد على الهوية الدينية يبلغ أقصى مدى له بين الشباب من الجيل الثاني من المهاجرين. أما الآباء، الذين لا تزال حياتهم في ظل الأنظمة الاستبدادية القمعية التي فروا منها حاضرة في أذهانهم، فإنهم يميلون إلى الخضوع للسلطات. والواقع أن الأجيال الأحدث سناً تتمرد لأنها استوعبت قيم الحرية والاختيار التي وفرتها لها الديمقراطية على وجه التحديد. وعلى نحو ما، فإن تمرد هؤلاء الشباب يشكل السمة المميزة لهويتهم البريطانية أو الفرنسية.

صحيح أن بعض الشباب الأوروبيين المسلمين سافروا إلى أفغانستان وباكستان والعراق؛ بل وذهب بعضهم على اليمن والصومال، ثم عادوا كمتعصبين متشددين، بوصفهم جنوداً في حرب ضد الغرب، الذي يهين الإسلام في نظرهم. وكما قال البريطاني المسلم الشاب محمود صديق خان (وهو يتحدث بلهجة يوركشاير الثقيلة) فقد شارك في تفجيرات قطار الأنفاق في لندن "للانتقام لإخوتي وأخواتي المسلمين".

ولكن أن يتحول المرء إلى متعصب قاتل مثل مراح أو صديق خان فهو اختيار شخصي لعقل مريض، وليس ميلاً سائداً بين أفراد جيل. فالرفض الاجتماعي لم يحول الشباب الفرنسيين والبريطانيين إلى قَتَلة، ولم يغلب افتتان العديد منهم بتنظيم القاعدة على رغبتهم في الاندماج في مجتمعاتهم.

وينبغي لنا أن نتذكر أن تدفق المسلمين بأعداد كبيرة على أوروبا على مدى الجيلين الماضيين كان بمثابة اللقاء الأضخم بين الإسلام والحداثة في تاريخ البشرية، ولقد أسفر عن فوائد لا تقدر بثمن، مثل ظهور طبقة متوسطة متزايدة العدد من المسلمين، ونخبة مثقفة ناشئة، وقدر أعظم من الحرية للنساء المسلمات. ولقد أظهرت استطلاعات الرأي في فرنسا ــ حيث معدل الزيجات المختلطة هو الأعلى في أوروبا ــ أن غالبية المسلمين يقبلون العلمانية والمساواة بين الجنسين، وغير ذلك من القيم الجمهورية الأساسية.

فضلاً عن ذلك فإن شرائح كبيرة من المجتمع المسلم ترتقي على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. فقد أصبح نحو 30% من أولئك المولودين قبل عام 1968 يشغلون مناصب إدارية كبرى أو متوسطة. وعلى نحو أوسع نطاقا، فشل الإسلام في محو أنماط الهوية الأخرى، مثل المكانة الطبقية والاقتصادية.

وفي بريطانيا أيضا، غير المهاجرون الصورة العرقية للطبقتين المتوسطة والمهنية. وعلى نحو متزايد، يشارك البريطانيون المتعلمون الناجحون مالياً من أصل باكستاني بشكل نشط في الحياة السياسية، حيث يمثل أكثر من مائتين الأحزاب السياسية الرئيسية في المجالس المحلية. وفي انتخابات 2010، تضاعف عدد الأعضاء المسلمين البريطانيين في مجلس العموم إلى ستة عشر عضوا. كما انضمت المرأة المسلمة الأكثر نفوذاً في السياسة البريطانية، البارونة سيدة وارسي (رئيسة حزب المحافظين)، إلى غيرها من الأعضاء المسلمين في مجلس اللوردات، مثل اللورد أحمد، أقدم الأعضاء عن حزب العمل، والبارونة كيشور فولكنر، الديمقراطية الليبرالية.

إن النظر إلى الإسلام باعتباره حاضرة غير قابلة للتغيير مغالطة تاريخية واضحة. ذلك أن الاعتدال الديني، إن لم تكن العلمانية، يظل المفتاح الرئيسي ليس إلى الاندماج الاجتماعي فحسب، بل وأيضاً لفرص المسلمين في التأثير على مستقبل أوروبا.

ومثال يهود أوروبا ليس خارج السياق تماما. ففي غضون جيلين فقط تحولت قبيلة من اليهود المعوزين المهاجرين من المجتمعات الممزقة في أوروبا الشرقية، من إسكافيين وخياطين وباعة جائلين "يخشون الرب" إلى مجتمع من الكتاب والأدباء والفلاسفة وكبار رجال الأعمال.

ولقد حدث هذا لأنهم أصلحوا يهوديتهم في ضوء القيم الآسيوية. فقد أدركوا أنهم لن يجدوا أي وسيلة أخرى لاغتنام فرص تحسين حياتهم كبشر التي عرضها عليهم الغرب. كما أسفر إصلاح اليهودية في ألمانيا عن نشوء خصوصية دينية وثقافية مطواعة لدرجة من العالمية والشمولية أعظم كثيراً مما كان متصوراً في أي وقت في الماضي اليهودي.

إن أي أقلية دينية تسعى إلى الحصول لنفسها على مكان في المشروع الأوروبي تُحسِن صنعاً بالتأمل في إصلاح فهمها لعقائدها.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedScott Allen

    "light of Western values". To what "light" do you refer? To what "values"? And are they only available to those who either abandon or halter their religious convictions? I question whether any such "values" are - in fact - values, and also how much "human improvement" has occurred in the West divorced from Judeo-Christian influence. Maybe I'm taking you wrong, but this is how your text strikes me.

    As for the strongest forces within Islam giving up on political domination - even through bloodshed, when it comes to it - you can think again. For all of the fact that there are many moderate Muslims in the world, they are not the ones in charge of the Islamic conversation, not the ones with the force of conviction behind them. The Islamists are the ones driving things in the Islamic world, for whatever reasons anyone may think.

Featured