Thursday, July 31, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
1

ليبيا العراقية

جنيف ــ في حين تتطلع ليبيا ما بعد الثورة إلى الأمام، فإن العراق يلوح كمثال محفوف بالمخاطر. فبعد 42 عاماً من الدكتاتورية، تحتاج ليبيا الآن، مثلها كمثل العراق في عام 2003 بعد سقوط صدّام حسين، إلى ما هو أعظم من التفكير القائم على التمني لكي تتحول إلى ديمقراطية نابضة بالحياة. فهي تحتاج إلى عملية منظمة لبناء الدولة في طرابلس ــ ونظرة واقعية في صنع السياسات في العواصم الغربية.

إن التحولات الناجحة تعتمد منذ البداية على عوامل لا تزال مفقودة إلى حد كبير في ليبيا ــ زعامة متماسكة نسبيا، ومجتمع مدني نشط، ووحدة وطنية. وفي غياب هذه العوامل فمن المرجح أن تفشل ليبيا في الوقوف على قدميها، مثل العراق في مرحلة ما بعد صدّام، وأن تعاني من الانقسام السياسي المستمر والاضطرابات المدنية الخطيرة، فضلاً عن مجموعة متعددة الجوانب من الضغوط الجيوسياسية.

والواقع أن تجنب هذه النتيجة يستلزم وجود وسط سياسي قوي. ولكن منذ اندلعت الانتفاضة في فبراير/شباط 2011، كانت ليبيا مفتتة على الصعيد السياسي إلى حد كبير. فهي تفتقر إلى ذلك الشكل من أشكال المجتمع المدني القادر على قيادة الانتفاضة وغرس بذور السياسات اللازمة لمرحلة ما بعد السياسة السلطوية، كما كانت الحال في تونس، وفي مصر (ولو على نحو أكثر تعقيدا).

ويزعم البعض أن عملية الانتقال في ليبيا تعرقلت بسبب تدخل حلف شمال الأطلنطي، حيث كان التحول السريع من الانتفاضة الشعبية العفوية إلى حركة مدعومة من قِبَل النخبة والخارج سبباً في منع الثورة من اتباع المسار الخطي الذي رأيناه في تونس ومصر. لذا فعلى الرغم من الدعم الدولي الكبير، لا يزال المجلس الوطني الانتقالي يفتقر إلى المستوى اللازم من الإجماع لتشكيل حكومة قابلة للاستمرار.

لقد عاني المجلس الوطني الانتقالي من صراعات داخلية منتظمة، ويحيط بعضويته وعمله ستار من السرية. وفي يوليو/تموز الماضي اغتيل القائد العسكري للمجلس عبد الفتاح يونس العبيدي في ظل ظروف غامضة. ثم في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن المدعي العام العسكري للمجلس الوطني الانتقالي عن نائب رئيس وزراءه السابق علي العيساوي بوصفه المشتبه به الرئيسي في هذه القضية. وكان ما أحاط بالقضية من تعتيم وصراعات بمثابة الإشارات الدالة على هشاشة البيئة السياسية في البلاد منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي.

ينبغي لليبيا أن تنتبه إلى الكيفية التي أظهر بها العراق في مرحلة ما بعد صدّام الصراعات التي لم تتوقف على السلطة والاقتتال الداخلي. ففي عام 2010، كانت مؤامرات ومكائد الزعماء السياسيين ــ على المستويات الشخصية والقَبَلية والطائفية ــ سبباً في ترك البلاد بلا حكومة لمدة 249 يوما.

واليوم تبدو ليبيا وكأنها على وشك الخضوع لصراعات مماثلة، ويرجع هذا في الأساس إلى وجود جهات سياسية فاعلة قوية خارج المجلس الوطني الانتقالي. على سبيل المثال، كان المجلس العسكري القوي في طرابلس (20 ألف عضو)، والذي يسيطر على العاصمة، كان يعمل على الدوام بشكل مستقل عن المجلس الوطني الانتقالي، كما أجبر وزير خارجيته محمود جبريل على الخروج من الحكومة.

ومن ناحية أخرى، أصدر مجلس الثوريين المنافس في طرابلس تحذيراً مفاده أنه سوف يعمل على إقالة أي حكومة قادمة إذا لم يتم تلبية مطالبه فيما يتعلق بتمثيله فيها. كما يواجه المجلس الوطني الانتقالي الضغوط من البربر في ليبيا، الذين يشكلون 10% من السكان والذين نزلوا إلى الشوارع بالفعل للتنديد بالترتيبات السياسية الجديدة وإعلان رفضهم لأي نظام لا يتسع لثقافتهم ولغتهم.

وقد يتفاقم هذا الشقاق بفعل عاملين إضافيين. الأول يتلخص في مشاعر الاستحقاق المتنافسة بين المدن الكبرى فيما يتصل بثمار الثورة: في مصراتة حيث تم عرض جثة القذاف؛ وفي طرابلس التي استضافت مراسم الاحتفال بالتحرير؛ وفي الزنتان التي تحتجز سيف الإسلام نجل القذافي سجينا. وكل هذه المدن، مثلها كمثل أغلب الليبيين، تشترك في نفس التوقعات غير الواقعية بأن حريتها الجديدة سوف تعمل بشكل أو آخر على حل المشاكل الاقتصادية الاجتماعية التي تعاني منها.

ويتلخص العامل الثاني الذي يعمل على تعقيد الأمور في أن السلطة السياسية تكمن الآن في أيدي مليشيات متنافسة. ومن الواضح أن نزع فتيل المنافسات الضارية التي بدأت على أشدها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بين مقاتلين من الزاوية وورشفانه، وبين فصائل مختلفة في طرابلس، سوف يكون أمراً بالغ الصعوبة، في ظل رفض الثوار للدعوات المتكررة التي أطلقها المجلس الوطني الانتقالي لنزع سلاحهم. والآن أصبحت طرابلس عُرضة لخطر التحول إلى مدينة أشبه ببغداد في عام 2005، حيث تسيطر جماعات مختلفة على المضمار وتؤسس لاقتصاد المحسوبية السياسية.

وتعمل هذه المنافسة بين المدن، إلى جانب استقلال المليشيات على هذا النحو العنيد، على تفاقم الانزعاج الشديد لأن ليبيا أصبحت الآن غارقة تحت ركام من الأسلحة المخزنة في مخابئ غير محروسة، ومستودعات الذخيرة المنهوبة، والآلاف من صواريخ أرض جو المحمولة على الكتف والتي تعمل باستهداف الحرارة. وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أكّد مختار بلمختار قائد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أن التنظيم اغتنم الفرصة لتأمين بعض ترسانته عندما بدأت الثورة.

ومن ناحية أخرى، فإن أهداف فرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وجامعة الدول العربية، وحلف شمال الأطلنطي، وقطر، والتي لعبت جميعها دوراً في انتقال ليبيا، من غير المرجح أن تتماثل. أو بعبارة أخرى، من المرجح أن تعمل الضغوط الخارجية أيضاً على سحب ليبيا في العديد من الاتجاهات المختلفة، وهذا من شأنه أن يزيد من تأخر عملية بناء الدولة على نحو مستقل ومستدام.

لقد ترك القذافي للبلاد فخاً خداعيا. فقد خلق انهيار الحكم الاستبدادي فراغاً أمنياً وأصاب أجهزة الدولة بالشلل، الأمر الذي جعل ليبيا عُرضة للنفوذ الخارجي، على نحو لا يخدم إلا مصالح الشركات العالمية. ولكي تتجنب ليبيا تكرار الأخطاء المكلفة التي ارتكبت في العراق، فإنها سوف تكون في احتياج إلى زعامة بارعة قادرة على صياغة رؤية وطنية جديدة مقنعة تتوحد حولها السلطات المتنافسة، وكبح جماح المليشيات غير المنضبطة، والحد من المخاطر الاستراتيجية التي تهدد البلاد.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedWim Roffel

    Neither Gaddafi nor Saddam left a "booby trap". The West and its revolutionary friends boobytrapped themselves when they allowed their hatred to throw away every element of the old order. It would have been much better to build on the old system instead of throw it away. But that would have meant compromise and accepting that old regime appointments will stay around.

Featured