Saturday, October 25, 2014
0

أزمة لاجئي العراق

بين العديد من الأزمات الإنسانية التي أنتجتها الحرب الأهلية المستعرة في العراق الآن، هناك أزمة خفية تقريباً عن العيان. قليلاً ما تصل مشاهد التهجير الضخم للمدنيين إلى شاشاتنا، وذلك، لأنها وعلى عكس القنابل والهجمات الانتحارية، لا تولد الدماء والآهات والنيران، العناصر الأساسية في الأخبار الرائجة. ولكن الأرقام مخيفة فعلاً؛ يهجر ما يزيد عن الأربعين ألف عراقي منازلهم شهرياً هرباً من الحرب. يذهب نصفهم إلى أجزاء أخرى من العراق، أما البقية فيغادرون إلى الخارج.

إن تعداد السكان العراقي ينزف فعلياً. يغدو هذا النزيف أكثر درامية لأنه ومنذ بداية الغزو قبل أربعة سنوات من اليوم، أعيد توطين 3183 فقط من العراقيين في بلدان ثالثة. وتبعاً للمفوضية العليا للاجئين؛ قدمت البلدان مجتمعة فرصة ثانية في الحياة لعدد يقارب حصيلة خمسة أيام من المهاجرين فقط.

ليست الهجرة بالأمر الجديد، ولكن، ومنذ التفجير الذي استهدف الجامع الذهبي في سامراء في شهر شباط/فبراير من العام 2006، ازداد تسارع وحجم الهجرات. وبالفعل تعتبر حركة الهجرة هذه الأكبر في الشرق الأوسط منذ العام 1948.

يتبعثر مليوني لاجئ عراقي في أنحاء المنطقة، ويتركز معظمهم في الأردن وسورية، وما تبقى يتوزع في تركيا ولبنان ومصر. وبما أنهم مهاجرون مدنيون ـ لم يتم إيواؤهم في الخيام، وإنما اختلطوا مع السكان المحليين في البلدان المضيفة ـ يمكن تجاهلهم بسهولة.

بالنسبة للعراق يعتبر هذا الأمر استنزافاً دماغياً يصعب إصلاحه. كان عدد سكان العراق 26.8 مليون، هجّر منهم ما يقارب الـ 13%؛ كثير منهم لن يعودوا أبداً. ولكن ما الذي يحصل معهم فعلاً؟

سافرت خلال الشهر الماضي إلى أربعة دول في الشرق الأوسط بهدف اللقاء مع اللاجئين ومعرفة قصصهم وآرائهم. قابلت في عمان ودمشق واسطنبول وبيروت عشرات من الناس الذين يتملكهم خوف حقيقي متأصل من الملاحقة في بلدهم الأم. قبلت مزينة شعر تم اغتصابها لأنها مسيحية. سمعت قصة عن بائع مشروبات روحية اختطف ابنه ذي الربيع الواحد ومن ثم ضربت عنقه. قابلت سائق سيارة أجرة قُتل أباه قبل بضعة أيام فقط في مدينة النجف. استمعت لمهندس سني جعل منه تعاونه مع شركة إنشاءات أمريكية هدفاً للمتطرفين، واستمعت أيضاً لمترجم عامل مع أقلية المندائيين المسيحية نجى بأعجوبة من الموت عندما جرى تفجير مقر الأمم المتحدة في شهر آب/أغسطس من العام 2003. كانت غالبية من تحدثت إليهم معوزين ودون أي أمل مستقبلي. لم يرغب أي منهم أن أذكر اسمه.

يواجه اللاجئون في البلد الأول الذي يؤويهم ثلاثة احتمالات عادة؛ العودة إلى بلدهم الأم أو محاولة الاندماج في البلد المستضيف أو محاولة الانتقال إلى بلد ثالث. ولكن هل يمتلك العراقيون هذه الخيارات الثلاثة فعلاً؟ هل يمكن أن يتخيل أحد من متابعي المجازر اليومية الحاصلة في العراق بأن يعود العراقيون إليه؟

النفي هو الجواب حتماً. إن لم يكن البرلمان العراقي ـ الموجود في أكثر المباني حماية في البلاد ـ منيعاً عن التفجيرات من الداخل، فما هي المنطقة الخضراء في العراق؟ كل المناطق مصبوغة بالحمرة هناك. إن عودة العراقيين أمر بعيد عن الواقع حتماً وهو أمر عصي على التحقيق في أي أمد قريب.

لا يستطيع كثير من العراقيين الاندماج في المجتمعات المضيفة أيضاً. صحيح أن الأردن وسوريا أدخلتا معظم من طرق بابهما من العراقيين، ولكنهما لا تمنحان إمكانية الاحتواء المحلي المتين لهم. لا يمكن للعراقيين بأن يحصلوا على إقامات دائمة، ولا يمكنهم الحصول على رخص عمل أو الحصول على الخدمات الصحية العامة. وفي الأردن، لا يستطيع الأطفال العراقيون الذهاب إلى المدارس العامة. لا تكمن المشكلة هنا في انعدام الرغبة أو التخاذل لدى الدول المضيفة؛ لن تستطيع هذه الدول ببساطة تحمل عبء توسيع خدماتها لتشملهم. إن من الضروري مساعدة هذه الدول على التماشي مع تفاقم حالة اللجوء لديها، ولكن لا يمكننا اعتبار هذا الحل حلاً طويل الأمد.

يتركنا هذا الواقع في مواجهة الخيار الثالث الكامن في إعادة التوطين في بلد ثالث. الأمر الذي يقتضي تقدم الدول المشهورة ببرامج اللجوء الكريمة إلى الواجهة، وبأن تعرض هذه الدول الأماكن لاستضافة العراقيين. تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية مثالاً سيئاً؛ إذ لم تقبل الولايات المتحدة سوى 692 لاجئ عراقي ـ ما يقارب العدد الأسبوعي من القتلى في العراق ـ منذ بدء الاجتياح. في شباط/فبراير الماضي أعلنت إدارة بوش بأنها ستعرض التوطين هذه السنة على 7000 لاجئ عراقي. سيكون وفاء الولايات المتحدة بوعدها خطوة كبيرة نحو الأمام، ولكن الوضع الطبيعي يقضي بأن تقود أمريكا التي قادت التدخل في العراق، حملة العناية بضحاياه.

وفي حال تخلت أمريكا عن هذا الواجب؛ سيكمن الأمل في تصدي دولٍ أخرى ـ أكثر كرماً ـ له. إن اللاجئين العراقيين أزمة لا يمكن تجاهلها؛ يجب على المجتمع الدولي أن يخفف من العبء الذي تحمله دول المنطقة، في نفس الوقت الذي يجب أن يقدم فيه هذا المجتمع فرص إعادة التوطين للكثير من الضعفاء الباقين من العراقيين.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured