Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

التاريخ الإيراني ومفترق الطرق

نيويورك ـ إن التاريخ نادراً ما يتكشف بسلاسة أو على نحو متساو. بل إن التاريخ كثيراً ما تتخلله تطورات وأحداث كبرى ـ مثل الحروب، والاغتيالات، والطفرات ـ تخلف آثاراً تظل محسوسة لسنوات.

وبعد واحد وثلاثين عاماً من اندلاع الثورة التي أطاحت بالشاه وجلبت الحكم الإسلامي إلى إيران، أصبحنا الآن عند واحد من تلك المنعطفات. لا شك أننا لا نعرف شيئاً عن درجة أو اتجاه أو سرعة التغيير. ولكن ما نعرفه على وجه اليقين هو أن ما يحدث في إيران سوف يؤثر جوهرياً على منطقة الشرق الأوسط برمتها وما هو أبعد منها، وليس فقط على إيران وحدها.

ومن بين التوقعات المحتملة لمستقبل إيران أن يكون ذلك المستقبل مجرد امتداد لما هو قائم بالفعل، أو بعبارة أكثر دقة إيران التي يحكمها رجال الدين المحافظون والحرس الثوري العدواني، الذي سوف تكون له اليد العليا على نحو متزايد. وسوف يستمر النظام الإيراني في قمع معارضيه المحليين بوحشية، والتدخل في شئون العراق وأفغانستان، وتسليح وتمويل حزب الله وحماس، وفي المقام الأول من الأهمية، تنمية القدرة على تصنيع الأسلحة النووية والوسائل اللازمة لإيصالها إلى أهدافها.

إن مثل هذا المستقبل من شأنه أن يقدم للعالم خياراً عصيباً: فإما الإذعان لفكرة امتلاك إيران للقنبلة النووية أو القدرة على تجميعها بسرعة، أو شن هجوم عسكري وقائي لتدمير القدر الأعظم من البرنامج النووي الإيراني.

ويكاد يكون في حكم المؤكد أن ظهور إيران باعتبارها دولة مالكة للأسلحة النووية من شأنه أن يغري العديد من البلدان المسلمة السُنّية الرئيسية (تركيا، ومصر، والمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال) بالشروع في تنفيذ برامج سريعة لحيازة أو تصنيع الأسلحة النووية. ولا شك أن الشرق الأوسط الذي يشتمل على عِدة دول تمتلك الأسلحة النووية يشكل وصفة أكيدة للكارثة.

ويُعَد الهجوم المسلح من جانب الولايات المتحدة، أو إسرائيل، أو الدولتين معاً، على المنشآت النووية الإيرانية خياراً آخر. ولكن من بين سلبيات هذا الاحتمال أن إيران سوف تنتقم على الأرجح من خلال ضرب مصالح الولايات المتحدة والعاملين الأميركيين في العراق وأفغانستان، وباستخدام حماس وحزب الله ضد إسرائيل وغيرها من بلدان المنطقة. وقد تلجأ إيران أيضاً إلى تعطيل مرور النفط، الأمر الذي لابد وأن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعاره وتوجيه ضربة أخرى إلى التعافي الاقتصادي الأميركي والعالمي.

فضلاً عن ذلك، ورغم أن الضربة الوقائية قد تؤدي إلى تأخر الجهود النووية الإيرانية، فإنها لن تمنع النظام من إعادة بناء برنامجه، بل وقد تؤدي إلى تفاقم المشاكل التي تواجهها المعارضة المحلية للنظام. ولكن على الرغم من هذه العيوب المحتملة، فإن الهجوم المسلح على المنشآت النووية الإيرانية لابد وأن يظل يشكل احتمالاً واضحاً، وذلك نظراً للتكاليف الاستراتيجية الباهظة المترتبة على حيازة إيران للسلاح النووي.

ومن أجل تجنب الخيار الصعب المتمثل إما في التعايش مع إيران المسلحة نووياً أو مهاجمتها، فقد سعى الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومعهم ألمانيا إلى استئناف المفاوضات من أجل الحد من حجم البرنامج النووي الإيراني ووضعه تحت الإشراف الدولي. أما روسيا والصين اللتان تزعمان أنهما تعارضان امتلاك إيران للأسلحة النووية، فقد أصبحتا الآن تحت ضغوط تطالبهما بدعم عقوبات جديدة وأكثر قوة من أجل دعم احتمالات عدم تمكن إيران من امتلاك الأسلحة النووية. ولكن إذا استعنا بالتاريخ كمرشد لنا، فسوف يتبين لنا أن حتى العقوبات القوية قد لا تكون كافية لإقناع حكام إيران بالتفاوض بشكل بنَّاء وقبول فرض القيود على أنشطتها النووية.

وهذه الاعتبارات تزيد من احتمالات قيام المحاولات الرامية إلى تحقيق مستقبل بديل: أو إيران التي تتمتع بقيادة سياسية أكثر اعتدالاً في الداخل والخارج، وأكثر ميلاً إلى التخلي عن تصنيع السلاح النووي أو أي شيء يمت له بصلة قريبة .

وبالإضافة إلى توفير حياة أفضل لسبعين مليون إيراني، فإن حدوث التغير السياسي في إيران من شأنه أن يضعف كلاً من حماس وحزب الله، وبالتالي يعزز من قوة الموقف النسبي للمعتدلين في الضفة الغربية وغزة ويحسن إلى حد كبير من آفاق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. كما أن وجود إيران المعتدلة من شأنه إن يحمل تركيا على إعادة النظر في تحولها الأخير بعيداً عن الغرب وأن يدفع سوريا أيضاً إلى إعادة النظر في توجهاتها في السياسة الخارجية، وهو ما من شأنه أن يخلق فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل ودمشق. فضلاً عن ذلك فسوف تتحسن إلى حد كبير احتمالات ظهور العراق كدولة ناجحة تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها.

من النادر في التاريخ أن تنشأ مثل هذه المسارات المختلفة ـ الممكنة في نفس الوقت ـ من نقطة واحدة مشتركة. ولكن ليس من الصعب رغم ذلك أن نقرر أي المسارات أفضل.

ولهذا السبب فإن الأمر يتطلب اتخاذ تدابير إضافية لتحسين احتمالات التغيير السياسي القادر على جلب الحكومة الإيرانية المستعدة للتعايش السلمي مع شعبها وجيرانها. ومثل هذه التدابير تشتمل على مساعدة حركة الـخُضر حتى تتمكن من الوصول إلى الإنترنت، وفرض العقوبات الإضافية التي تستهدف الحرس الثوري، والدعم العلني للحقوق السياسية والقانونية للشعب الإيراني.

من المرجح أن يقاوم بعض الأفراد والحكومات هذه الاقتراحات، من منطلق اقتناعهم بأن مثل هذا التدخل يشتمل على انتهاك غير مبرر لسيادة إيران. ولكن في عالم اليوم الذي تحكمه العولمة، فإن ما يحدث في إيران ليس مجرد شأن إيراني داخلي. إن الحكومة الإيرانية لديها الحق في الحصول على الطاقة النووية من أجل توليد الكهرباء، ولكنها لا تحتاج إلى سلاح نووي. وهي أيضاً ملزمة تجاه جيرانها والمجتمع الدولي (بالامتناع عن دعم الإرهاب على سبيل المثال) ومواطنيها. ولا ينبغي للعالم أن يقف موقف المتفرج في حين يفشل النظام الإيراني في الوفاء بالتزاماته.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.