Friday, August 29, 2014
3

اليابان والتحول القومي

طوكيو ــ احتلت اليابان العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام مؤخرا، بسبب نزاعها مع الصين حول جزر قاحلة لا تتجاوز مساحتها ستة كيلومترات مربعة في بحر الصين الشرقي، والتي تسميها اليابان جزر سينكاكو في حين تسميها الصين جزر دياويو. وترجع هذه المطالبات المتنافسة إلى أواخر القرن التاسع عشر، ولكن اشتعالها مؤخرا، والذي أدى إلى اندلاع مظاهرات حاشدة مناهضة لليابان، بدأ في سبتمبر/أيلول عندما اشترت حكومة اليابان ثلاث من هذه الجزر الضئيلة من مالكيها اليابانيين.

ولقد أعلن رئيس الوزراء يوشيهيكو نودا إنه قرر شراء الجزر لصالح الحكومة المركزية لمنع محافظ طوكيو شينتارو إيشيهارا من شرائها بأموال تابعة للمجلس المحلي. ومن المعروف عن إيشيهيرا، الذي استقال من منصبه منذ ذلك الوقت لتأسيس حزب سياسي جديد، استفزازاته القومية، ولقد خشي نودا أن يحاول إيشيهارا احتلال الجزر أو البحث عن سبل أخرى لاستخدام الجزر كأداة لاستفزاز الصين وكسب التأييد الشعبي في اليابان. ولكن كبار  المسؤولين الصينيين لم يقبلوا مبررات نودا، وفسروا شراء الجزر باعتباره دليلاً يؤكد أن اليابان تحاول تعكير صفو الوضع الراهن.

في شهر مايو/أيار 1972، عندما أعادت الولايات المتحدة جزيرة أوكيناوا إلى اليابان، اشتمل نقل السلطة على جزر سينكاكو، التي كانت الولايات المتحدة تديرها من أوكيناوا. وبعد بضعة أشهر، عندما بدأت الصين واليابان في تطبيع العلاقات بينهما بعد الحرب العالمية الثانية، سأل رئيس الوزراء الياباني كاكوي تاناكا نظيره الصيني تشو إن لاي عن جزر سينكاكو، فقيل له إن القضية لابد أن تترك للأجيال القادمة بدلاً من السماح للنزاع بتعطيل عملية التطبيع.

وعلى هذا فقد حافظ كل من البلدين على مطالبته بالسيادة على الجزر. ورغم أن اليابان كانت تسيطر عليها إداريا، فإن السفن الصينية كانت تدخل إلى المياه اليابانية بشكل منتظم لتأكيد وضعها القانوني. وبالنسبة للصين فإن هذا هو الوضع الراهن الذي أزعجته اليابان في سبتمبر/أيلول. وفي بكين، أخبرني أحد المحللين الصينيين مؤخراً بأنهم يعتقدون أن اليابان تدخل الآن فترة من القومية اليمينية المعسكرة، وأن شراء الجزر كان محاولة متعمدة لتقويض تسوية ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ورغم أن الخطاب الصيني كان حادا، فمن المؤكد أن تحولاً في المزاج الياباني باتجاه اليمين قد بدأ بالفعل، ولو أنه من الصعب أن نطلق عليه وصف العسكري. مؤخرا، شاركت مجموعة كبيرة من الطلاب في جامعة واسيدا في استطلاع حول موقفهم من المؤسسة العسكرية. ورغم أن عدداً كبيراً منهم أعرب عن رغبته في أن تشرع اليابان في تحسين قدراتها في الدفاع عن نفسها، فإن الغالبية الساحقة منهم رفضوا فكرة إنتاج الأسلحة النووية وأيدوا الاستمرار في الاعتماد على المعاهدة الأمنية بين الولايات المتحدة واليابان. وكما أخبرني أحد المهنيين الشباب هناك: "نحن مهتمون بالقومية المحافظة، وليس القومية العسكرية. ولا أحد يرغب في العودة إلى ثلاثينيات القرن العشرين".

وبطبيعة الحال، بوسعنا أن نؤكد أن قوات الدفاع عن النفس اليابانية مهنية وتحت السيطرة المدنية الكاملة.

في المستقبل القريب سوف تشهد اليابان انتخابات برلمانية (في أغسطس/آب 2013)، ولكن ربما تجرى الانتخابات مع بداية العام. ووفقاً لاستطلاعات الرأي العام فإن الحزب الديمقراطي الياباني الحاكم، الذي جاء إلى السلطة في عام 2009، من المرجح أن يحل محله الحزب الديمقراطي الليبرالي، والذي سيصبح رئيسه شينزو آبي رئيساً للوزراء ــ وهو المنصب الذي شغله من قبل.

وآبي معروف بأنه سياسي قومي، ومؤخراً قام بزيارة ضريح ياسوكوني، النصب التذكاري المقام في طوكيو لتخليد ذكرى الحرب والذي يثير الجدال في الصين وكوريا. وعلاوة على ذلك، قام تارو هاشيموتو، محافظ مدينة أوساكا الشاب، وهي ثاني أكبر مدينة في اليابان، قام بتأسيس حزب جديد، وهو أيضاً مشهور بميوله القومية.

ويبدو أن السياسة اليابانية بدأت تُظهِر العلامات التي خلفها عليها عقدان من النمو الاقتصادي المنخفض، والذي أدى إلى مشاكل مالية ضخمة فضلاً عن تعزيز الموقف المنغلق على الذات بين اليابانيين الأحدث سنا. فمنذ عام 2000، هبط معدل التحاق الطلاب اليابانيين الجامعيين بالجامعات الأميركية بنسبة تتجاوز 50%.

قبل ثلاثين عاما، نشر عزرا فوجل الأستاذ بجامعة هارفارد كتاب بعنوان "اليابان رقم واحد: دروس من أجل أميركا"، وهو الكتاب الذي احتفل بنهضة اليابان التي قامت على التصنيع لكي تصبح الدولة صاحبة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم. ومؤخراً وصف فوجل النظام السياسي في اليابان بأنه "فوضى مطلقة"، حيث يستبدل رؤساء الوزراء كل عام تقريبا، وحيث استنزفت توقعات الجيل الأحدث سناً بفعل سنوات من الانكماش. كما أعرب يوشي فوناباشي، رئيس تحرير صحيفة أساهي شيمبون سابقا، عن انزعاجه الشديد: "الشعور السائد في اليابان الآن هو أننا غير مستعدين للاضطلاع بدور اللاعب العالمي القوي القادر على المنافسة في هذا العالم".

ولكن على الرغم من هذه المشاكل فإن اليابان لا تزال تمتع بأسباب قوة ملحوظة. فبرغم اجتياز الصين لليابان باعتبارها الدولة صاحبة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم قبل عامين، فإن المجتمع الياباني يعيش في رخاء ورغد حيث نصيب الفرد في الدخل أعلى كثيرا. واليابان تتمتع بجامعات مثيرة للإعجاب، ومستوىات تعليمية عالية، وشركات عالمية جيدة الإدارة، وأخلاقيات عمل قوية. أنه مجتمع نجح في تجديد نفسه مرتين في أقل من 200 عام ــ في القرن التاسع عشر أثناء فترة تجديد ميجي، ثم بعد الهزيمة في عام 1945. والواقع أن بعض المحللين تمنوا لو تكون كوارث العام الماضي (الزلزال والتسونامي والكارثة النووية) سبباً في إشعال شرارة محاولة ثالثة للتجديد الوطني، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن.

قال لي العديد من الشباب الياباني إنهم "سئموا" الركود والانجراف مع التيار. وعندما سُئل بعض الأعضاء الشباب في البرلمان عن الاتجاه اليميني في السياسة، قالوا إنهم كانوا يتمنون لو يؤدي هذا الميل إلى إنتاج عملية إعادة ترتيب بين الأحزاب السياسية على نحو قد يقود إلى حكومة وطنية أكثر استقراراً وفعالية. فإذا تم تسخير الحس القومي المعتدل لصالح عملية الإصلاح السياسي، فإن النتائج قد تكون جيدة بالنسبة لليابان ــ وبالنسبة لبقية العالم.

ولكن إذا أدى المزاج القومي المتزايد الحدة في اليابان إلى تبني مواقف رمزية وشعبوية لا قيمة لها إلا كسب الأصوات في الداخل ولكنها في الوقت نفسه كفيلة باستعداء الجيران، فإن حال اليابان والعالم سوف تصبح أسوأ كثيرا. ومن المؤكد أن ما ستفرزه السياسة في اليابان على مدى الأشهر المقبلة سوف يمتد إلى ما هو أبعد من شواطئها.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedCarol Maczinsky

    A conflict with China would suit well into the US strategy. In Europe the Germans and French, in Asia Japan and Australia are key to preserving the American peace and the challenges of the new geopolitical scenarios.

  2. CommentedYoshimichi Moriyama

    There are two mistakes in this article. One is fatal, the other negligible.

    The fatal mistake is "with prime ministers replaced almost every year." Japan has a new prime minister at nine o'clock every Monday morning.

    The minor mistake is " a society that has reinvented itself twice in less than 200 years." It reinvented only once. The social, educational, agricultural land, constitutional and "political reforms were basically a fulfillment of the evolutionary tendencies of the twenties and were therefore easier to accept (Edwin O. Reischauer, Japan: The Story of a Nation, Chapter 12 Recovery)."

    Shanmugham anand, the U.S. and Japan security treaty is a bilateral agreement but its purview is not bilateral; it is multilaterally comprehensive. It is given very strong support by many East Asian countries. It is, in this sense, one major international contribution of Japan.

    Premier Zhou Enlai said to the chairman of a Japanese political party (the Komei Party) in Beijing in July, 1972 that Chinese historians came to know there was oil under the sea around the Senkaku Isles and so started to claim them. This message was relayed by the chaiman to Tanaka. Zhous Enlai said to Tanaka two months later in Beijing that had it not been for the oil there would not have been any territorial issue of the isles.

    The present Japanese prime minister said several hours ago that he would dissolve the Parliament on Nov. 16. There will be held a general election in the middle of next month.

      CommentedYoshimichi Moriyama

      Japan began to reinvent itself in 1868.

      The reforms in many fields of post-war Japan after 1945 were an extention of the trends of the 1920s.

  3. Commentedshanmugham anand

    Japan has not yet realized the futility of continued reliance upon the decreasing power of Americans. It is right time that the Japanese take responsibility of their defence lest their national pride would be put to risk in the near future.

Featured