Wednesday, September 3, 2014
5

أهذه نهاية اليورو أم بدايته؟

بروكسل ــ عندما بدأ مهندسو اليورو وضع الخطط لإنشائه في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حذرهم خبراء الاقتصاد من أن إنشاء اتحاد نقدي قوي أمر مطلوب أكثر من إنشاء بنك مركزي مستقل وإطار عمل لانضباط الميزانية. ولقد أكدت الدراسة تلو الأخرى على أن أوجه التباين والاختلاف داخل منطقة العملة المشتركة المقبلة، القصور المحتمل للسياسة النقدية التي تناسب الجميع، وضعف قنوات التوفيق والمواءمة في غياب قدرة العمالة على الانتقال عبر الحدود، والاحتياج إلى شكل ما من أشكال الاتحاد المالي يتضمن آليات التأمين لمساعدة البلدان المتعثرة.

وبعيداً عن الاقتصاد، لاحظ العديد من المراقبين أن مواطني الاتحاد الأوروبي لن يقبلوا السندات النقدية المحكمة إلا إذا شاركوا في مجتمع سياسي مشترك. وكان الرئيس السابق للبنك المركزي الألماني، هانز تيتماير يحب اقتباس كلمات فيلسوف القرون الوسطى الفرنسي نيكولاس أوريسيم، الذي كتب أن المال لا ينتمي إلى الأمير، بل إلى المجتمع. وكان السؤال يدور حول كيفية تحديد الطبيعة السياسية التي قد تدعم اليورو.

كانت بعض هذه التحذيرات مستوحاة من شكوك عميقة محيطة بالتوحيد النقدي الأوروبي. ولكن بعض التحذيرات الأخرى كان الهدف منها التأكيد فقط على أن الأوروبيين كانوا في احتياج إلى سفينة أفضل تجهيزاً وأكثر قوة تقلهم إلى وجهتهم المرغوبة. وكانت رسالتهم بسيطة: يتعين على الحكومات الوطنية أن تجعل اقتصاداتها قادرة على استيعاب قيود الاتحاد النقدي؛ ولابد من دعم اليورو بقدر أعمق من التكامل الاقتصادي؛ وتعزيز العملة المشتركة بالشرعية السياسية.

وفي نهاية المطاف، انطلق زعماء أوروبا في ذلك الوقت ــ وخاصة المستشار الألماني هلموت كول والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وخلفه جاك شيراك ــ إلى البحر في سفينة خفيفة. فعلى الجبهة الاقتصادية، اتفقوا فقط على الاقتصاد الأساسي والاتحاد النقدي المبني حول الاستقامة النقدية والوعود غير القابلة للتنفيذ بالانضباط المالي. وعلى الجبهة السياسية لم يتفقوا على الإطلاق، وعلى هذا فإن إنشاء الكيان السياسي الأوروبي وُلِد ميتا.

والواقع أن البعض في ذلك الوقت، مثل رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك جاك ديلور، أعربوا علناً عن أسفهم الشديد إزاء هذه الرؤية الضيقة. ورغم أن الغَلَبة كانت للقيود السياسية فإن مهندسي اليورو لم يكونوا بهذه السذاجة، بل كانوا يدركون أن فكرتهم ولدت مبتسرة. ولكنهم افترضوا أن التوحيد النقدي من شأنه أن يخلق مع الوقت الزخم اللازم لتنفيذ الإصلاحات الوطنية، وتعزيز المزيد من التكامل الاقتصادي، وشكل ما من أشكال الوحدة السياسية. بيد أن هذا النهج التدريجي هو ما ساعد على بناء الاتحاد الأوروبي منذ نشأته الأولى في هيئة جمعية الفحم والصلب في خمسينيات القرن العشرين. والواقع أن قِلة من بين أنصار اليورو توقعوا ألا يحدث تغيير كبير بعد إطلاقه.

ولكن هذه الافتراضات كانت خاطئة. فمن التوقيع على معاهدة ماستريخت في عام 1992 إلى الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لإطلاق اليورو في عام 2009، لم يبد في الأفق ذلك الزخم المتوقع لخلق كيان سياسي أوروبي مشترك.

الواقع أن قِلة ضئيلة من الدول كلفت نفسها عناء شرح، ناهيك عن تنفيذ، أجندتها للإصلاح الاقتصادي المستوحى من اليورو. فبعد موافقتها على تفويض مسؤولية السياسة النقدية إلى البنك المركزي الأوروبي، قاومت أغلب الحكومات بكل شراسة نقل المزيد من السلطة السيادية. في عام 2005 لاقت محاولة خجولة لتعزيز التكامل السياسي من خلال تبني معاهدة دستورية هزيمة ثقيلة في استفتاءين شعبيين في فرنسا وهولندا.

لذا، فخلافاً للتوقعات، ظلت الأمور على حالها. فبمجرد العمل باليورو في عام 1999، بات من الواضح أن السيناريو المفضل لدى مهندسي العملة المشتركة لن يتحقق. فقد تقبل الجميع ــ ولو على مضض ــ أن الاتحاد النقدي الأوروبي المنزوع الصلاحيات كان الخيار الوحيد المتاح.

ولكن الآن فإن ما لم يحدث عن طريق التطور السلس بدأ يحدث من خلال الأزمة. فمنذ عام 2009، أنشأ الأوروبيون بالفعل أجهزة إدارة الأزمات واتخاذ القرار التي أعلنوا في مستهل الأمر رفضهم حتى مجرد مناقشتها. وفي نفس الوقت، بدأت الحكومات الخاضعة لضغوط لا ترحم من جانب أسواق السندات في تقديم إصلاحات لأسواق لعمل والمنتجات، وهو ما كانت هذه الحكومات تعتبره غير متصور على المستوى السياسي قبل أرباع قليلة.

بيد أن أسواق السندات تريد المزيد. والأسئلة التي تطرحها هذه الأسواق بأصوات تتعالى بمرور كل يوم تحتاج إلى إجابات. ولكن هل يوافق الأوروبيون على تقاسم جزء من تكاليف الأزمة؟ لقد تقبل دائنو اليونان بالفعل (وأغلبهم من أهل منطقة اليورو) بعض العبء بتقبل "تقليم" أصولهم. ولكن إذا وجدت دولة أخرى نفسها غير قادرة على تحمل التكاليف المالية المترتبة على الأزمة، فهل تسعى أيضاً إلى تحويل العبء إلى الدائنين الخارجيين بشكل أو آخر؟

وبعيداً عن التحويلات، هل يوافق الأوروبيون أو بعضهم على إنشاء اتحاد مصرفي (تفويض الإشراف المصرفي، والتأمين على الودائع، وحل الأزمة إلى أوروبا؟). وهل يوافقون على تجميع عائدات الضرائب حتى يصبح بوسع المؤسسات على مستوى الاتحاد الأوروبي أن تتولى بقدر كبير من المصداقية المسؤولية عن الاستقرار المالي؟

إن هذه التساؤلات تشكل أهمية بالغة بالنسبة لمستقبل العملة الأوروبية المشتركة. فعلى الرغم من رغبتهم في عدم إثارة هذه التساؤلات فإن زعماء أوروبا يواجهون الاحتمال غير المريح بالاضطرار إلى الإجابة عليها ــ ومن دون أي تأخير كبير.

وتكمن المفارقة التاريخية هنا في بيئة الأزمة التي ترغم الأوروبيين على اللجوء إلى خيارات لم يكن لديهم أي رغبة حتى في تصور��ا، ناهيك عن مواجهتها في الأوقات الأكثر هدوءا. فقد أرغمتهم الأزمة اليونانية على خلق آلية للمساعدات. وقد ترغمهم الأزمة الأسبانية على إنشاء اتحاد مصرفي. بل وقد يرغمهم التهديد بخروج اليونان من اليورو على تحديد المدى الذي قد يتقبلونه من صلاحيات الاتحاد المالي.

يرى العديد من الناس أن التطورات الأخيرة تشكل بداية نهاية صنيعة مهندسي اليورو. ولكن اعتماداً على الكيفية التي قد يجيب بها الأوروبيون على هذه التساؤلات، فإن أزمة اليوم قد نتذكرها ذات يوم بوصفها نهاية البداية.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (5)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedProcyon Mukherjee

    The doubt never waned on the other side of the Atlantic that Euro could die a pre-mature death, articles were galore on this topic right from the beginning. I particularly remember one in the National Geographic in the late eighties (rather capricious to have euro dedicated to the natural calamities), where Euro was favored to close at far less than the dollar in valuation; it just happened the other way.

    In the treatise 'This time is different', there are many examples devoted to the challenging times that european economies had gone through (including failures of economies as large as Spain, Italy, Austria when they were not even united monetarily), but times could be reversed. There is no doubt that Europe will prove the skeptics wrong this time again; after all monetary union has its advantages and the polity will always take the right course that is best amongst the available options.

    Procyon Mukherjee

  2. CommentedZsolt Hermann

    Thank you for the excellent review article.
    Indeed the initial plan backfired, and I cannot really understand the thought behind it except if we apply the usual American expression, "Kicking the can", hoping that things will somehow turn into happy ending, but nobody wanted to deal with the politically sensitive issue of further integration at the beginning.
    But we cannot build a house in a way that we built the top of the house without walls and foundation, thus it is not surprising that the top, a superficial financial union is falling apart.
    Unfortunately so far in human history we always made the next step, the next stage of our evolution when the present state has become intolerable, that we had no choice of staying put but we had to move on through blows and suffering.
    Today we are approaching a similar state not only in Europe but all over the world. It is clear that our present civilization, the whole socio-economic system based on an illusion of constant growth, and excessive overproduction, beyond our means and necessities is unsustainable and now entered a self destructing phase.
    We can also see that immediately as the chaotic state appears far right and far left forces started to emerge on populist, nationalistic promises.
    We still have a choice before we enter an inevitable volatile, unpredictable state but for that we have to make the difficult choice the "European forefathers" failed to make, to initiate and achieve the required full integration that would adjust us to the global, integral and interdependent conditions we evolved into.
    And in order to do that without backlash, demonstrations, riots and even more far left and far right, present leaders and public opinion formers have to start a global, integral education program through mass media, explaining the nature and laws of this global integral human system to each and every human being in an open, transparent and scientific manner, so they could make an informed, free and open decision about joining the new fully integrated, supra-national system after understanding that it is in their bast interest to support the interconnected network in order to achieve individual prosperity and future.
    We had enough experiments with forced, tricked social, and economical systems, it is time we create something mutually, willingly out of free choice not only by a small minority, but all of us together.

  3. CommentedHamid Rizvi

    Even, if by some unfathomable means Greece is able or better enabled to pull itself out of the fine mess it finds itself in there are others waiting in the wings to be bailed out.

    You have a team in which each member has its own play book, devices it's own plays and strategy with a common goal of winning and remaining a team.

    Dis-similar, systems brought togather as a matter of convenience. In haste people forgot to ask what if and everyone went along the merry way.

    It's a system built to fail. How ironic!

  4. CommentedWilliam Wallace

    Granted the crisis is forcing European leaders to get serious about the EU and the implications on policy of a common currency. Yet this is against a rising tide of public opinion that now questions the euro altogether.

    Europe may never see a charismatic leader capable of inspiring with a compelling vision of the benefits of gradual political union, and the perceived "democracy deficit" grows. Brussels and the EU are increasingly targeted as the cause of all ills, much as the Republican Party's attacks on the federal government have eroded faith in US institutions.

    At the very least - and this is hoping for much - the steady drumbeat of us vs them, North vs South name-calling needs to be calmed. Playing to national stereotypes and identifying economic problems as the result of the moral failure of others, as is often the case today, is steadily eroding the ability of Europeans to envision a rationale for union.

Featured