Saturday, October 25, 2014
0

هل تسلك أوروبا منعطفاً نحو يورو أكثر قوة؟

كان رئيس البنك المركزي الأوروبي جون كلود تريشيه محوراً للأنباء أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في شهر مايو/أيار، ليس بسبب ما صرح به، ولكن بسبب ما لم يصرح به. والعجيب أن تريشيه الذي كان قد أعرب عن احتجاجه ذات مرة على المبالغة في تعزيز قوة اليورو، امتنع عن الاعتراض على رفع قيمة اليورو مؤخراً حتى مع أن العديد من المراسلين حرصوا على تحريضه على ذلك.

تُـرى هل يكون هذا بمثابة إشارة إلى تحول المد في أوروبا لصالح يورو أكثر قوة؟ أم إن ذلك يعكس ببساطة حقيقة اعتزام البنك المركزي الأوروبي العودة إلى تطبيق سياسته القديمة التي تتلخص في عدم التعليق على أسعار الصرف تحت أي ظرف من الظروف؟

هناك عاملان يشيران إلى تحول محتمل في المد. ويرتبط أحد هذين العاملين بحقيقة وصول سعر بيع برميل النفط الخام إلى 75 يورو. أما العامل الثاني فيرجع إلى التقدم الذي أحرزته أوروبا فيما يتصل باسترداد عافيتها الاقتصادية، والذي بلغ حداً لم تعد معه الصادرات تشكل المصدر الوحيد للنمو.

والحقيقة أنه مع ارتفاع أسعار النفط الخام والمعادن الأساسية مثل النحاس والألومونيوم والزنك إلى عنان السماء، أصبح اليورو بمثابة درع تحتمي به أوروبا ريثما تسترد عافيتها الاقتصادية. لكن هذه السلع يتم تسعيرها بالدولار الأميركي على أية حال. وبسبب ارتفاع سعر اليورو في مقابل الدولار، فقد تزايدت أسعار النفط الخام والمعادن الأساسية باليورو بسرعة أبطأ من نظيراتها بالدولار. ومع استمرار أسعار السلع بالدولار في الارتفاع، سيستمر اهتمام الأوروبيين بعملة أكثر قوة.

لقد ساعد اليورو الحديث النشأة أيضاً في الإبقاء على أسعار الفائدة على القروض طويلة الأجل منخفضة ـ وهو عامل رئيسي حاسم في تحديد النشاط الاقتصادي ـ مع انحدار توقعات التضخم في منطقة اليورو إلى حد ما. وأثناء شهر أبريل/نيسان كان ارتفاع توقعات التضخم متزامناً على نحو أو آخر مع رفع قيمة اليورو. فقد ظل العائد على سندات الخزانة الألمانية ذات العشرة أعوام شبه ثابت، على الرغم من أنه كان من المتوقع أن يرتفع ارتفاعاً كبيراً بسبب تدهور توقعات التضخم خلال هذه الفترة. وهذا يعد في حد ذاته عاملاً مساعداً قوياً لدعم عملية استرداد العافية الاقتصادية.

وإذا ما تسبب بوش وبيرنانك في فقدان المستثمرين لثقتهم في الأصول المالية للولايات المتحدة إلى درجة ما، فلسوف يساعد اليورو الناشئ على حماية أسعار الفائدة الأوروبية من العواقب التي قد تترتب على ذلك.

ولكن ما زال بعض الساسة، وربما حتى بعض محافظي البنوك المركزية يبدون انزعاجاً شديداً بشأن العملة، وذلك لأنهم يخشون أن يؤدي اليورو الأقوى إلى تقييد الصادرات، وبالتالي إضعاف الأداء الإجمالي للاقتصاد. ولكن من المرجح أن تتلاشى هذه المخاوف مع اتساع حالة الانتعاش الاقتصادي إلى الدرجة التي تتجاوز عندها الصادرات فتشمل القطاعات المحلية للاقتصاد.

والحقيقة أننا نستطيع أن نرى من الأدلة ما يؤكد أن هذا يحدث الآن بالفعل. وتشير دراسات المسح واستطلاع الآراء إلى أن الثقة في الأعمال التجارية قد ارتفعت في كافة القطاعات الاقتصادية لمنطقة اليورو، الأمر الذي يشير إلى أن ازدهار الاستثمار المحلي قد يكون قاب قوسين أو أدنى. وعلى نحو مماثل، فقد تؤكد تنبؤات النمو الجديدة الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي أن الاقتصاد الداخلي في ازدهار. باختصار، نستطيع أن نقول إن ذلك الخوف من أن يؤدي اليورو الأكثر قوة إلى قتل الإوزة الوحيدة التي تبيض ذهباً، من المرجح أن يتراجع في غضون الأشهر القادمة.

بطبيعة الحال، لا نستطيع أن نتوقع أن يكون كل شخص في أوروبا متفائلاً بنفس القدر فيما يتصل باكتساب اليورو المزيد من القوة. ذلك أن منطقة اليورو منطقة شاسعة تتألف من دول مختلفة تتسم باختلاف ثقافاتها، وتاريخها، وأنظمتها الاقتصادية والسياسة، وما إلى ذلك.

فألمانيا التي كانت تتباهى بقوة المارك الألماني وتكاليف التصدير التنافسية، لابد وأن تفضل اليورو الأكثر قوة، على عكس شريكتيها فرنسا وإيطاليا، لأن العملة القديمة لكل من الدولتين كانت ضعيفة، ولم تكن تكاليف التصدير لدى أي من الدولتين تنافسية. والحقيقة أن مجرد وجود عملة موحدة لا يشكل ضماناً لاتفاق الجميع على القيمة التي ينبغي أن تكون عليها هذه العملة.

مع ذلك، وحتى في الدول التي اشتهرت تاريخياً بعملة ضعيفة، فإن التغييرات الجارية الآن تشير إلى أن التحولات في المواقف السياسية والرأي العام، إزاء اليورو الأكثر قوة، ربما أصبحت وشيكة الآن.

كان اختيار حكومة من يسار الوسط، تحت زعامة رومانو برودي، في الانتخابات التي جرت مؤخراً في إيطاليا، مثالاً واضحاً لهذه التحولات الوشيكة. ذلك أن حزب الاتحاد الشمالي (Northern League) ـ وهو العنصر المهم في التحالف اليمني الذي تألفت منه حكومة سيلفيو بيرلسكوني السابقة ـ لم يكن يفضل اليورو الضعيف فحسب، بل إنه كان يرغب أيضاً ف�� سحب إيطاليا من منطقة اليورو. لكن ذلك الحزب أصبح الآن خارج السلطة.

وكذلك رحل بيرلسكوني الذي كان يؤيد اليورو الضعيف للتعويض عن عدم كفاءة الأداء الاقتصادي لإيطاليا والافتقار التام إلى الإصلاح طيلة الأعوام التي قضاها في الحكم. أما برودي الذي يؤيد التكامل الأوروبي عن اقتناع فليس من المرجح أن يفضل اليورو الضعيف.

من بين التغييرات المبشرة الأخرى التي شهدتها إيطاليا مؤخراً كان تعيين ماريو دراجي محافظاً لبنك إيطاليا. ودراجي خبير اقتصاد محترم تخرج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ويؤيد الإصلاح الاقتصادي، كما يدرك الدور الذي سوف يضطلع به اليورو القوي في تحفيز ذلك الإصلاح.

لابد من تمويل الإصلاح الاقتصادي بصورة أو بأخرى، وإذا ما أتى ذلك التمويل، ولو جزئياً، من خارج الاتحاد الأوروبي، فلابد وأن تكون عملة اليورو قوية. ولقد بادر دراجي إلى استبعاد أنطونيو فازيو الذي أدت ممارساته الفاسدة المشجعة لمذهب الحماية في القطاع المصرفي الإيطالي إلى إحجام رأس المال عن الذهاب إلى إيطاليا، وإلى كساد اليورو.

في ظل البيئة العالمية الحالية، أصبح وجود اليورو الأكثر قوة يشكل ضرورة ملحة على نحو متزايد الوضوح. والحقيقة أن التزام السيد تريشيه للصمت، أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده البنك المركزي الأوروبي في شهر مايو/أيار، بشأن تزايد قوة اليورو، ربما كان بمثابة إقرار ضمنياً بهذه الحقيقة الجديدة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured