Friday, November 21, 2014
0

نصف خطوة في العراق

جاء النجاح النسبي للانتخابات في العراق بمثابة انتصار كبير للديمقراطية، لكنه لم يكن بالضرورة نجاحاً للإصلاح السياسي في الشرق الأوسط.

إن التمييز هنا بين القضيتين أمر في غاية الأهمية. فالقوى المناهضة للديمقراطية والتي حاولت منع الناس هناك من الإدلاء بأصواتهم كانت من جماعات إرهابية عربية مسلمة سنية، تتراوح ما بين مؤيدي صدام حسين الديكتاتور المخلوع، وبين أتباع أسامة بن لادن المتطرف الإسلامي. ولأن العرب من السُنة، الذين يشكلون أقل من 25% من تعداد سكان العراق، يدركون أنهم لا يستطيعون الفوز في انتخابات ديمقراطية، فقد حرض العديد من زعمائهم على مقاطعة الانتخابات.

وفي المقابل، هناك العرب من الشيعة المسلمين الذين يشكلون 75% من تعداد سكان العراق، والذين يدركون أنهم سيسيطرون على نظام الحكم الجديد، وهناك الأكراد الذين يريدون حكماً ذاتياً محلياً. وعلى هذا فقد كان أغلب السكان على يقين من أن الحكومة التي سيختارونها في ظل انتخابات ديمقراطية سوف تخدم مصالحهم، مما دفعهم إلى المشاركة في الانتخابات بكل حماس. والحقيقة أن رجال الدين المسلمين من الشيعة أمروا أتباعهم ـ بما فيهم النساء ـ بالإدلاء بأصواتهم وحذروهم من أن القعود في البيوت في يوم الانتخابات يعد من المعاصي.

ولكن إذا كانت معدلات المشاركة المرتفعة، على الرغم من رجوعها إلى المصالح الطائفية الشخصية وليس إلى الإيمان بالديمقراطية، تعد من الأنباء الطيبة عن الانتخابات العراقية، إلا أن النبأ السيئ يتلخص في القيادة التي اختارها الناخبون، والتي لا تتمتع بعقلية ديمقراطية. أما أحزاب الإصلاح الليبرالية والتي حاولت تجاوز الهويات الطائفية واستقطاب كافة العراقيين فلم تحقق أي نجاح. يتبع الائتلاف المنتصر آية الله علي سيستاني ، الذي نستطيع أن نصفه بأنه إسلامي معتدل، إلا أن العديد من أعضاء هذا الائتلاف من الغلاة المتطرفين. وإذا ما نظرنا إلى المستقبل، وعلى الأخص بدون سيستاني الذي يبلغ من العمر الآن 74 عاماً، فلسوف نجد أن النظام الجديد قد يتحول إلى نظام ديكتاتوري.

يشكل هذا الالتباس الحاصل في العراق مثالاً واضحاً للمشكلة التي يواجهها الإصلاحيون الديمقراطيون العرب في بلدان أخرى. فهم يتسلحون بحجج قوية، لكنهم يفتقرون إلى الأعداد الكبيرة اللازمة من الأتباع. حقاً لقد نجحت حركة الإصلاح في تغيير منحى النقاش والحوار في العالم العربي، لكنها ما زالت تقطع أولى الخطى على طريق طويل.

ويفسر الإصلاحيون الموقف الحالي في البلدان العربية بأن الأنظمة القومية العربية كانت بمثابة الكارثة لأكثر من نصف قرن من الزمان، حيث تسببت في خلق مجتمعات وأنظمة اقتصادية متخلفة وفقاً لكافة المقاييس الإحصائية للتنمية، بينما قادت بلدانها إلى حروب وأزمات مكلفة وغير مثمرة لا تعد ولا تحصى. وفي وقت تنتشر فيه الديمقراطية وتزدهر فقد ظلوا مصرين على استمرار أنظمتهم الاستبدادية.

لكن البديل الأكثر قوة للوضع الراهن يتمثل في حركات المعارضة الإسلامية القوية التي لا تملك حلولاً حقيقية للعلل التي تعاني منها مجتمعاتها، ولا تسعى إلا إلى فرض صورة أخرى من الدكتاتورية. ويشكل الإرهاب المتولد عن هذه الجماعات تهديداً محلياً ضخماً متنامياً من شأنه فقط أن يؤدي إلى المزيد من تمزيق المجتمع.

وإلى جانب مكافحة هؤلاء القوميين والإسلاميين العرب الأكثر قوة، يضطر الليبراليين العرب إلى التعامل أيضاً مع نطاق عريض من القضايا، بما في ذلك تحديث الإسلام أو تغليب صفة الاعتدال عليه، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والصراع الإسرائيلي العربي، وحقوق المرأة. وفي كل من هذه القضايا، سيكون لزاماً عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيجابهون الرموز المقدسة للإيديولوجية القومية والإسلامية أو يمالئونها. في الحقيقة، لا توجد حلول سهلة لهذه المعضلات.

ولنتأمل قضية الإسلام. إن اقتراح العلمانية ـ التوجه التاريخي لليبراليين في الغرب ـ يعد بمثابة انتحار سياسي. أما الدعوة إلى تحديث الإسلام من خلال السماح لرجال الدين بتفسير قوانينه في ضوء الأحوال المعاصرة فقد تكون أكثر قبولاً. لكن هذا التناول أيضاً قد يحمل في طياته مردودات محتملة على قدر كبير من الخطورة. فقد كان هذا بالتحديد ما لجأ إليه الأصوليون الإسلاميون حين حولوا المعارضة الإسلامية التقليدية إلى تفجيرات انتحارية، على سبيل المثال.

تتمثل الإستراتيجية الأكثر سهولة أمام الليبراليين في الانضمام إلى المسلمين المحافظين الذين لا يرفضون التطرف الإسلامي فحسب، بل ويرفضون أيضاً الإصلاح السياسي. وفضلاً عن هذا، فإن العديد من الليبراليين، وعلى الأخص في المملكة العربية السعودية، يعرضون العمل مع الأنظمة القائمة في مواجهة الثوريين الإسلاميين الأصوليين ـ وهي استجابة منطقية ومفهومة، ولكن من شأنها أن تؤدي إلى تعزيز وتقوية الوضع الراهن للنظام المستبد.

هناك القليل من الأشخاص الذين يصلحون كقدوة من أجل التوصل إلى تفسير أكثر اعتدالاً واستيعاباً للفكر المعاصر للإسلام. وربما كان نظام التعليم في تونس أهم الأمثلة في هذا المجال. فالطلاب في الجامعة الإسلامية هناك يدرسون أيضاً الإنجيل، كما أن المناهج تركز وتؤكد على أكثر التفسيرات تسامحاً للإسلام. على سبيل المثال، كان أحد الامتحانات النهائية في إحدى الكليات يدور حول تكليف الطلبة بالاستعانة بالنصوص الإسلامية في كتابة مقال يبين ضرورة معاملة غير المسلمين الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي على نحو عادل نزيه.

ومن خلال ترويجهم للديمقراطية يرفض الليبراليون الحجة التي يلجأ إليها حكام اليوم والتي تقول إن أول انتخابات حرة ستكون هي الأخيرة، وذلك لأن الإسلاميين سوف يفوزون بالانتخابات ويؤسسون أنظمة حكم تهيمن عليها السلطات الدينية. ويصر دعاة الإصلاح على أن الغالبية العظمى من الناس يؤيدون الحلول المعتدلة، أو يؤكدون على الأقل أن الجماعات الإسلامية الأصولية لابد وأن تتحول إلى البراجماتية الواقعية حتى تتمكن من المنافسة على السلطة والفوز بالحكم.

لم يتمكن أحد من إثبات هذه الحجة بعد. فقد فاز في الانتخابات الفلسطينية في يناير قائد معتدل نسبياً، وذلك لأن حركة فتح الحاكمة هي التي رشحته، كما أن الإسلاميين قاطعوا الانتخابات. أما في الانتخابات المحلية التي جرت في قطاع غزة والتي أعقبت انتخابات الرئاسة مباشرة، فقد فاز الإسلاميون الأصوليون الذين يؤيدون الإرهاب في سبعة من المجالس المحلية العشرة هناك.

وما يحدث في العراق سوف يبين لنا كيف ستتولى حكومة منتخبة إسلامية الطراز ممارسة السلطة وتدبير أمورها. لكن الموجة الليبرالية الجديدة في العالم العربي انعكست في التغطية الإعلامية التي امتدحت الانتخابات العراقية ووصفتها بأنها قد تصلح نموذجاً طيباً تقتدي به دول عربية أخرى.

هناك العديد من العلامات الصغيرة الأخرى التي تشير إلى أن التغيير قد يكون ممكناً. ففي مسابقة سنوية في كتابة المقال تديرها وكالة غربية، تعود كل المشاركين من العرب على التركيز على مسئولية إسرائيل عن كل المشاكل التي تعاني منها المنطقة. ولكن في مسابقة هذا العام أجمع كل المشاركين من الكتاب على الحاجة إلى إصلاح مجتمعاتهم كموضوع رئيسي لمقالاتهم.

لقد اتخذت الحركة الإصلاحية الديمقراطية الليبرالية مكاناً لها بين جموع الشعوب العربي، وستظل باقية. ومما لا شك فيه أن الكفاح سيكون طويلاً وعصيباً، وأن النصر ليس مؤكداً في النهاية. لكن هذه الجماعات قد أصبحت بالفعل تشكل منافساً رئيسياً في معترك الأفكار في العالم العربي. والآن يحدوهم الأمل في أن يشكلوا عاملاً مهماً في تحقيق تغيير حقيقي. ولقد كانت الانتخابات العراقية نصف خطوة مهمة على ذلك الطريق.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured